|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم يكن أحدٌ من الحاضرين يعرف أن المشهد الأعظم في ذلك اليوم لن يُلتقط بالكاميرات، ولن يُوثَّق في تقارير الورشة، ولن يظهر في قوائم المخرجات. كان الجميع غارقًا في زوايا التدريب: مدرّب يشرح، مصوّر يثبت الإضاءة، مشاركون يدوّنون، وفريق عمل يتابع الوقت بدقة. كانت كينيا تفتح نهارها على نهر ينساب بسلام، وعلى خُضرة تُشبه لوحة هادئة رسمها الله لحظة صفاء. وفجأة…انطلق الأذان. لم يكن في غرفة التدريب ميكروفون ولا مئذنة… لكنه كان في قلب شاب واحد. أذانٌ يسمعه من الداخل لا من الخارج، فيترك كل شيء، يتقدّم بخطوات صامتة، يعتذر بأدب، ثم يخرج. خرج لا ليأخذ استراحة… بل ليأخذ نفسه إلى خالقه.
السجدة التي كسرت المسافات
في مساحةٍ خضراء، عند حافة النهر، وقف يتلفت يمينًا ويسارًا، كأنه يبحث عن شيء… كأنه يبحث عن الشرق. لم يكن معه سجادة، ولا سقف غير السماء، ولا جدار إلا الشجيرات التي تتلوّن بسنن الله في الطبيعة. خلع حذاءه، طوى سترته، ووضعها أمامه. ثم كبّر. كانت تكبيرة واحدة… لكنها كانت أكبر من كل الضجيج خلفه. أكبر من جدول التدريب. أكبر من الكاميرات. أكبر من البُعد الجغرافي. في لحظة، صار كأنه يغيّر موقع قلبه لا موقع جسده. وسجد… سجد على عشبٍ لم يعرف اسمه، لكن الله يعرف اسمه واسم الشاب الذي سجد عليه.
حين تكون السجدة خطابًا دبلوماسيًا أصدق من المؤتمرات
هناك، في الدول البعيدة، يتذكّر الناس المسلمين من خلال الصور النمطية والإعلام والسياسة. لكن ماذا إن رآهم أحدهم يسجدون؟ رآهم يقطعون رحلة العمل لا لمصلحة ولا لمكسب، بل لأنهم أبناء أمرٍ سماوي، وأصحاب عهدٍ مع الله لا ينقضونه. قال إبراهيم الفقي: “الإنسان العظيم هو الذي يصنع من اللحظة الصغيرة قيمةً لا تمحى.” وهذا الشاب صنع من دقيقة واحدة صورة عالمية، لا تحتاج ترجمة ولا شرحًا. صنع درسًا في “القوة الهادئة” التي تُدهش النفوس دون ضجيج. إن اجتمعت مائة محاضرة عن القيم، لما صنعت ما صنعت تلك السجدة.
سجدةٌ تعلّم القيادة أكثر مما تفعل الجامعات
القيادة ليست منصبًا… القيادة موقف. والأمم لا تنهض بالخطط وحدها، بل بالرجال الذين يضعون جباههم على الأرض في لحظة صدق. يقول الشيخ الشنقيطي: “من أراد أن يرفع الله قدره، فليعرف قدر سجوده.” ومن عرف السجود عرف الاتجاه… ومن عرف الاتجاه عرف القيادة… ومن عرف القيادة عرف الطريق الذي لا تضلّ فيه قدماه مهما ابتعدت الجغرافيا.
العالم يصوّر… والسماء توثّق
في الداخل كان فريق التصوير يبحث عن زاوية مثالية لإضاءة الوجوه. أما في الخارج فكانت السماء تلتقط أعظم زاوية لالتقاء الجبين بالأرض. كانوا في الورشة يدرّبون على “مهارات”، وكان هو في سجوده يدرّب روحه على “ثبات”. كانوا يحفظون خطوات العرض، وكان هو يحفظ خطوة واحدة… الخطوة إلى الله. أيُّ تدريب يستطيع أن ينافس تدريبًا كهذا؟
ماذا إن رآه أحد المشاركين الأجانب؟
قد يقول في نفسه: من هذا؟ ولماذا يسجد؟ وما الذي يدفع إنسانًا أن يترك كل شيء ليتجه إلى الله؟ وهنا تكمن عظمة المشهد: الإقناع بلا كلام. الدعوة بلا خطاب. القيم بلا منشورات. في لحظة واحدة، يصبح المسلم سفيرًا أمينًا لعقيدته. لا يتكلّم… لكن سجوده يتكلّم. لا يشرح… لكن خضوعه يشرح. لا يتفاخر… لكن خشوعه يشهد. هذه ليست سجدة فرد… هذه سجدة أمة.
سجدةٌ تُعطي المعنى لرحلة العمل
كثيرون يظنون أن السفر للعمل هو انقطاع عن الحياة الروحية. لكن الحقيقة أن السفر يُظهر المعادن. الإنسان قد ينسى مواعيد كثيرة… لكن إذا لم ينسَ الصلاة، فهو لا ينسى نفسه. صدق من يصف معنى الثبات في الهوية: “لا يُختبر الإنسان في وطنه، بل حين يبتعد عنه.” وهنا كان الاختبار… وكان النجاح أبهى من أي شهادة.
كينيا تشهد… والنهر يسمع
النهر الذي يجري أمامه كان يشاهد واحدًا من أعظم مشاهد الإنسانية: إنسانٌ يربط الأرض بالسماء. إنسانٌ يعلن أن الأرض كلها محراب. كل موجة صغيرة في النهر كانت تلمع كأنها تسجّل الحدث، وكل ورقة تتحرّك كانت تهمس: “هنا مرّ رجل… يعرف ربه.”
لماذا هذا المشهد لا ينافسه شيء؟
لأن العالم اليوم يعطش للمعاني الصامتة. يعطش للصدق. يعطش لقصص تُذكّر بأن الإنسان ليس آلة، وأن القلب حين يعود إلى الله يستعيد إنسانيته. هذا المشهد ليس صورة…إنه قصة أمة تتحرك مع كل جبهة تسجد. إنه صنعة الله… والجمال الذي يصنعه الله لا ينافسه بشر.
سجدة تساوي رحلة، وتعلّم وطنًا
حين عاد الشاب إلى الورشة، لم يشعر أنه تأخر دقيقة، بل شعر أنه تقدّم خطوة. عاد وبدا كأنه يحمل في عينيه نورًا جديدًا لا يصنعه التدريب، ولا تمنحه الشهادات، ولا تمنحه الكاميرات. تقدّم في القاعة، وحين جلس، لم يكن أحد يعلم أنه عاد من لقاء سماويّ… لقاء لا يعقد في الفنادق، ولا القاعات، بل على بساط أخضر على ضفاف نهر في كينيا. وصدق ابن القيم حين قال: “في السجود سرّ لا يعرفه إلا من ذاقه.” هذا الشاب ذاق، وهذا النص يحاول فقط أن يقترب من تلك الذائقة… لكنه يظل أقلّ من سجدة واحدة.