ما قبل الذروة: حوار قيادي بين رجب وشعبان

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن ذلك اجتماعًا رسميًا، ولا جلسة تخطيط، ولا ورشة عمل. كان انتقالًا قياديًا نادرًا، تلك اللحظة التي لا يلتفت إليها معظم القادة، مع أنها أخطر لحظة في عمر أي مؤسسة، وأثقل لحظة في عمر أي أمة، وأصدق لحظة في عمر أي إنسان: لحظة تسليم المرحلة.

وقف رجب عند حدود الزمن، لا يحمل تقرير إنجاز، ولا ملف إخفاق، ولا خطاب وداع. وقف كما يقف القائد الحكيم: هادئًا، واضحًا، غير معنيٍّ بالدفاع عن نفسه، ولا بتبرير ما حدث. اقترب شعبان، لا بوصفه بديلًا متحمسًا، ولا قائدًا مستعجلًا، بل بوصفه المُهيِّئ لما هو أعظم.

قال رجب، دون مقدمات: قبل أن أرحل، دعني أقول ما لا يُقال عادة. القيادة ليست فيما أُنجز، بل فيما تهيّأ للإنجاز بعدك. سكت قليلًا، ثم أضاف: مررتُ على الناس كما تمرّ المراحل الانتقالية في المؤسسات. لم أُطالِب بالكمال، ولا توقّعت الالتزام التام، كنت أبحث عن شيء واحد فقط: الصدق مع النفس. قال شعبان، وهو يُصغي لا ليسجّل، بل ليفهم: وماذا وجدت؟

قال رجب: وجدت ثلاثة أصناف، وهم في كل زمان، وفي كل مؤسسة، وفي كل أمة.

الأول: من ظنّ أن القيادة تعني الظهور، فنشط حين كنت حاضرًا، وتراخى حين غبتُ عن المشهد.

الثاني: من خاف من التقييم، ففضّل الصمت على التصحيح، والسلامة على الصدق.

الثالث: قلة… فهموا أنني مرحلة تهيئة، فاشتغلوا على أنفسهم أكثر مما اشتغلوا على إظهار أعمالهم.

تنفّس شعبان بعمق، وقال: هؤلاء هم الذين أعوّل عليهم. فالقيادة لا تبدأ عند القمة، بل عند الاستعداد لتحمّل ثقلها. ابتسم رجب، ابتسامة القائد الذي لا يغادر ناقمًا، وقال: احذر يا شعبان من وهم الإنجاز السريع. من لم يُربِّ النفوس في المرحلة السابقة، سيُرهَق بالأنظمة لاحقًا. اقترب الزمن أكثر، وأصبح الحوار أعمق.

قال رجب: تعلمتُ في مروري القصير، أن القائد الذي لا يجرؤ على المكاشفة، سيترك لمن بعده مؤسسة متعبة ولو كانت ناجحة في ظاهرها. قال شعبان: وأنا تعلمتُ أن القائد الذي يبدأ بالحماس قبل البناء، يُهدر الطاقة قبل أن يصل إلى الذروة. هنا ظهر جوهر القيادة العالمية، لا شعارات، ولا نماذج مستوردة، بل حكمة انتقال المراحل.

قال رجب: أخطر ما رأيتُه ليس التقصير، بل الاعتياد على التقصير. حين يصبح الخلل جزءًا من الثقافة، تحتاج القيادة إلى شجاعة لا إلى مهارة. قال شعبان: ولهذا سأبدأ من الداخل. لن أُغيّر الواجهات، ولا أعِد بالقفزات، سأعمل على النية، وعلى الانضباط، وعلى السؤال الذي يهرب منه القادة عادة: لماذا نفعل ما نفعل؟

سكت رجب طويلًا، ثم قال بصوت من يعرف ثمن التجربة: إن لم تُجب عن هذا السؤال، ستقود بنجاح… لكن إلى مكانٍ لا يستحق الوصول. وهنا تغيّر اتجاه الحديث، لم يعد بين شهرين، بل بين مدرستين قياديتين: مدرسة تُراكم الإنجاز، ومدرسة تُراكم المعنى.

قال رجب: كنتُ مدرسة التقييم الهادئ. لم أرفع الصوت، لكنني راقبت السلوك. لم أُكثر التعليمات، لكنني اختبرت الالتزام حين لا يراك أحد. قال شعبان: وأنا مدرسة التهيئة الصامتة. سأقيس الجاهزية لا الحماس، والثبات لا الاندفاع، وسأُذكّرهم أن الذروة لا تُدار بالعاطفة، بل بالاستعداد الطويل.

قال رجب: أخبر القادة عني. قل لهم إن القائد الحقيقي لا يخشى أن يُغادر دون تصفيق، إذا كان ما بعده أقوى مما قبله. قال شعبان: وسأخبرهم عني. أنني لن أُجامل من لم يستعد، ولن أُكافئ من ظنّ أن النوايا الحسنة تكفي بلا انضباط.

اقتربت لحظة التسليم. وهنا قال رجب أعظم جملة في الحوار، جملة لو فُهمت لتغيّر علم القيادة: المرحلة الانتقالية ليست زمنًا محايدًا… إنها إمّا تُصنع فيها النجاحات القادمة، أو يُزرع فيها فشل الذروة. أطرق شعبان رأسه، وقال: ولهذا لن أكون شهر الاستعراض، سأكون شهر البناء الصامت. من لم يحتمل صمتي، لن يحتمل ضغط الذروة لاحقًا.

وقبل أن يرحل رجب، قال كوصية أخيرة لكل قائد في العالم: إن سألوك عن أعظم ما تعلمته، فقل لهم: أن القائد لا يُقاس بما يُنجز في زمنه، بل بما لا ينهار بعد رحيله. رحل رجب. لا ضجيج، لا بيانات، لا مديح. ودخل شعبان. لا وعود، لا احتفالات، بل خطة غير مكتوبة، عنوانها: إعداد القلوب قبل إدارة النتائج.

وهنا تنتهي القصة… ويبدأ الامتحان. ليس امتحان المرحلة، ولا امتحان الذروة، بل امتحان الوعي. امتحان القائد حين يُسأل سرًّا لا علنًا: ماذا كنتَ تفعل حين لم يكن أحدٌ يصفّق؟ وماذا زرعتَ حين لم يكن أحدٌ يطالب بالحصاد؟ فالزمن لا يختبر القادة في لحظات الظهور، بل في الفواصل الصامتة بين مرحلة ومرحلة، حيث تُصنع الهشاشة أو تُبنى المناعة. ولعلّ أخطر الأوهام القيادية أن نظنّ أن الذروة هي الغاية، وأن ما قبلها مجرّد انتظار. والحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: الذروة لا تُدار، بل تُستَحق. من لم يُحسن التهيئة، سيُرهَق في القمة، ومن لم يُنقِّ الثقافة، سيُطارد الخلل ولو غطّاه بالأنظمة، ومن لم يُربِّ الإنسان، سيُضطر لإدارة الأزمات بدل إدارة النتائج. وهنا سؤال لا يهرب منه قائد صادق: ماذا إن لم تكن الذروة هي الاختبار؟ ماذا إن كانت الذروة مجرد كاشف… لما صُنِع في الخفاء؟ وماذا إن كان أعظم نجاح قيادي هو أن تمرّ المرحلة التالية أكثر ثباتًا، لا أكثر ضجيجًا؟ وهنا تنتهي القصة. لا لأن الحوار اكتمل، بل لأن الدور انتقل. انتقل إليك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top