رحلة النور كيف تحوّلت الفكرة إلى حياة في قرغيزيا

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في مساء من عام 2002، سكن المكتب الصغير صمتٌ غريب، كأنه يتهيّأ لولادة فكرة لا تشبه ما قبله. دخل رئيس المؤسسة، عبد اللطيف الهاجري رحمه الله، متأني الخطى، يحمل على وجهه هدوء الواثقين. برفقته صديق عزيز، وفي ملامحهما إشراقة من يعرف أن اللحظة المقبلة ستُكتب في سجل التاريخ المؤسسي. وقف عند باب المدير التنفيذي، ألقى نظرة تحمل من المعنى أكثر مما قالت الكلمات، ثم قال بصوته الموزون بالحكمة: ” أخوك سيعرض الفكرة، والذي تتفقا عليه أوافقه… وانطلقوا” لم يكن يدري أحد أن هذه الجملة القصيرة ستفتح بابًا لفصلٍ جديد من فصول العمل الإنساني والمعرفي، حيث تختلط الموهبة بالإدارة، والنية بالفعل، والفكر بالاحتراف.

 ولادة الصمت

جلس الإعلامي، رجلٌ يفيض اتزانًا وثقة، يحمل في سجله دكتوراه في الإخراج، ويقود شركة إعلامية رائدة. لكنه في تلك اللحظة لم يكن مديرًا ولا أكاديميًا، كان رجل فكرةٍ يريد أن يُخرج من رحمها حياة. بدأ يشرح المشروع بهدوءٍ محسوب، يرسم على الهواء معالم حلمٍ سيُبنى على أرضٍ بعيدة تُدعى قرغيزيا. كان يتحدث عن جامعة محمود كشغري، وعن قسمٍ للإعلام يرى النور لأول مرة، يربط الشرق بالوسط، والهوية بالعلم. كان المدير ينصت بتركيز نادر. صمته لم يكن فراغًا، بل ساحةً تشتغل فيها الفكرة في عمق الوجدان. ولأن الصمت أحيانًا أشد بلاغة من الكلام، ظن الإعلامي لوهلةٍ أن الحلم لم يجد منفذًا للقبول. لكنه لم يدرِ أن هذا الصمت كان الموافقة الأولى، الموافقة التي لا تُقال بالكلمات، بل باليقين.

 من الفكرة إلى الأثر

بعد العرض، قال المدير بابتسامةٍ خفيفةٍ تشبه توقيع القدر: “ابدأ، وسنكون حيث تحتاج” تلك الجملة القصيرة كانت بمثابة أمر تأسيس. لم تُرفع فيها ملفات، ولم تُكتب فيها مراسلات، بل فُتحت فيها أبواب الإرادة. أُعدّت خطة تنفيذية متكاملة، وموازنة تقديرية دقيقة، وبدأت البذرة تتحول إلى بناء. لم يكتفِ الإعلامي بالتخطيط من بعيد، بل حمل حقيبته وسافر بنفسه إلى قرغيزيا، حيث لا شيء ينتظر سوى الإرادة. كانت السماء باردة، والطرق موحلة، والمكاتب الأكاديمية خاوية إلا من الصبر، لكنه كان يحمل في قلبه ما هو أثمن من الدفء: إيمانٌ بأن العمل حين يُخلص له، يورق ولو في الثلج.

تأسيس الحياة

مكث الإعلامي ثلاثة أشهر في قرغيزيا، ينهض مع الفجر، ويمضي بين أروقة الجامعة كمن يزرع نبتةً في أرضٍ قاحلة. أسّس الهياكل، أعدّ البرامج، اختار الكوادر، وجلس مع الطلبة والموظفين، يعلمهم أن الإعلام ليس صوتًا فحسب، بل وعيٌ وضمير ومسؤولية. كل خطوة كانت درسًا في القيادة بالصبر، لا بالصوت. كل تفصيلة في تجهيز الاستوديوهات كانت انعكاسًا لعقيدة الجمال والانضباط. كان يعرف أن المشروع لن ينجح لأن المؤسسة قررت، بل لأن الروح قررت أن تبذل دون توقف. في المساء، كان يجلس في سكنه البسيط، يتأمل الجبال البيضاء، ويقول لنفسه: “من رحم البعد تُولد المعاني، ومن صمت القاعات يُولد المستقبل.”

خطة الظل

عاد إلى بلده بعد ثلاثة أشهر، لكنه لم يغادر المشروع يومًا واحدًا. وضع خطة ظل دقيقة للإشراف عن بعد، ثم عاد في زيارات ميدانية متتابعة، أربع سنوات متواصلة، لا ليتفقد فقط، بل ليُحيي في الفريق روح البداية. في كل زيارة، كان يسأل عن الطالب الذي يكتب بخطٍّ غير واضح، وعن الأستاذ الذي يحاول تحسين أدائه، وعن أصغر موظف يملأ الأوراق. كان يؤمن أن الاحتراف ليس رتبة، بل ثقافة. كتب في مذكراته يومًا: ” النجاح لا يقاس بما أنجزناه، بل بما بقي في الآخرين بعد أن نرحل.” وبقي أثره يتكاثر، عامًا بعد عام، حتى تخرجت الدفعة الأولى – الدفعة التي كانت امتدادًا لفكرته، وورثةً لروحه.

