|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في زمنٍ كان الناسُ فيه يقيسون الأشياء بميزانٍ دقيقٍ من الفطرة والذوق والضمير، كانت المقارنة بين الأحسن والأحسن منه نوعًا من التنافس النبيل على بلوغ الكمال. لم تكن الحياة آنذاك أكثر ثراءً مما هي عليه اليوم، لكنها كانت أغنى في الروح، أصدق في العطاء، وأعمق في البصيرة. كان الأحسن يعني أن يعلو الخير بخطوةٍ فوق الخير، وأن يسبق الجميلُ الجميلَ برهافةٍ لا تُقاس بالأرقام، بل تُوزن بالقلب. ثم مرّت الأيام، وبدأ الميزان يميل. لم يعد السؤال: من الأكمل؟ بل صار: من الأقل نقصًا؟ تغيّر المعيار خلسة، كما تتبدّل ملامح وجهٍ مألوفٍ لا نلاحظ تغيرها إلا حين نصطدم بالمرايا. كانت المقارنة في الزمن الجميل تُولَد من تسابقٍ في الفضيلة، ثم تراجعت لتُصبح تسامحًا مع النقص، ثم تعايشًا مع الرداءة، حتى انتهى بنا المطاف إلى زمنٍ نقيس فيه الأمور بين السيئ والأسوأ، ونمنح “أحسن الوحشين” وسام البطولة.
من أين بدأ هذا الانحدار اللطيف الذي لم نشعر به؟ من تراجع التربية حين انفصلت عن القيم. من المناهج التي صارت تُلقّن ولا تُكوّن. من الإعلام الذي كرّس الزيف حتى صارت البساطة تُتَّهَم بالسطحية، والعمق يُوصَف بالتعقيد. من كل بيتٍ خفَّ فيه صوت الحكمة، ومن كل مجلسٍ علا فيه ضجيج المظاهر على أنين الضمائر. في الماضي، كانت المدرسة تُعلِّم، والبيت يُهذِّب، والمجتمع يُكمِل. أما اليوم، فالكلّ يتبادل الأدوار في تجريف الذوق وتبرير التراجع. صار “القبول بالمتاح” شعارًا للحكمة، و”الرضا بالقليل” غطاءً للكسل، و”المرونة” مبررًا للتنازل.
تذكّر معي – أيها القارئ العزيز- كيف كان الناس يتذوقون المعنى قبل المبنى. كانوا يقولون: هذا أجمل لأنه أصدق. أما اليوم، فيُقال: هذا أنجح لأنه أكثر انتشارًا. تحوّل معيار الجمال من الصدق إلى الصدى، ومن الجوهر إلى المظهر، ومن الضمير إلى التصفيق. حين كان الطفل يُربّى على الإحسان، كان يفهم أن الإحسان ليس نتيجةً بل نية. أما اليوم، فربما يُقال له: “كن جيدًا إذا راقبك أحد.” كانت التربية تعني بناء الباطن، واليوم صارت تحسين الصورة.
في الزمن الذي كنا نقارن فيه بين الأحسن والأحسن منه، كان الناس يتنافسون في الفضيلة كما يتنافس الشعراء في القوافي. كل بيتٍ من الشعر كان يسعى لأن يسمو قليلًا فوق سابقه، لا ليُسقطه، بل ليُكمل جماله. ثم تراجع الشعر إلى النظم، والنظم إلى الضجيج، حتى صار بعضه يصرخ بدل أن يغني. وكذلك الحياة… حين تفقد المعنى، ترفع الصوت لتخفي الفراغ.
أيها القارئ، ليست المشكلة أننا صرنا نرضى بالقليل، بل أننا نسينا كيف نطمح إلى الأفضل. كنا نبحث عن الكمال الممكن، فصرنا نبحث عن الأعذار المقبولة. كان الناس يخجلون من الخطأ، فصار بعضهم يتباهى بالنجاة من اللوم. كانت المروءة تُصلح الزلل، والآن صارت الحيلة تبرّره. تأمل المجالس اليوم… كم يُصفَّق فيها للسطحي، وكم يُستثقل فيها الجاد؟ كم نطرب لقولٍ براقٍ، ونعجز عن تأمل فكرٍ عميقٍ لأنه يحتاج وقتًا؟ لقد غدت السرعة دينًا جديدًا، والعمق تهمةً قديمة، والصمت علامة ضعف.
ولعلّ أخطر ما في هذا التحوّل أنه لم يأتِ فجأة، بل تسلّل إلينا برفق، حتى ظنناه تطورًا. صار المعيار نسبيًا، والقيمة متبدّلة، حتى غدت الجملة الأخطر: كلٌّ له رأيه. نعم، لكلٍّ رأيه، لكن ليس كل رأيٍ حقًّا. حين غابت المرجعية الأخلاقية، تساوى الضحك على القيم بالاجتهاد فيها، وأصبح من يذكّر بالماضي متهمًا بالحنين الزائد، ومن يدعو للثبات يُتهم بالجمود.
ومع ذلك… يبقى في القلوب بقايا ضوءٍ تأبى أن تنطفئ. ما زال في بعض البيوت أبٌ حكيمٌ يزرع في أبنائه “افعل الخير لأنه خير”، لا لأنه يلقى تصفيقًا. وما زالت في بعض المدارس معلمةٌ ترى في كلّ تلميذٍ مشروعَ إنسانٍ، لا رقمَ حضور. وما زال في بعض النفوس حنينٌ للمقارنة القديمة، حين كان السؤال الأجمل: كيف أكون أحسن مما كنت؟ لا كيف أبدو أفضل من غيري؟
يا صاحبي، لسنا ضدّ التطور، بل ضدّ أن نُفرّغ التطور من الضمير. لسنا نطلب عودة الماضي كما هو، بل نطلب عودة المعنى كما كان. نريد أن نُعيد إلى الأذهان أن الأصل هو السمو، وما دونه استثناء مؤقت لا يُحتفى به. فإذا أحسنا اليوم التصفيق لفعلٍ كريم، فلنتذكر أنه كان – في زمنٍ قريب – مجرد واجبٍ بسيطٍ من واجبات الحياة. في النهاية، لا نريد أن نحاكم الناس، بل أن نُفيق نحن معهم. أن نُدرك أن المقارنة بين “أحسن الوحشين” ليست فخرًا، بل علامة خطر، وأن الحضارة لا تُقاس بما نملكه، بل بما نُجِلّه ونترفّع عنه. فلنستعد ميزاننا الداخلي، ولنُعد للأحسن مكانه في حديثنا وأحلامنا وسلوكنا. فما خُلق الإنسان ليختار الأقل سوءًا، بل ليبحث عن الأكمل والأجمل والأصدق. وإن بقي فينا هذا الوعي، فربما يعود اليوم الذي نقارن فيه بين الحسن والأحسن منه، لا بين الأهون والأقل ضررًا. حينها فقط… سنكتشف أننا لم نكن نبحث عن ماضٍ ضاع، بل عن إنسانٍ كان فينا وهاجر.