مَدْفُونٌ يَتَنَفَّسُ… وَحَيٌّ يَحْفِرُ قَبْرَهُ فِي الْمُؤَسَّسَةِ

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

إلى كلّ من يظنّ أنه يعمل… وهو في الحقيقة يُدفن ببطء. إلى من لا يزال قلبه يخفق تحت ركام الإجراءات، يبحث عن نَفَس حياةٍ وسط الأوراق. إلى الأرواح التي ما زالت تصحو عند الأذان، وتبكي عند الظلم، وتبتسم عند النية الصافية. إلى الذين يؤمنون أن المؤسسة بيتٌ للأمانة لا مقبرةٌ للأمل، وأن الحضور الحقيقي ليس في البصمة على الجهاز، بل في البصمة على الضمير. إلى من أدرك أن النجاح بلا إخلاصٍ ضجيج، وأن الراتب بلا رسالةٍ صدقةٌ ناقصة، وأن الترقية بلا ضميرٍ سقوطٌ راقٍ في الهاوية. إلى الذين اختاروا أن يكونوا أحياءً في مؤسساتهم، ولو سار غيرهم بألقابٍ على شواهدهم الإدارية

كان الصباح يمرّ كعادته، وأقداح القهوة تصطف كجنود بلا روح، وأصوات “صباح الخير” تخرج من أفواهٍ لا تسكنها القلوب. وفي زاوية المكتب، جلس رجلٌ يحدّق في الحائط أكثر مما يحدّق في الملفات. لم يكن يفكر في المهمة القادمة، بل في السؤال الذي اخترق وجدانه فجأة: هل أنا ما زلتُ حيًّا في هذه المؤسسة؟ أم أنني دُفنت منذ زمنٍ في مقبرة الحضور والانصراف؟” تلك اللحظة، كانت لحظة القيامة الفكرية الأولى. فما أشدَّ موتَ الإنسان وهو يتنفس، وما أوجعَ أن تُقاس الحياة بعدد الاجتماعات لا بنبض الرسالة.

العلامة الأولى للدفن: حين يتحوّل الشغف إلى عادة.

كان يأتي إلى المؤسسة كمن يدخل رسالة، لا وظيفة، وكان يؤمن أن العمل في الخير حياة قبل أن يكون مهنة. لكن بمرور الأيام، تآكلت النية تحت تروس الإجراءات، وتسلّل الروتين في ثوب التنظيم، حتى صار السؤال عن الراتب أسرع من السؤال عن الأثر. وهنا يبدأ الموت البطيء… فمن لم يَعُد يشعر أن ما يقدمه لله قبل المدير، فقد خسر المعنى ولو بقيت صورته على بطاقة العمل.

العلامة الثانية: أن تُصبح الاجتماعات جنازاتٍ صامتة.

يدخل الناس القاعة بأجسادهم، ويخرجون منها كما دخلوا. لا فكرة نبضت، لا رأي أُصغي إليه، لا ضمير تحرّك. يُوزّع الكلام كما تُوزّع الورود الاصطناعية في مأتمٍ بلا دموع. وحين يُسأل أحدهم عن رأيه، يرد بابتسامةٍ باهتة: “ما ترونه مناسبًا.” تلك الجملة وحدها تكفي لنعي روح المبادرة في أي مؤسسة. قال الرافعي ذات يوم: ” إذا رأيتَ الناسَ لا يتكلمون في الحق، فاعلم أن فيهم موتى يمشون.” والمؤسسة التي تصمت عن الحق، تدفن نفسها قبل موظفيها.

العلامة الثالثة: أن يختلط الولاء بالمصلحة.

فالمدفون داخل المؤسسة لا يميز بين من يحبها حقًا ومن يستغلها لتحقيق مكاسب شخصية، لأن عينيه مغلقتان تحت ثقل الروتين والمنافع الزائفة. يعيش على فتات السلطة والرتب، يبتسم حيث يُراد منه أن يبتسم، ويصمت حين يتكلم الخوف بدل الضمير. وإن فُتح قبره المؤسسي يومًا، لوجدت داخله أوراقًا باهتة تشهد على ولاءٍ بلا جوهر، وأداءً بلا ضمير، هناك، على شاهد الغياب، نقش يُقرّ الحقيقة بمرارة: كان مخلصًا… لكن لنفسه.” فالعبرة ليست في الابتسامات المصنوعة أو الصمت المبرر، بل في أن الوفاء الحقيقي لا يُختصر بالظهور، بل بالروح التي تنير العمل وتزرع الخير بلا انتظار جزاء شخصي.

