حين تُدار الفكرة بالشعور… وتُؤجَّل الروح بحجة التوقيت

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

“سردٌ مهني عميق في تغليب النفسية على المؤسسية”

لم تبدأ الحكاية بخلاف، ولا باصطفاف، ولا حتى باجتماع محتدم. بدأت برسالة هادئة، صادرة من موقع مسؤولية، تحمل عنوانًا كبيرًا في لفظه، عميقًا في مقصده: ” القطاع بفكر واحد مشترك”. كان الطلب واضحًا، مباشرًا، وموجّهًا إلى خبير التطوير، لا بوصفه طرفًا في صراع، بل بوصفه عقلًا مهنيًا، وظيفته أن يحوّل العناوين إلى معنى، والشعارات إلى محتوى، والنوايا الحسنة إلى أدوات قابلة للتنفيذ. استلم الخبير الرسالة، ولم يسأل: لماذا الآن؟ ولم يتساءل: لمن هذا؟ بل سأل السؤال الوحيد الذي يليق بدوره: كيف نخدم المؤسسة؟ فانكبّ على إعداد المادة العلمية، قرأ الواقع، راجع الثقافة السائدة، بنى محتوى لا يُجمّل القطاع، ولا يُدين أحدًا، بل يسعى لتوحيد الفهم، وضبط المفاهيم، وخلق لغة مشتركة… لأن الفكر المشترك لا يُفرض، بل يُبنى.

مساران… كان يجب ألا يلتقيا

في التوقيت نفسه تقريبًا، كان هناك مسار آخر يسير في طريقه الطبيعي. رئيس القطاع – بحكم مسؤوليته اقترح هيكلًا للقطاع، وعرضه على المجلس التنفيذي. وهنا لا توجد إشكالية: الهيكل من صميم صلاحيات المجلس، والمجلس مارس حقه الكامل، وقرر- بعقل استراتيجي – إرجاء المقترح إلى بداية العام، ليتزامن مع الخطة الاستراتيجية. قرار منطقي. مهني. لا يحمل رفضًا، ولا يُسقط جهدًا، ولا يطعن في نوايا. كان مجرد: ليس الآن. وفي المؤسسات الناضجة، كلمة ليس الآن، لا تُفسَّر على أنها ليس أبدًا، ولا تُحمَّل أكثر مما تحتمل. لكن ما لا يُكتب في محاضر الاجتماعات، ولا يُذكر في تقارير المتابعة، هو ما يحدث بعد القرار… في المساحة الرمادية بين النص والشعور.

حين تدخل الصياغة منطقة الظن

جاء كتاب من رئيس قطاع الموارد البشرية موجّهًا إلى رئيس القطاع المعني بالهيكل. كتابٌ في ظاهره إداري، لكن روحه لم تكن كذلك. لم يناقش الهيكل من حيث: التوقيت، الملاءمة، والارتباط بالخطة. بل حمل انطباعًا، شعورًا غير مصاغ بدقة، مفاده أن أسلوب الخبير حاضر. وهنا… انحرف المسار. لأن المؤسسة حين تنتقل من: “ما كُتب” إلى “ما شُعِر به” تدخل منطقة خطرة، لا تحكمها اللوائح، ولا تضبطها الصلاحيات. قال فرانسيس بيكون: “العقل إذا دخلته العاطفة، خرج منه الحكم.”

الخطأ الذي لا يُرتكب… لكنه يُعاقَب

الخبير – موضوعيًا – لم: يطلب عرض الهيكل، يشارك في المجلس التنفيذي، يتجاوز صلاحياته، ولم يفرض رأيًا كل ما فعله: أنه كتب بأسلوب مهني، واضح، له بصمة، كما يفعل أي خبير حقيقي. لكن ما حدث لاحقًا كان صامتًا، لا قرار فيه، ولا رسالة، ولا حتى توضيح. الورشة لم تُلغَ… لكنها لم تُنفّذ. وهنا يكمن أخطر أنواع القرارات: القرار الذي لا يُعلن، لكنه يُمارَس. هذا ما يسميه علماء الإدارة: العقوبة المؤسسية الصامتة،حين تُجمَّد المبادرات، لا لخلل فيها، بل لتغير المزاج العام حولها.

