الإحسان: الفجر الذي سبق كل نظريات الإدارة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

منذ أن بدأ الإنسان يرفع أول حجارة التنظيم في مدن الأرض، ويخط أولى أنظمته ليحكم السوق والإدارة والجيش، ظنّ أنه يبتكر. غير أنّ الحقيقة الخالدة في سجلات السماء تقول: إن أول من أقام نظام الجودة هو من قال “الذي خلق فسوى، والذي قدّر فهدى”، وأول من وضع أسس الحوكمة هو من قال “ولا تبخسوا الناس أشياءهم”، وأول من أقام الامتثال هو من قال “وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا”، وأول من حذّر من المخاطر هو من قال “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”. تلك المفردات التي يتداولها الفكر الإداري الحديث – الجودة، الحوكمة، الامتثال، الرقابة، المخاطر – لم تكن وليدة عبقرية بشرية محضة، بل هي ومضات من مفهومٍ واحد جامع، نزل من السماء بصيغةٍ واحدة، تسمو على كل الشهادات والمعايير: الإحسان. إنه المنظومة التي سبقت كل الأنظمة، والروح التي إن غابت عن أي إدارة، تحوّل العمل إلى هيكل بلا قلب، والوظيفة إلى جهد بلا نية، والنظام إلى قيودٍ بلا حياة.

الإحسان: أن ترى ما وراء الأداء

قال رسول الله ﷺ: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. في هذا الحديث القصير تنطوي فلسفة القيادة الإيمانية كلها. فالإحسان ليس أداءً متقنًا فحسب، بل وعيٌ عميق بالحضور الإلهي داخل الأداء. إنه الامتثال الذي لا ينتظر رقابة، والجودة التي لا تحتاج مفتشًا، والحوكمة التي لا تفتقر إلى ميثاق مكتوب، لأنها منقوشة في الضمير قبل الجدار. الإحسان هو الإدارة التي تبدأ من النية قبل الخطة، ومن القلب قبل العقل، ومن المراقبة الذاتية قبل التدقيق الخارجي. ولهذا كان الإحسان أوسع من كل تلك المصطلحات المعاصرة، لأنه يربط الأرض بالسماء، والمهنة بالعبادة، والمؤسسة بالغاية الكبرى: عبادة الله وعمارة الأرض.

الصلاة: التطبيق الإداري الكامل للإحسان

لعلّ أعجب ما في هذا الكون أن عبادة واحدة تجمع خلاصة الإدارة كلها، وهي الصلاة. إنها المدرسة اليومية التي يتخرج منها قادة الإحسان، بلا شهاداتٍ ممهورة بختمٍ دولي، ولكن ممهورة بختم السجود.

فيها الجودة: كل تكبيرة تُؤدى في وقتها، وكل حركة تُتْقن بتمامها، فلا زيادة ولا نقصان، ولا عبث ولا ارتجال. إنها نموذج للإتقان الذي لا يقبل العشوائية، كما قال تعالى: “الذي أتقن كل شيء خلقه”.

وفيها الحوكمة: جماعةٌ منضبطة خلف قائدٍ واحد (الإمام)، تُدار فيها الصفوف بعدالةٍ ومساواة، فلا تمايز إلا بالتقوى، ولا تقدم إلا بالمسؤولية. ذلك النظام الأخلاقي الذي تتوازن فيه السلطة بالطاعة، والقيادة بالمشورة، والصفوف بالتناسق.

وفيها الامتثال: إذ يقف العبد خاضعًا لأمرٍ واحدٍ صادرٍ من ربٍ واحد، فلا يتأخر عن الركوع ولا يتجاوز السجود. إنها قمة الطاعة الطوعية المنظمة، حيث يكون الانضباط حبًا لا قسرًا.

وفيها الرقابة: ليس في الصلاة مراقبٌ خارجي، بل “فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، فالمسلم يعيش في رقابةٍ إيمانية تجعله يصحّح أداءه قبل أن يُسأل عنه. وهنا يكمن سر الإدارة بالضمير لا بالإجراء.

وفيها إدارة المخاطر: المخاطر هنا ليست مادية، بل روحية: الغفلة، الرياء، العُجب، النسيان. وكل ركعة هي نظام إنذار مبكر لتصحيح المسار قبل أن يفسد المشروع كله.

