المنبر.. حين تقف القيادة بين السماء والناس

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يُخلق المنبر ليكون مرتفعًا عن الناس بقدر ما خُلق ليكون منخفضًا أمام الحقيقة. هو ليس منصة خطاب، بل مقام أمانة، ولا وحدة في مؤسسة المجتمع أشد حساسية منه، لأنه الموضع الوحيد الذي يُسمَح فيه للإنسان أن يخاطب الجماعة باسم القيم العليا لا باسم الصلاحيات. في التاريخ، كانت الأمم تُقاس بقوة جيوشها، وعدد أسواقها، واتساع أراضيها. لكن ما لم يُكتب بوضوح كافٍ: أن تماسك المجتمع الحقيقي يبدأ من المنبر، من الكلمة التي تُلقى في موضع ثقة جمعية، فتُعيد تعريف الصواب والخطأ، والحق والباطل، والواجب والممكن. قال أفلاطون: “أعظم الخراب يحدث حين يتكلم من لا يعرف، ويصمت من يعرف.” والمنبر هو الامتحان الأكبر لهذه المقولة، لأن من يتكلم عليه لا يمثل نفسه، بل يمثل الضمير العام.

المنبر.. وحدة قيادية مستقلة

في علم الإدارة الحديث، تُقسَّم المؤسسات إلى وحدات: تشغيلية، رقابية، تخطيطية. لكن المجتمع – بوصفه مؤسسة كبرى – يحتوي وحدة لا تخضع لهذه التصنيفات: المنبر. المنبر: لا يُنتج سلعة، لكنه يُنتج معنى، لا يملك سلطة تنفيذية، لكنه يُشكّل السلوك، ولا يوقّع قرارات، لكنه يصنع القناعات التي تُنَفَّذ بها القرارات. ولهذا كان أخطر من أي إدارة. قال ابن خلدون في مقدمته: “إنما قوام الملك بالأخلاق، فإذا ذهبت الأخلاق ذهب الملك وإن بقيت صورته.” والمنبر هو المصنع الأول للأخلاق العامة؛ فإذا فسد، فسدت بقية الوحدات مهما بدت منضبطة.

الهيئة.. حين تكون الصورة جزءًا من القيادة

المنبر لا يقبل الحياد الشكلي. الهيئة فيه ليست زينة، بل لغة صامتة. من صعد المنبر: بلهجة مستعلية، أو بحركة متعجلة، أو بنبرة مسرحية، أرسل رسالة قبل أن ينطق: أنا أهم من الرسالة. قال كونفوشيوس: “إذا لم تستقم الإشارات، فلن تستقيم الكلمات، وإذا لم تستقم الكلمات، فلن تستقيم الأفعال.” الهيئة هنا ليست شكلاً، بل انضباط داخلي ظهر على الجسد. ولهذا كان السلف يقولون: “من لم يُحسن الوقوف، لم يُحسن القول.”

الهيبة.. الفرق بين الخوف والطمأنينة

الهيبة في المنبر لا تُستورد بالصوت العالي، ولا تُفرض بالتخويف. الهيبة الحقيقية هي أن يصمت الناس لأنهم يثقون، لا لأنهم يخافون. قال نابليون: “يمكنك أن تحكم بالخوف، لكنك لا تستطيع أن تقود به.” والمنبر ليس موضع حكم، بل موضع قيادة وجدانية. فإن خافك الناس، خرجوا سالمين من الخطبة… وعصوك بعدها. وإن اطمأنوا إليك، حملوا كلماتك معهم إلى بيوتهم وقراراتهم.

توقيت الصعود.. الزمن كعنصر قيادي

المنبر لا يُصعد في أي وقت. الزمن فيه شريك في المعنى. الصعود في زمن رخاء يختلف عن الصعود في زمن فتنة. والخطأ في اختيار التوقيت قد يُفرغ أصدق الكلام من أثره. قال ونستون تشرشل: “التوقيت في السياسة هو نصف القرار.” وفي المنبر، التوقيت هو نصف الرسالة. كلمة حق في وقت غضب قد تُفهم تمردًا، وكلمة صبر في وقت ظلم قد تُفهم خيانة. وهنا تُختبر حكمة القائد لا فصاحته.

