|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في هذا العالم الذي تتقاطع فيه الأرواح والآفاق، يعيش الإنسان بين سؤالين أزليين: أين يستقر قدري؟ وأين أجد رزقي؟ لقد ولدت الأمثال الشعبية عبر الأزمنة الطويلة، لتكون لسان الحكمة الذي يتحدث نيابة عن الشعوب، وتكشف عن فلسفات عميقة للحياة، وتضع الإنسان أمام خياراته الكبرى. من بين هذه الأمثال يلمع المثل اللبناني “مكان ما ترزق تلصق”، الذي يحمل معنى أن الإنسان حيثما وجد رزقه ومعيشته، عليه أن يستقر ويقيم حياته هناك، متكيفًا مع المكان والزمان، ومستفيدًا من الفرص التي أتاحها الله له. وفي المقابل، يقدم المثل المصري “اللي يخرج من داره يقل مقداره” فلسفة مغايرة، تؤكد أن البقاء في الأرض والوطن الأصلي، مع مراعاة الأمانة والواجبات، هو الأصل، وأن الخروج عنه قد يضعف مكانة الإنسان ويقلل من أثره، ويضعه أمام امتحان أخلاقي وجبلي.
هذه الأمثال ليست مجرد كلمات متداولة، بل هي مختصرات لتجارب إنسانية متراكمة، تحمل عبرها الشعوب دروسًا للحياة، وتضع الإنسان أمام خياراته بين المرونة والسعي وراء الرزق، أو الوفاء للأرض والجذور. فاليوم، ملايين البشر يعيشون تجربة الاغتراب طلبًا للرزق، بينما آخرون يختارون البقاء في وطنهم ولو ضاق العيش، مؤمنين بأن الأرض والوطن يحملان أمانة لا تُفوَّت، وأن لكل اختيار تبعاته الروحية والاجتماعية والإنسانية. ومن هنا يظهر السؤال الأزلي الذي يلازم الإنسان منذ الأزل: أين أستقر وقدري، وأين أجد رزقي؟
تاريخيًا، كانت الهجرات البشرية الكبرى غالبًا بحثًا عن الرزق أو الأمان، وكل هجرة تحمل قصة حياة، وتكشف عن فلسفة وجودية، حيث يختبر الإنسان نفسه وقدراته على التكيف مع البيئة الجديدة، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات الحفاظ على هويته وقيمه ومبادئه. هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة كانت بحثًا عن الأمان والحياة الكريمة، لكنها كانت أيضًا اختبارًا للأمانة، والوفاء بالعهود، والمسؤولية أمام الله. ومن هجرات الفلاحين والصيادين الذين عبروا البحار والجبال بحثًا عن وسيلة للعيش، إلى تجارب الغربة الحديثة في كل قارات العالم، نجد أن الإنسان دائمًا بين قلبه الموطن الأصلي وعينه على الرزق والعيش الكريم، متحملًا مسؤولية أفعاله أمام الله قبل الناس.
والشريعة الإسلامية وضعت قواعد دقيقة للرزق والاعتماد على الله، مع التأكيد على السعي والعمل والاجتهاد. يقول الله عز وجل: “وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها”، وهو نص يربط بين الاعتماد على الله وبين المسؤولية الإنسانية في السعي والعمل. فالإنسان مطالب بأن يسعى حيث يجد رزقه، ولكن ضمن حدود الشرع والواجبات الأخلاقية، فلا يجوز له أن يخل بالأمانة أو يتجاوز الحقوق، لأن كل تصرف خارج هذا الإطار سيُسأل عنه يوم الحساب، حين لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
البعد الأدبي والوجداني للموضوع لا يقل أهمية عن التحليل التاريخي، فالإنسان الذي يرحل عن وطنه بحثًا عن الرزق يعيش حالة وجدانية مركبة، بين حنين الجذور ورغبة الإنجاز، بين الولاء للأرض وحاجة الاستقرار والعيش الكريم. هذا التوازن الدقيق بين الغربة والوطن، بين الرزق والانتماء، بين المرونة والوفاء، هو ما تعكسه الأمثال الشعبية، التي تقدم للإنسان دروسًا حياتية تفوق الكلمات، وتقترب من الشعر الفلسفي الذي يربط بين الروح والمكان والزمن. وعندما يقول جبران خليل جبران: “الوطن ليس مكانًا نولد فيه، بل مكانًا نُحسن إليه”، فإنه لا يعبر عن مجرد وطن مادي، بل عن التزام أخلاقي وروحي، وعن مسؤولية تجاه الأرض التي نعيش عليها، وعن احترام الجذور التي شكلتنا.
