|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في صباح يغسل الروح بنور جديد، تقف الإنسانية أمام تحدياتها المتكررة، تتلمس الطريق بين ضباب الأحداث وضجيج السياسة، محاولة أن توازن بين الفعل ورد الفعل، بين الإغاثة والاستباق، بين الممكن والمأمول. هنا يولد السؤال الذي لا يشيخ: هل نحن مجرد متلقين لتداعيات الواقع، أم قادرون على أن نصنع من إرادتنا جسرًا يسبق الخطر، ويمهّد طريقًا للخير والنجاة؟
التاريخ لم يكن يومًا صامتًا؛ كان دائمًا مرآة لآلام البشر ونضالاتهم وأفراحهم وأخطائهم. كل صفحة فيه تحمل حكمة عظيمة: ابن خلدون الذي كتب عن العمران البشري كركيزة لمصائر الأمم، والفارابي الذي أدرك أن العقل يقود السلوك قبل أن يقوده الواقع، وابن سينا الذي جمع بين العلم والإنسانية في وعي واحد. استدعاء هذه الرؤى ليس ترفًا معرفيًا، بل تذكير أن أزمات اليوم امتداد لدروس الأمس، وأن الخروج منها لا يكون إلا عبر البصيرة والفعل المتوازن.
تأملوا مثلًا النزاعات الكبرى في القرن العشرين، حين اضطر الملايين للنزوح، وكيف أن بعض المنظمات الإنسانية، رغم محدودية إمكانياتها، استشعرت تداعيات الحرب مسبقًا، فجهّزت مخيمات وأعدّت فرق طوارئ، فقلّلت من حجم الكارثة وحفظت الأرواح. هذا يثبت أن التاريخ ليس سردًا جامدًا، بل خريطة عملية تقودنا إلى حيث يمكن للفعل الاستباقي أن يصنع فارقًا.
العمل الإنساني في صورته التقليدية كثيرًا ما بدا رد فعل؛ حربٌ تشتعل، نزوحٌ يقع، مأساةٌ تتفجر، ثم تهرع فرق الإغاثة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. غير أن القيمة الحقيقية للعمل الإنساني تكمن حين يصبح استباقيًا: أن نستشعر العواصف قبل أن تضرب، أن نحشد الموارد قبل أن يشتد البلاء، وأن نجعل الخطة الاحترازية فعلًا حيًا لا ورقًا مؤجلاً. وهنا تظهر قيمة ما يُسمى في الأدبيات المهنية بـ “تقدير الموقف”: تلك العملية الدقيقة التي تمزج بين تحليل الواقع وفهم السياسة واستشراف الميدان. هي الجسر الذي يربط القرار السياسي بالفعل الإنساني، فتتحول المعلومة إلى بصيرة، والبصيرة إلى خطة، والخطة إلى أثر ملموس.
إعصار كاترينا كان شاهدًا على هذا المعنى. رغم الفشل في الاستجابة المبكرة، جاءت الدراسات اللاحقة لتؤكد أن “تقدير الموقف” المسبق – بما يشمله من قراءة السيناريوهات والاستعداد للموارد – هو الذي مكّن بعض الولايات لاحقًا من إجلاء السكان وتخزين الإمدادات، فحُفظت الأرواح في أعاصير لاحقة. هنا يلتقي التحليل التاريخي بالفعل الميداني، ليثبت أن الاستباقية ليست رفاهية بل ضرورة حياة. وليس الحديث هنا عن الكوارث الكبرى فقط، بل عن التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق. قصة معلم في مخيم للاجئين ظل يكتب رسائل يومية لطلابه رغم الدمار، ليبث فيهم شعور الأمان، مثالٌ على أن الفعل الاستباقي قد يكون بسيطًا، لكنه يعيد للروح بريقها. تلك التفاصيل تجعل اللغة جسرًا لا بين القارئ والكلمات فحسب، بل بين الإنسان والإنسانية نفسها.
الخبرات العالمية تُظهر أن المجتمعات التي استعدت للمجاعات أو الأوبئة ببرامج تعليم وتوزيع موارد مسبقًا، خففت من حجم الكارثة بشكل ملموس. هذا يؤكد أن الاستباقية واجب أخلاقي قبل أن تكون خيارًا إداريًا. هنا تتقاطع السياسة بالعمل الإنساني. فالوعي بالتوازنات الدولية والمحلية لا يُضعف الفعل الخيري، بل يمكّنه؛ يجعل القرارات أكثر واقعية، والموارد أكثر كفاءة. السياسة، حين تُفهم جيدًا عبر “تقدير موقف” شامل، تتحول من قيد إلى أداة، ومن حاجز إلى جسر يفتح المجال أمام فعل إنساني أعمق أثرًا.
ويبقى السؤال: كيف نصنع هذا التوازن؟ الجواب في مزيجٍ من التخطيط الواعي، المعرفة التاريخية، القراءة السياسية، والإحساس بالمسؤولية الإنسانية. ليس سهلًا أن نمسك العصا من الوسط بين العقل والقلب، بين المبادرة والانضباط، لكن التاريخ أثبت أن العظماء نجحوا حين جعلوا الاستباقية فنًا يُمارس لا شعارًا يُرفع. التحدي إذن أن تتحول هذه الرؤية إلى ممارسة مستمرة: فرق مدرّبة، استراتيجيات متجددة، شبكات تعاون دولية، ونفس طويل في مواجهة المفاجآت. كل عنصر من هذه العناصر يرفع العمل الإنساني من كونه رد فعل عاجلًا إلى فعل استباقي مُلهم، ينقذ الأرواح ويزرع الأمل.
في الختام، يظل الهدف الأسمى أن نترك أثرًا حقيقيًا، لا في معالجة آثار الأزمات فقط، بل في زرع بذور وعي وخير تدوم بعدنا. أن يكون هذا المقال جسرًا يحفز الفكر ويثير الهمة، فيدعو القارئ أن ينظر بعين المستقبل، ويوازن بين عقلٍ يخطط وقلبٍ يستشعر، وأن يسعى ليكون سباقًا في فعل الخير، لأن في السبق للخير يكمن المعنى الأسمى للإنسانية نفسها.