تغليب النفسية… حين تتقدم الذات على الدور

في هذه اللحظة، لم تعد القضية: ورشة، أو هيكل، أو توقيت. بل أصبحت سؤالًا أعمق: من يدير المؤسسة؟ الدور أم الشعور؟ حين تُؤجَّل مبادرة تطويرية: لا لعدم الحاجة، لا لضعف المحتوى، ولا لتعارضها مع قرار استراتيجي. بل لأن الجو لم يعد مريحًا، فهنا نكون أمام تغليب النفسية على المؤسسية. قال بيتر دراكر: “المؤسسة التي لا تفصل بين الشخص والدور، ستنهار مهما حسنت نوايا أفرادها.”

الخلط القاتل بين المساءلة والتوجس

من حق أي قيادة أن: تراجع، تسأل، تتحفظ، وتطلب تعديلًا، لكن ليس من حق أي منظومة أن: تشكك في النيات بدل الأفكار، تراقب الأسلوب بدل المحتوى، وتُسقِط مبادرة لأنها تُشعِر أحدهم بعدم الارتياح، لأن هذا يخلق ثقافة: يراقب فيها الجميع كلماتهم، لا لسلامتها المهنية، بل لسلامتهم النفسية. وهنا تموت الجرأة، ويختفي الإبداع، وتتحول المؤسسة إلى مساحة آمنة للصمت… لا للتطوير.

المفارقة الكبرى: عنوان الورشة

الأكثر إيلامًا في هذه القصة، أن عنوان الورشة كان: ” القطاع بفكر واحد مشترك”. لكن ما الذي حدث فعليًا؟ الفكر تشتت، الرسالة تجمّدت، الثقة اهتزّت، والخبير تُرك في مساحة رمادية وكأن المؤسسة قالت – دون أن تقول-” نريد فكرًا مشتركًا… لكن بشرط ألا يكون واضحًا أكثر من اللازم”. قال نيتشه: “أكثر ما يُخيف البشر، هو الفكرة الواضحة التي لا يمكن الالتفاف حولها.”

أين الخلل الحقيقي؟

الخلل لم يكن في: الطلب، ولا في التنفيذ، ولا في قرار المجلس التنفيذي، الخلل كان في ردة الفعل. حين تحوّل: قرار مهني مستقل، إلى حساسية غير مبررة، ثم إلى تجميد غير معلن وهذا ما يجعل المؤسسات تخسر: الخبراء، والمبادرات، والأفكار قبل أن تولد، قال ابن خلدون: “إذا دخل الوهم على السلطان، فسد التدبير.” والوهم هنا ليس سوء نية، بل سوء قراءة.

ما الذي كان يجب أن يحدث؟

إن  كانت المؤسسية هي الحاكمة: يُقال بوضوح: الورشة قائمة أو مؤجلة أو بحاجة إعادة ضبط، يُفصل بين: الهيكل (قرار استراتيجي)، والورشة (أداة ثقافية)، يُناقَش الأسلوب إن وُجد تحفظ دون إسقاط أو تحميل دلالات نفسية، لكن ما حدث: تم ترك الأمور بلا اسم… وبلا قرار… وبلا شجاعة.

الخلاصة: المؤسسات لا تنهار بالصدام… بل بالهمس

المؤسسات القوية لا تخشى الحوار، ولا تتأذى من الوضوح، ولا تُعاقب الأفكار لأنها تحمل بصمة أصحابها. الذي يدمّر المؤسسات، ليس الخطأ، بل الخوف من مواجهته. وليس الاختلاف، بل إدارته بالعاطفة بدل العقل. إن أردنا مؤسسات: ناضجة، عادلة، منتجة، فعلينا أن نُعيد الاعتبار إلى: الدور قبل الذات، الفكرة قبل الشعور، المؤسسية قبل النفسية.

كلمة أخيرة، هذا المقال لا يكتب عن ورشة لم تُنفذ، بل عن ثقافة تُختبر كل يوم. فإما أن نختار: مؤسسة تُدار بالوضوح، أو مؤسسة تُدار بالانطباع، والفرق بينهما… هو الفرق بين البقاء والتلاشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top