وهكذا، حين ينتهي العبد من صلاته، يكون قد مارس دورة إدارة متكاملة: من التخطيط (النية)، إلى التنفيذ (الأداء)، إلى التقييم (الخشوع)، إلى التحسين المستمر (الاستغفار بعد السلام).

الإدارة الحديثة أمام الإحسان

لقد طوّرت البشرية آلاف الأنظمة لتحسين الأداء وضمان النزاهة وتقليل المخاطر، لكنها لم تصل بعد إلى الطمأنينة. ذلك لأن الإحسان وحده يجعل الجودة عبادة، والحوكمة أمانة، والامتثال قربى، والرقابة مراقبة للذات قبل الغير، والمخاطر امتحانًا للإخلاص لا للخسارة. إنّ المؤسسات التي تُدار بالإحسان لا تحتاج إلى لجان دائمة لفض النزاعات، لأن كل فرد فيها رقيب على نفسه. ولا تحتاج إلى شعاراتٍ براقة عن النزاهة، لأن النية أصل النظام. قال الغزالي: “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس”. فالإحسان ليس بديلًا عن الأنظمة، بل هو الروح التي تُنعشها. بدونه، تصير الجودة بيروقراطية متحجرة، والحوكمة حيلة لتقنين السيطرة، والمخاطر شماعة للفشل. أما معه، فكل بندٍ في اللائحة يصبح عبادة، وكل إنجازٍ يصبح قربى، وكل خطةٍ تُرسم على نية الإصلاح لا المجد الشخصي.

القيادة الإحسانية: عودة إلى الأصل

حين نتحدث عن برامج القيادة والإدارة الإيمانية، فإننا لا نسعى لإضافة بُعدٍ روحي تجميلي على الإدارة، بل نعيد الإدارة إلى أصلها السماوي. القائد الإحساني لا يُدير الموارد فقط، بل يُزكّي النفوس. لا يبحث عن رضا مجلس الإدارة، بل عن رضا رب العباد. لا يُخطط للأرباح وحدها، بل للأثر الذي يبقى بعده في حياة الناس. قال الرافعي: “إن الله لا يقبل العمل إلا إذا خرج من قلبٍ حيٍّ، لأن العمل من غير قلبٍ كجسدٍ بلا روح.” وهكذا تكون القيادة الإحسانية هي فن بعث الحياة في النظام.

نداء إلى القادة

يا قادة الفكر والإدارة، إن الأرض اليوم تزدحم بالأنظمة، لكنها تفتقر إلى الأرواح. إننا لا نحتاج إلى مزيدٍ من المعايير بقدر ما نحتاج إلى عودةٍ إلى مفهومٍ واحدٍ نزل قبل كل المعايير: الإحسان. فهو الذي يربط بين المسجد والمكتب، وبين الركعة والمشروع، وبين الآخرة والدنيا. أقيموا الصلاة في الإدارة، وأقيموا الإحسان في القرار، وأعيدوا للمؤسسات روحها كما أعادها السجود للنفس. ففي كل مرة يسجد فيها إنسان بإخلاص، يُرمم جزءٌ من العالم.

بين الركعة والمكتب

إذا خرج الإنسان من صلاته متقنًا، واعيًا، خاشعًا، متوازنًا، فهو جاهز لأن يقود مؤسسةً عظيمة بروحٍ راقية. فالصلاة لم تكن مجرد عبادة زمنية، بل دورة تدريبية يومية في فن الإدارة بالإحسان. ومن هنا، فإن جائزة القيادة لا تُمنح لمن يُتقن النظام، بل لمن يُحسن النية، ويُحسن الأداء، ويُحسن الأثر. فالإحسان هو التوقيع الأخير على كل قرار، والختم الذي لا يُمنح من لجنة تحكيم، بل من الله تعالى القائل: “إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا.”

تنويه ختامي

هذا المقال ليس ختامًا للفكرة، بل فاتحتها. فمفهوم الإحسان في الإدارة والقيادة سيتجلى – بإذن الله – في مقالٍ قادمٍ مستقل، يتناول تصميم برنامجٍ قياديٍّ إيمانيٍّ متكامل يقوم على هذا المفهوم الأصيل، ويضم رؤيته، ورسالته، ومحاوره، وجداراته، وآليات تطبيقه المؤسسي، إنها رحلة فكرية من الصلاة إلى القرار، ومن النية إلى النظام، حيث تلتقي العبادة بالإدارة في أبهى صور الإتقان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top