|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم يكن الحوار في إحدى المؤسسات التعليمية سوى حديثٍ مهنيٍّ عابر، من تلك الأحاديث التي تُقال في سياق العمل، بلا قصدٍ أن تتحول إلى شهادة إنسانية. كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه ثقيل في معناه: هل هي إقامة دائمة لصديق؟ لا زيارة عابرة كما اعتدنا؟ سؤالٌ إداري في صياغته، لكنّه إنساني في عمقه. جاء ردّ الفاضلة، مديرة المؤسسة، بعبارة قصيرة، لا تزيد على كلمات، لكنها كانت مشحونة بدعاءٍ صادق” عساه خيرًا، ويارب تكون الإقامة طبيعية.”
لم تُسهب، لم تستفسر بفضول، لم تُعلّق بحسابات، بل فوّضت الأمر لله، كأنها تقول: ما دام الإنسان حاضرًا، فالدعاء أولى من التحليل. انتهى الحوار، ومضى النهار، لكن المعنى لم ينتهِ. وقبيل المغرب… حين تكون الأرواح في حالة استعداد، وحين تخفّ ضوضاء الدنيا، وردت رسالة على الواتساب من الفاضل العزيز، زوج المديرة. رسالة قصيرة، لكنها تحمل في طياتها ما لا تحمله خطابات: يطَمئن على الصديق… ليس عن وضعه الإداري، ولا عن ترتيباته، بل عن حاله الإنساني: “هو مستيقظ.”
هنا فقط، يتوقف القارئ الجيد. لماذا مستيقظ؟ لأن السؤال لم يكن عن مكان، بل عن حال. ولأن القلق لم يكن بروتوكوليًا، بل قلق قلب على قلب. ردّ الصديق على الواتساب، لكن القلب لا يكتفي بالكتابة. فاتصل الهاتف. جاء الصوت مرحِّبًا، ليس ترحيب واجب، بل ترحيب رجلٍ فتح صدره، حتى بدا كأن صدر الدنيا اتسع فيه. لم يسأل: ماذا تحتاج؟ بل قال ما هو أعمق: “أنت صاحب الدار.” وهذه الجملة وحدها… تُسقط كل المسافات. ثم أتبعها بدعوة صريحة: غداء يوم الجمعة. لا تردد، لا مواربة، لا انتظار ظروف.
حاول الصديق تهدئة اندفاع الكرم، قال: نلتقي أولًا، نجلس، نتعارف، لكن الرجل كان قد حسم أمره داخليًا: الإنسان إذا حضر… فهو ضيف لا يُؤجَّل. وفي ذات النفس، حدّد موعدًا ليمر عليه مساء اليوم، بعد مشوار له، كأن الأولوية لم تكن للبرنامج، بل للإنسان.
وعلى الموعد… حضر. لكن حضوره لم يكن بالجسد فقط، بل حضر ببشاشة قلب، وبروحٍ رقراقة، تخفف الأعباء قبل أن تُسأل عنها. جلس، فتح صدره، وقال جملة لا يقولها إلا من تحرر من الخوف: “اطلب… تُلبّى.” السيارة موجودة نحضرها لك، أي شيء تحتاجه نأتيك به. أي مكان إقامة ترغب فيه، نسعى لتوفيره. أي شأن، أي إشارة… “نحن في الخدمة.” لم تكن كلمات، كانت عهدًا أخلاقيًا. ثم عاد وأصرّ على موعد الجمعة، لكن قلبه سبق الزمن، فقال: بل قبل ذلك… إفطار على المغرب. وشهر شعبان… ذلك الشهر الذي تُصفّى فيه النيات، وتُرفع فيه الأعمال، ويتهيأ فيه القلب لرمضان، جعل الدعوة ليست طعامًا، بل تهيئة روحية مشتركة.
هنا، يتحول المشهد من قصة لطف، إلى درس قيادة إنسانية. المؤسسة التعليمية، لم تُدار فقط بأنظمة، بل بأخلاقٍ انعكست حتى خارج أسوارها. والمديرة التي بدأت بالدعاء، كان زوجها يتمم المعنى بالفعل، فكان البيت امتدادًا للمكتب، وكان القلب امتدادًا للمسؤولية. يقول ابن خلدون: “الملك لا يقوم إلا بالعصبية، والعصبية لا تقوم إلا بالخلق.” وهنا، لم تكن عصبية نسب، بل عصبية قيم. قيم تجعل الغريب قريبًا، وتجعل السؤال عن الإنسان مقدمًا على السؤال عن وضعه.
أما حاتم الطائي، فإن حضر هذا المشهد، لعلم أن الكرم لم يعد فقط في كثرة العطاء، بل في سرعته، وصدقه، وغياب المنّة عنه. وفي قطر، حيث تترسخ القيم في السلوك قبل الشعار، قال أحد كبارها يومًا: “نحن لا نكرم الضيف لأنه ضيف، بل لأنه إنسان.” وهذا تمامًا ما جرى. لم يُسأل الصديق: كم ستقيم؟ ولا: ماذا تعمل؟ ولا: ما حاجتك؟ بل قيل له: ” أنت صاحب الدار.” وهذه الجملة وحدها، كفيلة أن تجعل الإقامة… طبيعية، كما دعت المديرة أول مرة.
في زمنٍ تُدار فيه العلاقات بالرسائل المختصرة، جاء هذا المشهد ليقول: ما زال الهاتف يُستخدم للاطمئنان، وما زال الموعد يُضبط للقاء، وما زال الإفطار يُقَدَّم قبل السؤال. وهكذا، لم تكن الحكاية عن إقامة، بل عن احتواء. ولا عن دعوة غداء، بل عن قيادة أخلاقية صامتة. ولا عن لطف عابر، بل عن منظومة قيم متكاملة، بدأت بدعاء، واكتملت بالفعل. وفي الختام… هذه ليست قصة صديق، بل شهادة على أن الإنسان، إذا أُحسن استقباله، صار المكان وطنًا، وصارت الإقامة طمأنينة، وصار شعبان…بابًا مفتوحًا للخير.