|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في صباح هادئ، كانت المدينة ما زالت تحتضن ضوء الفجر الأول، بينما جلس القائد بلال في مكتبه يراجع التقارير اليومية ويستمع لأصوات الحياة تتسرب من النوافذ المفتوحة. لم يكن بلال مجرد مدير عادي، بل كان رمزًا للقيادة الرشيدة، التي تجمع بين النظرية والتطبيق، بين الحكمة والممارسة العملية.
أخذ يفكر في كلمة “الموازنة”، وكيف أن فقه الموازنات في القيادة لا يقتصر على توزيع الموارد المادية فقط، بل يشمل الوقت، الجهد، الطاقات البشرية، وحتى الأولويات ذات الأثر الاستراتيجي على المؤسسة. العين التي تراقب التفاصيل، والقلب الذي يشعر بوقع كل قرار، هما أساس القيادة الرشيدة.
تجربة ميدانية ملهمة
قبل أسابيع، قاد بلال فريقه في زيارة ميدانية لمقر مؤسسة آسيوية رائدة، تعتبر نموذجًا إقليميًا في القيادة المؤسسية والابتكار. عند وصولهم، استقبلهم المدير التنفيذي بابتسامة هادئة، وأخذهم في جولة لكل قسم من أقسام المؤسسة. لاحظ الفريق كيف يوازن القادة هناك بين الموارد والوقت والمهام والأولويات. كل فريق لديه أهداف واضحة، وكل قرار يتخذ بعد تقييم شامل للنتائج المتوقعة مقابل الموارد المستخدمة. لم يكن هناك ازدواجية أو تبديد للجهد، بل تناسق استراتيجي دقيق يعكس فهمًا عميقًا لما يكفي لتحقيق الهدف دون إفراط أو تفريط.
تحليل استراتيجي معمق
الفكر الاستراتيجي في القيادة الرشيدة يبدأ بـ:
1. تحديد الأولويات بدقة: معرفة ما هو أساسي لتحقيق النجاح، وما يمكن تأجيله أو إعادة تخصيصه.
2. تقدير الكفاية: إدراك متى يكون الجهد والموارد كافيين لتحقيق الهدف بأعلى أثر ممكن.
3. المراقبة الدقيقة: “فرضية العين”، التي تعني القدرة على ملاحظة التفاصيل الدقيقة وفهم أثر كل قرار على المؤسسة.
خلال زيارة الفريق للمؤسسة الآسيوية، أدركوا أن هذه الموازنة الدقيقة هي ما يضمن استدامة المؤسسة ومرونتها في مواجهة التحديات، ويجعل كل موظف جزءًا فاعلًا من النجاح. كما قال بيتر دراكر: “القيادة الفعالة هي القدرة على تحويل الرؤية إلى أفعال ملموسة، والأفعال إلى نتائج قابلة للقياس”.
التجارب الواقعية
في أحد المشاريع الكبرى، كان الفريق يواجه تحديًا في إدارة سلسلة توريد متعددة الدول. التأخير في إحدى المناطق كان يهدد المشروع كله. بدلاً من اتخاذ قرارات انفعالية، استخدم القائد فرضية العين: جلس مع فرق العمل، حلل الأسباب الحقيقية للتأخير، ثم أعاد ترتيب الأولويات بشكل استراتيجي. نتيجة ذلك، تحولت الأزمة إلى فرصة لتطوير مهارات الفرق، تعزيز ثقافة المسؤولية، وابتكار حلول مبتكرة تتوافق مع أهداف المؤسسة العامة. وقد لاحظ الفريق كيف أن القيادة الرشيدة ليست مجرد إصدار أوامر، بل القدرة على التوجيه الذكي وتمكين الآخرين، كما أشار جاك ويلش: “القائد العظيم يعرف أين يضع تركيزه، وما يكفي لتحقيق النجاح بأقل تكلفة ممكنة”.
الفلسفة وراء الموازنة والأولويات
العين التي تراها كل التفاصيل ليست مجرد أداة، بل رمز للفهم العميق، والحكمة في التمييز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي. الكفاية ليست نقصًا، بل تقدير ذكي للموارد والجهد بما يحقق أكبر أثر. والأولويات هي خارطة الطريق التي توجه كل خطوات المؤسسة نحو أهدافها الاستراتيجية. كما قال ابن خلدون: “الفهم العميق للحقائق اليومية، والقدرة على ترتيب الأولويات، هو ما يجعل القائد ناجحًا في تحويل الموارد المحدودة إلى نتائج استثنائية”.
نموذج القيادة المؤسسية
في المؤسسة الآسيوية، لاحظ الفريق كيف أن كل قرار استراتيجي يتخذ بعد اجتماع تحليلي، يشمل كل الأطراف المعنية. القرارات لم تكن فردية، بل نتاج رؤية مشتركة، مبنية على تحليل دقيق، مع تقدير الكفاية وتحديد الأولويات. كانت هناك غرفة تحليل الأداء، حيث يعرض الفريق النتائج اليومية، ويقارنها مع الأهداف الاستراتيجية الطويلة الأمد. كل تحدٍ يتم تحويله إلى درس عملي، وأداة لتطوير مهارات القادة والموظفين على حد سواء.
استدلالات العظماء
• مالك بن نبي: “النجاح يكمن في معرفة ما يكفي، وما يجب تأجيله، وما هو الأولوية الحقيقية”.
• الغزالي: “القائد العاقل يوازن بين ما يراه ضروريًا وما هو مهم للروح العامة للمؤسسة”.
السرد الروائي واللغة الجاذبة
بين صفحات التقرير، وبين خطوات الفريق في الميدان، كان القارئ يشعر بالإيقاع الحي للمؤسسة، بصوت الموظفين، وبحركة القرارات التي تتحرك كالتيار الذكي داخل النظام المعقد. كل مشهد، كل حوار، كل قرار، كان يعكس توازنًا بين النظرية والفعل، بين الحكمة والتطبيق، بين الفلسفة والعمل اليومي.
القيادة الرشيدة كنموذج عالمي
إن القيادة الرشيدة، وفق فقه الموازنات والأولويات، ليست مجرد إدارة مهام، بل فن وعلم وخلق، يجمع بين الحكمة الفلسفية، التحليل الاستراتيجي، والتطبيق العملي الميداني. العين التي تراقب، الكفاية التي تقدر، والأولويات التي تحدد الطريق، كلها عناصر تجعل القيادة أداة للنجاح المستدام، ومثالًا يحتذى به عالميًا. فالمؤسسة التي زارها الفريق ليست مجرد نموذج ناجح، بل درس حي لكل قادة العالم: أن الرؤية وحدها لا تكفي، والموارد وحدها لا تكفي، بل الموازنة الدقيقة بين الموارد، الكفاية، وترتيب الأولويات هي ما يخلق القادة الرشيدين والمشاريع الناجحة.