|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

ما بين ضوء الفجر ودمعة الفرح، رأيت وجه أبي.
رأيته كما لم أره من قبل، مبتسمًا في الغيب، مطمئنًا كما لو أن قلبه سمع صوت الزفاف من عليائه، فارتاح.
ورأيت أمي…
رأيتها في نظرة وفاء، في نبض يدها، في تلك الدمعة الصامتة التي انحدرت من عينها وكأنها تقول: “وصل الحفيد الذي كنتُ أدعو له في سجودي إلى فرحه.” اليوم، تزيّن الزمان، وتجمّل المكان، وامتلأ البيت برائحة الدعوات القديمة، تلك التي كانت أمي تبثّها في هواء الليل كأنها نسمات صلاة، وتلك التي كان أبي يُتمّها وهو ينظر إلى وجه وفاء الصغيرة ويبتسم.
مصطفى…
يا من وُلد على حافة قلبين عاشقين لله وللذرية، يا من كبرتَ بين صدر أمك وقلب خالك، اليوم عرشك فرح، وخطاك رجولة، ودموعنا صلاة.
كل لحظة في زفافك كانت امتدادًا لحياةٍ لا تُنسى، كأن أمي وأبي، وقد غابا بأجسادهما، حضرا بكل ما في الدنيا من نور.
أما تسمع؟ أما تشعر؟
إنهما حولك…
في ابتسامة أمك وفاء، في زهو خالك، في يد جدّتك التي ما زالت تمسح بها على رأسك ولو من بعد.
هذا العرس ليس لك وحدك، يا مصطفى، بل لأبٍ ربّى بنية تُدعى وفاء، ثم غرس فيها الحنان والحكمة، ولأمٍّ علّمتها كيف تحب، وتنتظر، وتصبر، حتى تزفّ اليوم ولدها زفّةً تُرضي كل الأمهات وتبكي كل القلوب الطيبة.
نعم…
هكذا كنّا نراه، وهكذا أراده الله:
فرحًا باسمًا، يردّ إلى الروح شيئًا مما فقدناه حين فقدناهم،
ويقول لنا: “الخير لا يموت، إنه يُولد من جديد في وجوه أحفادهم.”
مبارك عليك، يا مصطفى، فرحك،
ومبارك على روح أبيكِ يا وفاء، ومبارك على قلب أمك،
ومبارك على كل من أحبّكم ودعا لكم، فقد عاد اليوم بعض من البهاء القديم… عاد على شكل عريس، يخطو بثقة نحو الحياة، يحمل في جبينه النور، وفي دمه دفقًا من الحنين الجميل.
اللهم اجعل هذا اليوم في ميزان والديه، وأكرم به جدّه وجدّته،
وامنحنا من هذه اللحظات ما يواسينا عن ألم الفقد،
ويمدّنا بيقين أن ما زرعوه…
ها هو يزهر أمام أعيننا.
فاليوم، يا مصطفى، عرسك ليس لك وحدك… بل لأمك، وأبيك، وأرواحٍ أحبّت الخير… وما تزال تحرسك من الغيب.