|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

ليست كل الموائد سواء… فثمّة مائدة لا توضع على الأرض بل تُفرش في القلوب، تُرتّبها المحبّة، وتُزيّنها الذكريات. هناك في ملعب أبوحليفة بالكويت، وعلى أرضها الطيبة التي احتضنت الاغتراب بالعطف، امتدّت مائدة الجمعة لا كوليمةٍ عابرة، بل كصفحةٍ من كتاب العمر، ضمّت أبناء ههيا الشرقية في لقاءٍ تحمله الذاكرة كما تُحمل الرسائل الغالية في جيب القلب.
كان أبو مصطفى عبيدو كعادته مضيئًا بالمحبة، جامعًا لا مفرّقًا، باسطًا روحه كما يُبسط الخبز الحار، فامتلأت النفوس قبل الصحون. جلس الجمع حول الطاولة كما يجلس العائدون بعد طول فُرقة، لا يسألون عن شيء قدر ما يسألون: “كيف حالك يا صاحبي؟”، وكأنهم يُحيون فينا قول الرافعي: “ليس في الدنيا ما يُهدى إلا القلوب، فإن أهداك أحدهم قلبه، فلا تُسئ فهمه ولا تردّه.”
مأدبة تُشبه أهلها
حين اجتمع الرجال، حضرت المأكولات لا كأصنافٍ فاخرة، بل كأنها فصول من رواية الريف المصري، بنكهة الوفاء. أبدع حسن الأصيل بأرزٍ معمر يفوح برائحة البيوت القديمة، وصينية بطاطس بالدجاج كأنها من مائدة أمّ لم تغيّبها الأيام، وكلاشٍ محشوٍ بلحمٍ يسرد سيرة الشبع، وتكا دجاج تتمايل وسط السلطة كما تتمايل الألفة في الأرواح.
أما الدمرداش، فقد فاجأ الجمع بباذنجانٍ مخلل لا يوصف، كأنه كهرمان من عصر الجدّات، جعلنا نؤمن بقول المنفلوطي: “إذا اجتمعت البساطة مع الطِّيب، أزهرت المائدة بالرضا.”
في جانبٍ آخر، جاء محمد حليمة بالخبز المصري السُخن، كما لو أن تنّور ههيا عاد للعمل بين أيدينا، يوزّع الحنين قُطعًا من قمحٍ ودفء.
حديث الصبا… حين يصبح الزمن رفيقًا
ما إن وُضعت الصحون جانبًا حتى بدأت الصحبة تُلقي ما في جعبتها من قصص. ضحكنا على مواقف الصبا، وركضنا بأرواحنا خلف الكرات التي ضاعت، وتحدثنا عن زملاءٍ غابوا، لكنهم يسكنون في حكاياتنا. كانت الحكاية تنسلّ من الذاكرة كما ينسلّ الضوء من نافذة قديمة.
ثم دار الحديث حول الأهلي والزمالك، لا بصخب التعصب، بل في رُقيّ الحوار الذي يعرف قدر الاختلاف. تحدث الصحب كما يتحدث الكبار، وتداخلت التحليلات الرياضية بالقوانين واللوائح، بين مزاحٍ وفكر، بين تحليل ونقاش. ولولا هيبة المكان، لظننتنا في ندوة أكاديمية مصغّرة.
صالح، حليمة، صلاح، وعبيدو كانوا بمثابة الجهاز الرقابي – لا على الطعام فقط – بل على السلوك، وعلى اللقمة، وعلى اللحظة. هم أولئك الذين يُراقبون بابتسامة، ويُعقّبون بلُطف، ويُصحّحون بهمس، كأنهم يقتبسون من روح سيدنا يوسف عليه السلام حين قال: “لا تثريب عليكم اليوم.”
ثم جاء الشاي… ومعه القهوة… ثم أم علي
قبيل العصر، كان بويوسف عبيدو يحمل الشاي السخن كمن يحمل التحايا القديمة، يقدّمه كما تقدَّم الكلمات الندية. وبعده، حسن الأصيل وضع قهوته العربية بالتمر بيننا، وكأننا نتحلّق في مجلس الأجداد. لكن اللحظة الذهبية كانت مبادرة احمد عبيدو اللحظية بـ”أم علي”، حلوى لا تُقاوم، خرجت من الفرن كما خرجت الضحكة من القلب.
خاتمة لا تنتهي… لأنها محفورة في القلب
انتهى اللقاء؟ ربما جسديًا. لكن الحقيقة أن كل من حضر عاد وفي قلبه قطعة جديدة من الذاكرة. لقد صدق العقاد حين قال: “الصحبة الصالحة لا تُقدر بثمن، فهي من أعظم أسباب الطمأنينة.”
وفي جمعتنا تلك، لم نُحصِ عدد الأطباق، بل عدد الابتسامات. لم نعدّ الوقت، بل عمق اللحظة. وكأن الأرض باركت خطانا، والسماء أرسلت لنا نعمةً في صورة جمعة.
هذه ليست مائدة فقط… إنها حكاية حبّ ممتدة بين أرضٍ عزيزة وقلوبٍ لا تنسى.