العلامة الرابعة: أن يُقاس النجاح بالأرقام فقط.

تُعلن التقارير ارتفاع الإيرادات، وتُوزّع شهادات التقدير، لكن لا أحد يسأل: هل نمَت القيم؟ هل تغيّر وجه المستفيد؟ هل ازددنا قربًا من الله ونحن ننجز؟ قال الغزالي رحمه الله: “من طلب العمل للدنيا، منحه الله منها ما كتب له، وحرمه لذتها.” وهكذا يُحرم المدفون من لذة العطاء، ويعيش بين الملفات والبيانات كمن يعيش بين ألواح قبره. لكن… هناك دائمًا مَن يُقاوم الدفن. تلك الأرواح التي لم تخن وعدها مع الله، التي ما زالت تشعل في الظلام مصباح النية، وتهمس كل صباح: “اللهم اجعل عملي هذا خالصًا لوجهك.” هؤلاء وحدهم يشعرون أن المؤسسة ليست جدارًا، بل طريقًا إلى الجنة. وأن العمل الخيري أو التنموي ليس مشروعًا ماليًّا، بل امتحانًا في الإخلاص والمروءة والصبر.

وفي إحدى الليالي، رأى صاحبنا في حلمه مشهدًا عجيبًا: المؤسسة كأنها مقبرة واسعة، قبورُها مكاتب، وتوابيتُها كراسيّ دوّارة، وأصوات الهواتف نحيبٌ خافت. لكن في زاويةٍ من الزوايا، كانت هناك نافذة مضيئة يخرج منها طفل صغير يردد قوله تعالى: “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.” فاستيقظ فزعًا، وقال في نفسه: “المدفون لا يرى النور، لكن الحيّ هو من يفتح نافذة لله، ولو وسط المقابر.”

القيامة المؤسسية

حين يستيقظ القائد في داخله، لا الموظف. حين يعلم المدير أن القيادة ليست تسلّطًا، بل شهادة أمام الله. حين يوقن الرئيس أن الأمانة أثقل من العرش نفسه. حين يشعر كل فردٍ أن المؤسسة ليست له، بل هو أمانة فيها إلى حين. حينها فقط – كما قال السباعي – “تُبعث الأمة من جديد، لأن القلوب صدقت بعد أن تعبت الشعارات.”

وفي الصباح التالي، دخل المؤسسة بوجهٍ آخر، لا يحمل أوراقًا، بل يحمل نيةً جديدة. مرّ على زملائه واحدًا واحدًا، وقال لهم: “تعالوا نُخرج أنفسنا من القبر، نكتب في السجلات أحياءً لا أرقامًا.” بدأ بفتح ملفٍ اسمه “النية أولاً”، وآخر بعنوان “الإنسان قبل النظام.” ثم ختم كلمته في اجتماع الفريق قائلاً: “من أراد الحياة، فليُجدّد وضوءه من الإخلاص.” فابتسم الرئيس وقال: “الآن فقط أشمّ رائحة الحياة في هذه الجدران.”

وهكذا خرجوا من القاعة، لا يحملون محاضر اجتماع، بل شهادة ميلادٍ جديدة للمؤسسة. تلك التي كانت بالأمس مقبرة، وغدت اليوم حديقةً للنية والعمل والرحمة. وفي نهاية التقرير السنوي، كتب بخطٍّ صغير في الهامش: “إذا أردت أن تعرف إن كنت مدفونًا في المؤسسة، فانظر: هل تعمل فيها بروح العابد… أم بقلب المأجور؟” فمن وجد قلبه ينبض كلما ذكر الله في عمله، فليحمد الله أنه ما زال حيًّا، ومن وجد قلبه صامتًا، فلْيقرأ على نفسه الفاتحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top