سورة العصر… حين كتب الله تقرير القيادة الأخير

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم تأتِ سورة العصر لتُقرأ في آخر المصحف فحسب، بل لتُقرأ في آخر كل تجربة. كأنها نزلت بعد أن جرّبت البشرية كل النماذج، وكل الإمبراطوريات، وكل القادة، وكل الأفكار… ثم جاء الحكم الختامي المختصر، الذي لا يقبل الاستئناف: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ لم يُقسِم الله بمكان، ولا بشخص، ولا بقيمة معنوية، بل أقسم بالزمن. والزمن هو المورد الوحيد الذي يتساوى فيه الجميع، ثم يختلفون بعده اختلافًا مريعًا. قال أبو الحسن الماوردي- في إشارة قلّ من التفت إليها-: “أقسم الله بالعصر لأنه الوعاء الذي تُسكب فيه الأعمال، لا لأن الزمن شريف بذاته، بل لأن الناس تُفضَح فيه.” فالزمن ليس بريئًا… هو شاهد، ومُدّعٍ، وحَكَم.

الخسارة الشاملة… إلا فئة واحدة

لم يقل الله: إن الكافر لفي خسر، ولا: إن الظالم لفي خسر، بل قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾ الإنسان بما هو إنسان… إن تُرك بلا منهج. وهنا يبدأ العمق القيادي الذي لم يُلتفت إليه كفاية: الأصل في الإنسان الخسارة، والنجاة ليست طبيعية، بل استثناء نادر. قال ابن عطاء الله السكندري: “من ظن السلامة أصلًا، فقد جهل الطريق، فالخسارة هي القاعدة، والنجاة اصطفاء.” ثم جاء الاستثناء الرباني لا بصفة واحدة، بل بثلاثية متماسكة، لا يعمل ركن دون الآخر: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ۝ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۝ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ وهنا… تبدأ الثلاثية القيادية.

الركن الأول: الإيمان.. بوصلة القائد

الإيمان في سورة العصر ليس شعورًا قلبيًا مجردًا، بل مرجعية قرار. القائد بلا إيمان قد يكون: عبقريًا، سريع البديهة، وناجحًا بالأرقام. لكنه خطر… لأن ذكاءه بلا ضابط. قال يحيى بن معاذ الرازي – أحد حكماء القرن الثالث الهجري، ممن غاب ذكرهم عن كتب الإدارة -: “العقل إذا انفصل عن الإيمان صار شيطانًا لطيفًا.” الإيمان هو الذي: يحدد ما لا يجوز ولو نفع، وما يجب ولو كلّف، وما يُترك ولو اشتهر. القائد المؤمن لا يسأل أولًا: كم سنربح؟ بل يسأل: بأي وجه سنقف أمام الله؟ وهنا تتحول القيادة من مهنة إلى أمانة.

الركن الثاني: العمل الصالح.. من النية إلى الأثر

الإيمان بلا عمل صالح في سورة العصر غير كافٍ. لم تُقدّم السورة الإيمان كهوية، بل كمحرك فعل. العمل الصالح في منطق السورة: ليس مجرد إنجاز، ولا نشاطًا مؤسسيًا، ولا توسعًا عدديًا. بل هو أثر نافع منضبط بالقيم. قال أبو سليمان الداراني: “ليس الزهد أن تترك الدنيا، بل أن لا تدخل الدنيا في عملك.” القائد الذي يعمل عملًا صالحًا: يربح دون أن يظلم، ينجح دون أن يُفسد، ويتقدم دون أن يُسحق من خلفه. وهنا الفرق بين: قائد يُنجز، وقائد يُصلح. والسورة لا تنجي إلا الثاني.

الركن الثالث: التواصي بالحق.. القيادة التي لا تمشي وحدها

هنا الانعطافة الكبرى… سورة العصر تقتل فكرة البطل الفرد. لم تقل: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وكانوا على الحق، بل قالت: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: تناصحوا، تذكّروا، وراقب بعضهم بعضًا. قال الإمام الشاطبي في إشارة دقيقة: “التواصي دليل أن الاستقامة لا تُحفظ بالفرد، بل بالجماعة.” القائد الحقيقي: يسمح أن يُنصح، يفتح باب المراجعة، لا يخاف من الصادقين حوله، أما القائد الذي لا يُعارَض… فقد بدأ السقوط، ولو صفق له الجميع.

التواصي بالصبر.. استدامة القيادة

الصبر لم يُذكر عبثًا… فالحق ثقيل، وطريقه طويل، وأهله قلة. قال سهل بن عبد الله التستري: “ما ثبت على الحق إلا من صبر عليه أكثر مما صبر الحق عليه.” القائد الذي لا يصبر: يبدل مبادئه عند أول ضغط، يساوم على الحق باسم الواقعية، ويستعجل النتائج فيفسد المسار، وسورة العصر لا تعترف بالقيادة السريعة بلا جذور.

سورة العصر كميزان حضاري

إذا أردت أن تقيس: مؤسسة، دولة، حركة، فريق، أو حتى نفسك، اسأل أربعة أسئلة فقط:

                1. هل الإيمان حاضر في القرار؟

                2. هل العمل نافع لا مزيف؟

                3. هل الحق متداول لا محتكر؟

                4. هل الصبر أقوى من الإغراء؟

إن اختل واحد…عاد الإنسان إلى الخسارة.

الخاتمة: لماذا هذه السورة مخيفة؟

قال الإمام فخر الدين الرازي: “لو لم ينزل من القرآن إلا سورة العصر، لكفت في إقامة الحجة على الخلق.” هي مخيفة لأنها: لا تترك أعذارًا، لا تساوم، ولا تطيل الشرح، ثلاث آيات… لكنها تحاكم التاريخ كله. فهذا المقال ليس للنشر فقط، بل للمساءلة. ومن قرأ سورة العصر بعد اليوم كما كان قبلها… فقد مرّ عليها ولم تدخل قلبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top