علو المنبر.. الارتفاع الذي يفضح

لم يُرفع المنبر ليُعلي الإنسان، بل ليُثقله. كلما علا موضعك، ضاق هامش الخطأ. المنبر ارتفاعٌ يكشف: ضعف الحجة، تناقض السلوك، هشاشة النية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” من ولّي من أمر المسلمين شيئًا، فاحتجب دون حاجتهم، احتجب الله دون حاجته.” والمنبر احتجاب مكشوف، من صعده بغير حق، سقط أسرع مما يتخيل.

المقام.. حين يصبح الصعود امتحانًا وجوديًا

المنبر ليس مساحة، بل مقام. والمقام لا يُؤخذ بالقدرة، بل بالأهلية. قال الغزالي: “الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.” ولهذا كان كثير من العلماء يفرّون من المنبر، لا جبنًا، بل خوفًا من مقامٍ يُسأل عنه المرء قبل أن يُسأل عن غيره.

الخلود.. الكلمات التي لا تموت

الكلمة من المنبر لا تُنسى سريعًا. لأنها قيلت من موضع ثقة جمعية. كم فكرة منحرفة عاشت عقودًا لأنها قيلت من منبر؟ وكم قيمة عظيمة اندثرت لأن المنبر صمت عنها؟ قال توينبي المؤرخ الكبير: الحضارات لا تنهار من ضربة خارجية، بل من تصدّع داخلي طويل.” والمنبر هو أخطر نقطة في هذا التصدع أو هذا التماسك.

الثوابت.. المنبر ليس مختبر أفكار

المنبر ليس مساحة تجريب. ليس مكانًا لعرض الآراء المترددة، ولا لتصفية الحسابات الفكرية. الثوابت فيه ليست جمودًا، بل عمود الاتزان المجتمعي. قال مالك بن نبي: “المشكلة ليست في قلة الأفكار، بل في فقدان الفكرة المعيارية.: والمنبر هو حارس الفكرة المعيارية.

القوة.. حين تكون السكينة أقوى من الصخب

القوة في المنبر ليست في إثارة العواطف، بل في تهذيبها. ليست في الصدام، بل في التوازن. مانديلا قال: “القائد الحقيقي هو من يجعل الآخرين يشعرون بالأمان حتى في أصعب القرارات.” والمنبر القوي هو الذي: يُوقظ الضمير دون أن يجرحه، يُصحّح دون أن يُهين، ويُنذر دون أن يُرعب

حين ينهار المنبر.. ينهار المجتمع بصمت

أخطر ما يحدث للمجتمعات ليس سقوط الحكومات، بل تفريغ المنابر من معناها. حين يتحول المنبر إلى: أداة تبرير، أو منصة استعراض، أو خطاب مكرر بلا روح، يبدأ الانهيار الأخلاقي الهادئ… الذي لا تُسمع له ضجة.

الخاتمة.. لماذا سيبقى المنبر مرجع القيادة الأول؟

المنبر ليس تراثًا، بل مستقبل. ومن يفهمه، يفهم كيف تُبنى المجتمعات من الداخل. ليس كل من صعده قائدًا، لكن كل مجتمع بلا منبرٍ راشد… مشروع تيه. ومن صعد المنبر وهو يعلم أنه يقف بين السماء والناس، لا بينه وبين الناس فقط، فقد دخل مقامًا إن أحسن فيه، خلّدته القيم… وإن أساء، سقط ولو صفّق له الجميع. هذا المقال ليس دعوة للصعود، بل تحذير ممن لا يليق به المقام، وتذكير بأن القيادة الحقيقية تبدأ حين يرتجف القلب… لا حين يرتفع الصوت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top