الشخصية الإنسانية تتشكل من قراراتها في هذا المجال، فالبقاء في الأرض مع مراعاة الحقوق والقيم يكوّن شخصية قوية، موثوقة، وراسخة في المجتمع، بينما الاغتراب دون التزام قد يؤدي إلى ضعف المروءة وانحراف القيم، أو فقدان التواصل مع الجذور التي تشكل هوية الفرد. ومن هنا، يصبح البحث عن الرزق أكثر من مجرد مسألة مادية، بل هو امتحان للأمانة، ومسؤولية اجتماعية، وأداة للتفاعل الحضاري بين الشعوب، حيث يلتقي الغريب بأهله الجدد، وتنتقل الخبرات، وتندمج الثقافات، ويصبح السعي وراء الرزق وسيلة لتعزيز القيم الإنسانية المشتركة.
من هنا، يتضح أن هذا الموضوع يتجاوز كونه مجرد حكاية أمثال أو نصائح شعبية، ليصبح فلسفة حياة عالمية، تجمع بين الإنسانية، والأدب، والتاريخ، والشريعة، والفكر. الإنسان مطالب بأن يوازن بين احتياجاته المادية وبين القيم التي يؤمن بها، بين طموحه الشخصي وبين التزامه تجاه وطنه وأرضه وأهله، وبين المرونة في السعي وراء الرزق وبين الثبات على المبادئ والأمانة. وكل خطوة يخطوها الإنسان في هذا الطريق يجب أن تكون متوافقة مع الضمير، والشرع، والإنسانية، والوفاء بالعهود.
وفي هذا الإطار، يمكن أن نرى أن الأمثال الشعبية، والاستشهاد بكلمات العظماء، ليس مجرد ترف فكري، بل أداة لتوجيه السلوك، وتعليم الأجيال درسًا خالدًا عن التوازن بين الغربة والوطن، بين السعي للرزق والوفاء بالأمانة، بين الفرد والمجتمع، بين الإنسان وربه. وكل من فهِم هذا المعنى وأدرك حكمة الأمثال وعمقها، أصبح قادرًا على العيش بسلام داخلي، واتخاذ قرارات مدروسة، تحميه من الوقوع في الغلط، وتعينه على بناء حياة ذات معنى، متوافقة مع المبادئ العليا للإنسانية والعدل والحق.
إن الإنسان الذي يعي هذا التوازن، ويعمل بمقتضاه، يعيش حياةً أعمق وأغنى، ويترك أثرًا دائمًا في مجتمعه وفي نفسه، ويصبح قدوة للأجيال القادمة، فالرزق لا يقتصر على المال أو الوظيفة، بل يشمل الكرامة، والمروءة، والسمعة، والانتماء، وكل ذلك عناصر أساسية في فلسفة الحياة الإنسانية. وعندما يوفق الإنسان بين المرونة في طلب الرزق والوفاء للأرض والجذور، يكون قد أدرك معنى الأمثال، وفلسفة الحياة، ودروس التاريخ، ومعاني الشريعة، وربط الحضارات، وخلق تواصلًا إنسانيًا يعكس أسمى ما في الروح البشرية.
وهكذا، نجد أن الأمثال اللبنانية والمصرية حول الرزق والغربة والوطن ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي خريطة روحية وفكرية للحياة، تحمل في طياتها فلسفة وجود الإنسان، وعلاقته بالأرض والزمان والآخرين، وعلاقته بالله وبالحقائق الكبرى. فالرزق قدر وسعي، والوطن قيمة وأمانة، ومن فهم هذا التوازن، أصبح قادرًا على اتخاذ قرارات حكيمة، يعيش وفقها حياةً متوازنة، يحقق فيها ذاته، ويحافظ على جذوره، ويترك أثره في مجتمعه، ويخشى الله في السر والعلن.
وهكذا، تكون الأمثال أكثر من كلمات، وأكثر من خبرات شعبية، بل أدلة حياتية وروحانية وفلسفية، تصلح لأن تكون مادة لمقالات عالمية، وكتب فلسفية، وأدبيات إنسانية، لأنها تجمع بين اللغة الرقيقة، المعنى العميق، السرد الجميل، استدلال العظماء، أثر الشخصية، مقاصد الشريعة، ورابط الحضارات والشعوب، لتؤكد أن كل خطوة في الحياة، كل اختيار، وكل قرار، يجب أن يكون موازنًا بين الحق والواجب والرزق والإنسانية، بما يحقق الصلاح للذات والمجتمع والكون.