قيادة لا تراها العيون… ويخلدها الأثر

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

حين يُغتال الوفاء ويختال الجفاء، تنكسر في النفوس أشياء لا تُرممها المواقف ولا يواسيها الكلام. يغدو العطاء نادرًا، والصمت أبلغ، وتصبح النية الصالحة هي الميناء الأخير للقلوب التي أُرهقت من زيف التصفيق. في زمنٍ اختلطت فيه الأدوار، وضاعت المعايير، لم يعد القائد من يعتلي المنابر أو يصدر الأوامر، بل من استطاع أن يحفظ الأثر حين تنكسر الأكتاف، ويزرع بذرة الوفاء في صمتٍ، لا تطلب اعترافًا، ولا ترجو جزاءً من أحد. القيادة الحقيقية لا تُرى بالعين المجرّدة، ولا تُحصى بالقرارات الجريئة، ولا تُقاس بعدد المتابعين، بل تُوزن حين يبتعد الضوء، ويخفت التصفيق، ويبدأ الاختبار الحقيقي: هل ما زلت تبذل؟ هل ما زلت ترفق؟ هل ما زلت تختار الصواب، ولو سار الجميع عكسه؟ هناك، فقط، يُكتب اسمك في صحف السماء، لا في قوائم التكريم.

في مؤسسة نائية بإحدى قرى آسيا، كان هناك رجل لا يعرفه الإعلام، ولا يُحسن التصوير، ولم يحفظ من فن الإدارة سوى: كيف تصغي إلى الناس بقلبك قبل أذنك. حين تسلّم قيادة تلك المؤسسة، لم يرفع شعارات، بل مسح الدموع، وأصلح الأسوار، واستعان بالله، ثم بأهل البلد، ليبني بيتًا صغيرًا للعلم، صار لاحقًا مدرسة، ثم صارت المدرسة مركزًا للتدريب، ثم محطة لتوزيع الماء، ثم ملاذًا للأرامل. لم يكن في القصة مؤتمر صحفي، بل كان فيها طفل يتيم يقول له: “أبي، هل ستعود غدًا؟” فيمسح على رأسه ويبتسم، دون وعد، لأنه يعلم أن القلوب لا تُغلق إذا ما فُتحت بنية. وحين جاءه يومٌ خان فيه بعض مَن ظنهم سندًا، لم يكتب منشورًا، ولم يشكُ للناس، بل دخل إلى المسجد الصغير في المؤسسة، وبكى. ثم خرج صباحًا كأن شيئًا لم يكن، يوزع الأرز والدفء على العمال، ويبتسم لكل من رآه. حين سُئل لاحقًا: “كيف صبرت؟” قال: “من يقود الناس، لا يحاسبهم على خذلان، بل يحتسبهم عند الله حتى لو نسوه”.

هذه ليست حكاية استثنائية، بل هي نموذج لما لا يُروى عادة. لأننا نبحث دائمًا عن القائد الذي يصرخ في الخُطب، لا الذي يهمس بالدعاء ليلًا. نحتفي بمن يرفع الشعارات،ونتجاهل من رفع عشرات الأرواح من الحضيض إلى الحياة الكريمة، فقط لأنه آمن أن الإنسان أولًا، وأن بناء القلوب أهم من بناء الطوب.

في أفريقيا، امرأة قادت مشروعًا ضخمًا لإعادة تأهيل مئات الأيتام في ثلاث دول. لم تدرس الإدارة، ولم تعرف شيئًا عن تقارير الإنجاز، لكنها كانت تحفظ أسماء الأطفال، وتسأل عن جدّاتهم، وتعرف من منهم يخاف الظلام. في مرة، أرسلت أحد المتطوعين لشراء ثياب للعيد، فلما عاد بالهدايا، أخذت تفرزها بنفسها، وتسأل: “هل هذا القميص سيُفرح محمودًا؟” وحين سألها مساعدها: “ألن نكتفي بتوزيعها كعدد؟” قالت: “القائد لا يُطعم فمًا، بل يُرضي قلبًا”.

هذه هي القيادة حين تُروى بالمحبة، وتُسقى باليقين، ولا تنتظر شيئًا سوى رضا الله. القيادة التي إن اغتيل فيها الوفاء، بقي الأثر شاهقًا، والثمر ناطقًا، والناس – وإن خذلوك – يعودون في النهاية إلى ظلالك، ولو بعد سنين من التيه. إن من أعظم ما يبتلي الله به القادة، أن يمدّ لهم الحب من الناس، ثم يبتليهم بخذلان بعضهم. فيظن الناس أن القائد قد انتهى، لكنه في الحقيقة يبدأ… يبدأ حين يُختبر قلبه، وتُوزن نواياه، ويُكشف له أن ما ظنه سندًا كان امتحانًا، وأن ما حسبه ضوءًا لم يكن إلا اختبار عين، لا بصيرة. في كل مؤسسة صادقة، ستجد هذا القائد الصامت. لا يُذكر في العناوين، لكنه أول من يحضر إذا انطفأ التيار، وإذا تعطلت الرواتب، وإذا مرض أحدهم. لا يسأل كثيرًا: “لماذا حدث هذا؟” بل يسأل: “كيف نحمي الناس من الألم؟” هذا هو القائد الذي لا يُصفق له أحد، لكنه يحظى بصفقة واحدة، من ربٍ لا ينسى.

ولنكن صرحاء… الوفاء اليوم عملة نادرة، لا تُمنح بل تُزرع. والقيادة ليست وصفًا وظيفيًا، بل رسالة حياة. القائد الحقيقي لا يركض وراء المجد، بل يسير في اتجاه المعنى. المعنى الذي يدفعه لأن ينقذ مشروعًا على حساب راحته، أو يدفن غصّته حتى لا يتعثر فريقه. القائد الحقيقي لا يُخبر الناس كم ضحّى، بل يجعلهم يشعرون أن الحياة معه أسهل، دون أن يعرفوا أنه ظلّ يتألم ليسهل عليهم. وحين يأتي يوم تتبدل فيه الوجوه، وتغيب الأسماء، ويعلو الغبار فوق السير الذاتية، سيبقى فقط من زرع، لا من ظهر. من ترك خلفه فكرة، أو قلبًا أحبّه لله، أو أثرًا لا يمحوه الوقت. فليكتبوا ما شاءوا عن القيادة. وليتحدثوا في المؤتمرات ما طاب لهم. أما أنت، فازرع. ازرع حتى وإن اجتثوا أغصانك. وامضِ حتى وإن مشيت وحدك. فهناك صحف لا تصدر كل صباح، لكنها محفوظة في عليين، تُسجَّل فيها نواياك، وصدقك، ووفائك، حتى إذا نسوك في الأرض، ذكرك الله في السماء.

وما عند الله، خير وأبقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top