حين أصبح البسيط قائدًا في قلب الطائرة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في صباح هادئ، حيث تبدأ المدينة برشقات ضوءها الأولى، دخل رجلان إلى قاعة ورشة عمل كبيرة. لم يكن بينهما أي معرفة سابقة، ولم يتوقع أي منهما أن ما سيحدث بعد دقائق سيغير مفهوم القيادة في ذهن أحدهما إلى الأبد. الأول، رجل يبدو بسيطًا في المظهر، هادئًا، يتحدث بألفاظ دقيقة ومحدودة، لا تصنع الانطباع الكبير عند أول لقاء. والثاني، تاجر ومستثمر معروف، يعيش في عالم الأرقام والصفقات، ويظن أن كل الأمور تُقاس بالربح والخسارة. جلسا جنبًا إلى جنب، يتبادلان ابتسامة خفيفة، كأن الكون يشير لهما أن هذه الورشة ليست مجرد تعلم، بل بداية درس حي، لا يُكتب في الكتب بسهولة.

مرَّت الورشة، وخرج الرجلان إلى الصالة، حيث انصرف كلٌّ منهما إلى دائرة انشغالاته الخاصة. ومع ذلك، شاءت الأقدار أن يجتمعا مرة أخرى في مصلى المطار، المكان الذي تتلاشى فيه الفوارق الاجتماعية والوظيفية، ويغدو الجميع سواسية بين يدي الله. هناك، وفي هدأة ما قبل الرحلة، تنفتح أبواب الحديث الصادق. جلسا جنبًا إلى جنب، فعادت الابتسامات القديمة إلى ملامحهما، ثم انطلق الحديث بلا مقدمات. قال التاجر بدهشة: “سمعتُ أنك متخصص في الاستراتيجيات!” فأجابه الرجل البسيط بهدوء: “نعم… وأتطلع دائمًا إلى أن تكون الاستراتيجية منهجًا للحياة والقيادة، لا مجرد أدوات للشركات.”

ابتسم التاجر قليلاً، ثم قال: ” القيادة؟ كل ما أعرفه أنها القدرة على إصدار الأوامر واتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب.” هنا، أمال الرجل البسيط رأسه، ونظر إلى التاجر بعينين تشعّان حكمة، وقال: ” القيادة أعمق من ذلك بكثير… القيادة روح، أمانة، قوة، حزم، رؤية، وإلهام. ” حقًا؟ تساءل التاجر، فأجاب الرجل: “نعم، ويكفي أن تعرف أن العظماء لا يُقاسون بعدد الأتباع، بل بمدى الأثر الذي يتركونه في قلوب من حولهم.” وفي الطائرة، حيث المقعدان المتجاوران جمعا الرجلين للمرة الثالثة، اكتمل المشهد. ارتفع صوت المحركات، وارتفعت معه الدروس، حيث بدأ الرجل البسيط يسرد مفاتيح القيادة بأسلوب قصصي جذاب، كما أنه يحكي حكمة عمرها آلاف السنوات، ولكنها معاصرة لكل عصر:

  • ق – قوة: قوة القرار، قوة التحمل، قوة الالتزام.”  قالها الرجل البسيط بصوتٍ ثابت، واستشهد بما أورده أنور إبراهيم عن ضرورة امتلاك القائد لقوة الداخل قبل أن يمتلك قوة التأثير على الآخرين.  فالقيادة ليست فرض سلطة، بل امتلاك القدرة على المبادرة والتحمل، وإلهام الآخرين على الانضباط بدون إكراه.
  • ي – يسر/يقين: يسر التعامل مع المواقف، ويقين في التوجهات. أضاف الرجل، مستشهدًا بإبراهيم الفقي: “القائد الناجح هو من ينسج اليقين في قلب فريقه قبل أن ينطق بالكلمات.”  فالقائد لا يترك نفسه للارتباك، بل يحوّل التحديات إلى فرص، ويزرع الطمأنينة في النفوس.
  • ا – أمانة: الأمانة في القيادة ليست فقط نزاهة مالية، بل أمانة في تحمل المسؤولية، أمانة في الرؤية، وأمانة في الأثر. ذكر الشنقيطي، قائلاً: “الأمة لا تنهض إلا بقادة أمناء، والفرق لا تتقدم إلا بقيادة حقيقية وصادقة.”
  • د – دهاء وحكمة: لا يكفي أن يكون القائد صارمًا أو لطيفًا، بل عليه أن يتحلّى بالدهاء والحكمة في اختيار الأسلوب، والمكان، والزمان، والطريقة المثلى للتأثير.
  • ة – تهذيب وتحفيز: القيادة تحتاج إلى تهذيب الذات أولًا، ثم تهذيب الآخرين، وتحفيزهم على الاستمرار في الطريق الصحيح، حتى لو بدا صعبًا.

