القيادة التي تُولد رمضان كل حين

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم تكن أعظم التحولات في تاريخ البشرية نتاج لحظة حظ، ولا ثمرة انتظار طويل لفرصة عابرة، بل كانت دائمًا صنيعة قيادة فهمت الزمن قبل أن يفهمها الناس. الزمن هنا ليس تعاقب الأيام، بل قابلية اللحظة لأن تتحول إلى معنى، وقدرة الموسم على أن يصبح مدرسة. وفي هذا المعنى، لم يكن رمضان يومًا شهرًا يزورنا ثم يمضي، بل كان – ولا يزال – نموذجًا كونيًا لصناعة الفرص حين تتهيأ القيادة. العالم كل حين يبحث عن الفرصة، يطاردها في الأسواق، يفتش عنها في الأزمات، ويتحدث عنها في المؤتمرات. لكن ما لم يُدوَّن بعد – أو لم يُجرأ على تدوينه – هو هذا السؤال الخطير: ماذا لو كانت القيادة الحقة لا تُدير الفرص، بل تُنضج الظروف التي تجعل الفرصة حتمية؟

هنا تبدأ الحكاية، لا عن رمضان بوصفه موسم عبادة فقط، بل بوصفه منهجًا لصناعة الفرص الإنسانية والإدارية والأخلاقية. رمضان لا يمنح الفرص لمن ينتظرها، بل يكشفها لمن أعاد ترتيب العالم من حوله. القيادة الفذة لا تدخل رمضان لتسأل: ماذا سنفعل؟ بل تدخل لتسأل: ما الذي يجب أن نزيله حتى يظهر الخير وحده؟ هذا التحول من الإضافة إلى الإزالة هو أول أسرار صناعة الفرص. فالعوائق – لا ندرة الإمكانات – هي العدو الحقيقي للفرص. قال سينيكا: “ليس لأن الأشياء صعبة لا نجرؤ عليها، بل لأننا لا نجرؤ عليها تصبح صعبة.”

وفي رمضان، تتجلى هذه الحكمة بوضوح مذهل. ما يبدو صعبًا في غيره من الشهور – ضبط النفس، ترشيد الوقت، تغليب المعنى على الاستهلاك – يصبح ممكنًا، لا لأن البشر تغيروا، بل لأن البيئة تغيّرت. وهنا تظهر القيادة: القائد الذي يفهم رمضان لا يطلب من الناس أن يكونوا أفضل فجأة، بل يُعيد تصميم اليوم، الإيقاع، الخطاب، والتوقعات، حتى يصبح الأفضل هو الخيار الأسهل.  صناعة الفرص الرمضانية لا تعني إطلاق المبادرات، ولا تكثيف البرامج، ولا ازدحام الجداول. بل تعني خلق فراغ ذكي يسمح للمعنى أن يتنفس. الفراغ هنا ليس فراغ كسل، بل فراغ مقصود، يُخفف الضجيج ليُسمع الصوت الداخلي. وهذا ما لا يُدرّس في علم الإدارة، لأن الإدارة اعتادت أن تقيس ما يُضاف، لا ما يُزال.

في هذا السياق، تبدو القيادة الرمضانية أقرب إلى فن البستنة منها إلى هندسة المصانع. البستاني لا يصنع الثمرة بيده، لكنه يُهيئ التربة، يضبط الماء، يختار التوقيت، ثم يثق أن النمو سيحدث. القائد الفذ في رمضان يفعل الشيء نفسه: يُهيئ النفوس، يُخفف الضغط، ويُعدل الإيقاع، ثم يترك للفرصة أن تولد دون إعلان.

العالم اليوم يتحدث كل حين عن المرونة، القيادة الإنسانية، إدارة الطاقة. لكن رمضان يُقدّم نموذجًا حيًا لهذه المفاهيم دون مصطلحات. إنه موسم تُختبر فيه القيادة في قدرتها على احترام الإنسان لا استنزافه، وعلى استثمار الزمن لا استهلاكه، وعلى تحويل الانضباط إلى طمأنينة. قال المفكر التشيكي فاتسلاف هافل: “الأمل ليس تفاؤلًا بأن الأمور ستسير على ما يرام، بل قناعة بأن لما نفعله معنى، مهما كانت النتيجة.” وهذا هو جوهر الفرصة الرمضانية: أن تُدار الأعمال لا فقط بحثًا عن نتائج، بل حفاظًا على المعنى. حينها، تتحول الفرصة من مكسب مؤقت إلى أثر طويل العمر.

القائد الذي يصنع الفرص الرمضانية لا يرفع شعارات، ولا يُكثر من الحديث عن القيم. بل يُترجم القيم إلى قرارات صغيرة: قرار بتقليل الاجتماعات، قرار بتأجيل ما لا ضرورة له، قرار بإعادة توزيع الأدوار، قرار بالصمت حين يكون الصمت أبلغ من الخطاب. هذه القرارات الصغيرة هي التي تصنع الفرص الكبرى. فالفرصة لا تأتي دائمًا في هيئة حدث، بل كثيرًا ما تأتي في هيئة مساحة: مساحة للتفكير، مساحة للتقارب، مساحة للنية الصادقة. ولعل ما لم يُكتب من قبل بوضوح كافٍ، أن رمضان لا يكشف فقط عن القادة، بل يصنعهم. القائد الذي ينجح في هذا الموسم، لا ينجح لأنه عبقري، بل لأنه متواضع أمام الزمن، واعٍ بحدود البشر، ومؤمن بأن القيادة ليست فرضًا للقوة، بل تحريرًا للطاقة.

في أحد نصوصه النادرة، كتب الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز أن “اللحظات الحدّية هي التي تكشف الإنسان لنفسه”. ورمضان هو لحظة حدّية للقيادة: هل ستختار الضغط أم الثقة؟،  السيطرة أم التمكين؟ الاستعراض أم الصدق؟ الإجابة على هذه الأسئلة هي التي تحدد إن كانت الفرص ستُدار أم ستُصنع. وحين ننظر إلى العالم من هذا المنظور، ندرك أن رمضان ليس حدثًا دينيًا محليًا، بل فكرة كونية: فكرة أن الإنسان قادر – إذا تغيّرت شروط البيئة – أن يسمو دون قسر، وأن يُنجز دون استنزاف، وأن يعطي دون أن يُطلب منه. القيادة التي تفهم هذا الدرس لا تحصر رمضان في شهر، بل تحمله معها إلى بقية العام. تُدرك أن كل موسم يمكن أن يكون رمضانًا آخر، إذا أُحسن الإعداد له. هكذا تتحول الفرصة من صدفة زمنية إلى ثقافة مؤسسية.

في المشهد الأخير، لا نرى قائدًا يقف على منصة، ولا بيانًا يُقرأ، ولا أرقامًا تُعلن. نرى بيئة تعمل بهدوء، وناسًا يؤدون أعمالهم بطمأنينة، وفرصًا تظهر دون ضجيج. هذا هو الانتصار الحقيقي: حين لا تحتاج الفرصة إلى من يعلنها، لأنها أصبحت جزءًا من النظام. هذا النص لا يتحدث عن رمضان فقط، ولا عن القيادة فقط، بل عن إمكانية الإنسان حين تُرفع عنه العوائق. وحين يفهم العالم هذا الدرس، لن يسأل بعد اليوم: أين الفرص؟ بل سيسأل السؤال الأجدر: ما الذي يجب أن نغيّره فينا… لتولد الفرص وحدها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top