
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
” قراءة عميقة في الشجاعة المهنية وبناء الشخصية داخل المؤسسة”
لم يكن الاجتماع صاخبًا، ولا كانت الرسالة التي أُرسلت إلى المجموعة تحمل نبرة تحدٍّ أو استعراض. كانت رسالة مهنية، هادئة، مكتوبة بعناية، تتحدث عن لائحة، أو دراسة، أو مقترحٍ يُحسن الأداء، يرفع الكفاءة، ويُعيد ترتيب التفاصيل التي تتسلل منها الأخطاء. قرأها الجميع. رئيس القطاع كان من بينهم. والصمت كان طبيعيًا… فالمؤسسات الجادة لا تُصفّق للأفكار، بل تدرسها. لكن ما لم يكن طبيعيًا، هو تلك الرسالة التي وصلت بعد دقائق على الخاص: “شكرًا… فكرة رائعة… جهد كبير…” رسالة صادقة، نعم. مقدّرة، نعم. لكنها مخفاة. وهنا يبدأ السؤال الذي لا يُطرح في الاجتماعات، ولا يُكتب في محاضر الجلسات، لكنه يُحدّد مصير الثقافة المؤسسية أكثر من أي لائحة: لماذا يُقال الشكر سرًا، إذا كان لا يضر علنًا؟
الفرق بين الحكمة… والخوف المغلّف باللباقة
في المؤسسات الناضجة، تُفرّق القيادة الواعية بين الحذر المشروع، وبين الخوف الذي يرتدي ثوب الحكمة. الحذر أن تختار توقيتك. الحذر أن تزن كلماتك. الحذر أن تحترم السياق الإداري. أما أن تمنح التقدير في الخفاء، وتحجبه عن العلن خشية أن “يكون للرئيس رأي آخر”، فهذا ليس حذرًا… هذا ارتهان نفسي غير معلن. قال أفلاطون: “أعظم الظلم أن يُكافأ الصمت، ويُعاقب التعبير.” والشكر العلني على جهدٍ مهني ليس موقفًا سياسيًا، ولا اصطفافًا ضد القيادة، ولا إعلان تمرّد ناعم. إنه فعل أخلاقي بسيط، يقول: رأيتُ الجهد، وقدّرته. أما القرار؟ فمكانه محفوظ. محفوظ حيث يجب أن يكون: في يد من يملك الصلاحية، لا في يد من يملك المجاملة.
حين تخطئ المؤسسات في تعريف الولاء
كثير من البيئات المؤسسية تزرع – دون قصد – مفهومًا مشوّهًا للولاء. تجعل الولاء صمتًا، وتجعل الحياد تراجعًا، وتجعل الشجاعة وقاحة مؤدبة. فيظن بعض الأفراد أن: إظهار الإعجاب بفكرة أمام المدير = تجاوز، شكر زميل علنًا = تلميح موقف، الاعتراف بالجهد = تهديد للتوازن، وهذا خلل عميق في الفهم. يقول بيتر دراكر، أحد أعمدة الفكر الإداري: “الثقافة المؤسسية تأكل الاستراتيجية على الإفطار.” وأي ثقافة تُعلّم أفرادها أن: يتحدثوا في الخفاء، ويصمتوا في العلن، ويُجزّئوا مواقفهم حسب الجهة الحاضرة هي ثقافة تُنتج أفرادًا مهرة…لكن بلا عمود فقري مهني.
السرد الخفي: قصة موظف يعرف الصواب… ويخاف أن يقوله
تخيّل هذا المشهد: موظف كفء، ذكي، مطّلع، قرأ الدراسة جيدًا، وأدرك أنها ستُحدث فرقًا حقيقيًا. أراد أن يشكر. كتب الرسالة. ثم توقّف. تساءل في داخله: “ماذا لو فُهم الشكر على أنه تبنٍّ؟” “ماذا إن كان لرئيس القطاع رأي مخالف؟” “هل أبدو وكأنني أسبق القرار؟” فاختار الحل الأسهل نفسيًا: أرسل الشكر في الخاص. ارتاح ضميره. لكنه – دون أن يشعر – تنازل عن دورٍ أخطر من الشكر نفسه: دور الشريك في بناء مناخ صحي. قال نيتشه: “من لا يملك شجاعة الإعلان عن قناعاته، سيعيش عمره يشرح صمته.”
الشكر العلني لا يُغيّر القرار
من أخطر المغالطات الإدارية، الاعتقاد بأن التقدير العلني يؤثر على نزاهة القرار. القرار الرشيد لا يتأثر بشكر، ولا ينهار بإطراء، ولا يُبنى على مجاملة. القرار يُبنى على: معطيات، أرقام، تحليل، مصلحة مؤسسية أما الشكر، فهو غذاء الروح المهنية. يقول الإمام علي رضي الله عنه: “من لم يشكر المخلوق، لم يشكر الخالق.” والشكر هنا ليس شخصيًا، بل مؤسسيًا. إنه رسالة غير مكتوبة تقول للفريق: “الاجتهاد يُرى، حتى لو لم يُعتمد.” وهذه وحدها تصنع فرقًا بين مؤسسة تُنتج أفكارًا، ومؤسسة تُنتج صمتًا أنيقًا.
ضعف الشخصية أم غياب الأمان النفسي؟
قد يكون من الظلم أن نصف كل سلوك متردد بضعف الشخصية. أحيانًا، تكون البيئة نفسها قد نزعت الأمان من القلوب. لكن حين: يتكرر السلوك، ويتحول إلى قاعدة، ويُبرَّر دائمًا بالخشية من “الرأي الأعلى” فالمشكلة لم تعد في البيئة وحدها، بل في الاستسلام لها. الشخصية المؤسسية الناضجة: تحترم الهرم، ولا تذوب فيه، تعرف موقعها، ولا تمحوه خوفًا. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي.” فكيف بمن أهدى شكرًا؟ أَيُخشى منه؟
حين يُدار العمل بعقل ويُقتل بالهمس
الهمس لا يبني مؤسسة. يبنيها الحوار الواضح. الاحترام المعلن. التقدير الذي لا يحتاج اعتذارًا. المؤسسات العظيمة في التاريخ لم تُبنَ بأفراد يسألون: “هل الوقت مناسب لأقول رأيي؟” بل بأفراد يسألون: “هل ما سأقوله يخدم الحق؟” وحين يكون الجواب نعم، فالصمت خيانة ناعمة. ما الذي نحتاجه فعلًا؟ نحتاج إلى: شخصيات لا تُصفّق، لكنها لا تختبئ، موظفين لا ينافسون القيادة، ولا يخافون منها، ثقافة تفصل بين التقدير والقرار، ووعيٍ يقول: الشكر ليس موقفًا… بل أخلاق. نحتاج أن نُعلّم الفرق بين: الاحترام والخوف، اللباقة والانسحاب، الحكمة والتردّد. لأن المؤسسة التي يُقال فيها الشكر همسًا، ستُدار فيها الحقيقة يومًا ما بالصمت.
كلمة أخيرة، هذا المقال لا يُدين شخصًا، ولا يُبرّئ فكرة، ولا يصطف مع جهة. إنه مرآة. ومن لم يُعجبه انعكاسه فيها، فليُصلح الوقفة… لا الزجاج. وصدق من قال: “الأفكار القوية لا تخاف الضوء، والشخصيات القوية لا تخشى أن تقول: أحسنت… أمام الجميع.”