 حين أصبحت الفكرة إنسانًا

وقف الإعلامي أمام الخريجين، يرى في أعينهم ذات البريق الذي رآه أول مرة في فكرةٍ على ورق. تذكّر مبادرة الهاجري رحمه الله، مبادرة من طراز نادر، ولدت من صفاء النية، فخلدها عمق الأثر. صمت المدير وابتسامته التي كانت توقيع القدر. تذكّر الليالي الباردة، والرحلات الطويلة، والحوارات التي لا تنتهي بين الحلم والواقع. قال في نفسه: ” لم نؤسس قسمًا فقط، بل زرعنا ثقافة. ثقافة الاحتراف، والصدق، والعمل المنظم، والرؤية التي ترى أبعد من حدود المكان.” ثم همس لنفسه: ” كم من فكرةٍ بدأت بصمت، وانتهت بصوتٍ لا يخفت عبر الأجيال.”

ميراث النور

بعد مرور السنوات، ظل – وما زال – قسم الإعلام في جامعة محمود كشغري شاهدًا على الحكاية. كل جدار فيه يروي أن البدايات المتواضعة حين تُبنى على الإخلاص تصبح مؤسساتٍ خالدة. الطلاب الذين تخرجوا صاروا إعلاميين في محطات مختلفة، بعضهم أساتذة، وبعضهم مخرجون، ومنهم من شارك في أعمال إعلامية مميزة في دولة الكويت، حيث احتضنت المواهب وكرّمت الجهود، بل إن بعضهم أسس شركاتٍ إعلامية خاصة أسهمت في تنمية المجتمع وصناعة وعيٍ مهنيّ راقٍ يعكس روح المبادرة التي زرعها الهاجري رحمه الله في نفوسهم. أما المؤسسة الأم، فظلت تذكر ذلك اليوم الذي دخل فيه الهاجري المكتب وقال: “أخوك سيعرض الفكرة، والذي تتفقا عليه… أوافقه.” كأن التاريخ نفسه يبتسم من خلف الستار، ويقول: “رحم الله عبد اللطيف، وأحيا فكرته فيمن أخلص لها، وبارك فيمن حمل الأمانة بعده، صونًا للنية، ووفاءً للرسالة.”

حين يتحول الوفاء إلى منهج

ليست هذه القصة حكاية عن قسمٍ أكاديمي، بل تجسيد لمعنى الوفاء والثقة والتفويض المسؤول. الإعلامي لم يكن موظفًا يؤدي مهمة، بل رائدًا يفتح أفقًا جديدًا للمؤسسية. والهاجري لم يكن رئيسًا يعتمد الأوراق، بل قائدًا يرى بالبصيرة قبل البصر، ومديرًا يصوغ خطته بصمته ويتابعها بهدوئه أكثر مما يفعلها بصوته. في النهاية، كل مؤسسةٍ تحتاج إلى فكرةٍ تُضاء بالنية، ورجلٍ يؤمن بها حتى النهاية، وصمتٍ يُنصت للحق أكثر مما يتكلم. وهكذا خُلّد المشروع لا في مباني الجامعة، بل في ذاكرة من عاشوه، وقلوب من تعلّموا منه أن الفكرة حين تُزرع بالصدق، تُثمر جيلاً بعد جيل. “من قرغيزيا إلى القلوب، لم تكن الرحلة سفراً في الجغرافيا، بل عبوراً في الوعي، حيث تتحوّل الثقة إلى تاريخ، والعمل إلى معنى، والفكرة إلى حياة”.

الوفاء للكويت

وفي ختام الحكاية، يبقى الوفاء تاجًا على رأس الكلمة، وسطرًا لا يكتمل بدونه معنى العمل الإنساني. فالشكر للكويت – أرض الخير والبركة – التي لم تكن يومًا مجرد دولةٍ مانحة، بل وجدانًا عربيًا يفيض رحمة، وضميرًا إنسانيًا يهبّ حيث يُسمع نداء الضعف وتئنّ الحاجة. هي الكويت التي جعلت من العطاء سياسة، ومن الرحمة هوية، ومن الكرم سلوكًا يتوارثه أبناؤها جيلًا بعد جيل. حكومةً وشعبًا، خطّت بصمتها في جبين العالم، حتى غدت عنوانًا للإنسانية حين يبهت العنوان، وصوتًا للرحمة حين يصمت كثيرون. وللمحسنة الكريمة غنيمة فهد المرزوق ” أم هلال” – رحمها الله – ذكرٌ خالدٌ كنسمةٍ لا تغيب عن مواطن الأمل، امتد عطاؤها في صمتٍ يوازي هيبة البحر الذي تنتمي إليه، وصدقها كان جسرًا بين الحاجة والرجاء. فجزى الله الكويت خير الجزاء، وحفظها من كل سوء، وأدام عليها الأمن والأمان، ورحم من مضى من رجالاتها ونسائها الذين جعلوا من العطاء عبادة، وبارك فيمن بقي ماضيًا على الدرب ذاته… درب النور والخير الذي به تُقاس الأمم وتُعرف القيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top