استمر الحوار بين الرجلين، وتعمّق النقاش، وتبادل التاجر الدهشة مع التعلم: ” لم أظن أن القيادة بهذا العمق، وأنا أتصورها دائمًا مجرد إدارة وفريق ونتائج.” ضحك البسيط وقال: ” القيادة، يا صديقي، هي فن التأثير الإيجابي المستمر. من يعرف قيمتها يزرع الثقة، ويصنع القدرة على اتخاذ القرارات، ويستمر في الإلهام حتى بعد الرحيل.” وفي هذه اللحظة، شعر التاجر أنه يتلقى درسًا لا يُدرس في ورشة، ولا يُكتب في كتاب، بل يُعاش ويُحسّ، كما يحسّ القلب أمام المواقف الحقيقية.

عندما هبطت الطائرة، وقف التاجر يتأمل الرجل البسيط وهو يختفي بين الركاب، فقال: ” لقد علمتني القيادة بطريقة لم أظنها ممكنة… لم تعد مجرد سلطة أو موقع، بل حياة، ومعنى، وأثر.” وبينما يسير في صالة الوصول، تردد في ذهنه كلمات الرجل البسيط: “القائد الحقيقي لا يُقاس بموقعه، بل بمدى قوته على الإلهام، وبقدرته على الأمانة، وبرويته في مواجهة المواقف، وحكمته في اختيار الطريق، وتهذيبه لذاته قبل أن يوجه الآخرين.” وهنا أدرك التاجر أن القيادة روح قبل أن تكون منصبًا، وأمانة قبل أن تكون قوة، وإلهام قبل أن تكون سلطة.

وفي تلك اللحظة، خرجت الحكمة الأخيرة من الرجل البسيط، وكأنها رسالة مباشرة لكل من يسمعها: يا صديقي… القيادة ليست مجرد علم أو خبرة، إنها سلوك، وأخلاق، وإحساس، وإلهام دائم، وإيمان بأن كل قرار صغير يترك أثرًا كبيرًا.  وأن العظماء في القيادة ليسوا من يكتبون خططًا، بل من يزرعون أثرًا في القلوب، كما زرعوا في التاريخ أنور إبراهيم، إبراهيم الفقي، والشنقيطي، وغيرهم. ثم صافحه التاجر، وعرف أنه ليس مجرد زميل جديد أو رجل عابر، بل معلم غير مرئي، درس حي في القيادة. وهكذا… علم التاجر أن القيادة ليست مقاييس ولا ألقاب، بل قوة، يقين، أمانة، دهاء، تهذيب، وإلهام مستمر. علمه أن كل لقاء، مهما بدا بسيطًا أو عابرًا، يمكن أن يترك أثرًا عميقًا في القلب والروح، ويحوّل نظرة الإنسان للعالم، وللناس، ولذاته، ولحياته كلها. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد التاجر يبحث عن القيادة في الكتب أو الاجتماعات، بل في القلوب، والأفعال، والسلوكيات، والتأثير الحقيقي المستمر. وفي هذه الرحلة، أدرك أن القيادة الحقيقية تبدأ من الداخل، قبل أن تبدأ في الخارج… وأن كل قرار صغير يُتخذ بروح، وأمانة، ودهاء، ورُوِيّة، يُصنع فارقًا لا يُمحى أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top