أواخر شعبان بوصفها لحظة القيادة التي لا تُرى

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن أواخر شعبان في وعي القادة العظماء زمن انتظار، بل كان دائمًا زمن قرار. لا يُرفع فيه الصوت، ولا تُعلن فيه الحملات، لكنه الزمن الذي تُعاد فيه هندسة الداخل قبل أن تبدأ ضوضاء الخارج. في هذه الأيام القليلة، التي تمر على كثيرين مرور العابر، تتشكل الفوارق بين قيادة تستقبل رمضان كضيف، وقيادة تتهيأ له كمسؤولية تاريخية. في أواخر شعبان لا تُقاس القيادة بعدد الجداول ولا بكمّ الاجتماعات، بل بقدرتها على قراءة الإيقاع الخفي للزمن. الزمن هنا ليس ساعات وأيامًا، بل قابلية النفوس للإنجاز، وطاقة الفرق، واستعداد المنظومات لتحمّل ذروة المعنى. من لا يفهم هذه اللحظة، يدخل رمضان مُنهكًا قبل أن يبدأ، كما يدخل المعركة من لم يُحسن الإعداد.

القيادة التي تُخطئ فهم شعبان، تظن أن التخطيط يبدأ مع الهلال، بينما الحقيقة أن رمضان لا يقبل القادة المرتجلين. إنه موسم عالي الحساسية، تختلط فيه العبادة بالإنتاج، والنية بالضغط، والروح بالجسد. ومن هنا، يصبح التخطيط في أواخر شعبان ليس ترفًا إداريًا، بل واجبًا أخلاقيًا. فإن التنبؤ صعب، خصوصًا إذا تعلق بالمستقبل، لكن القادة الكبار لم يتنبؤوا، بل يُهيئوا أنظمتهم لاحتمالات المستقبل. وأواخر شعبان هي مختبر هذه الاحتمالات: ماذا إن انخفضت الطاقة؟ ماذا إن تداخلت الأولويات؟ ماذا إن غلب الشكل على الجوهر؟ هنا تُختبر القيادة لا في قدرتها على الإجابة، بل في شجاعتها على طرح الأسئلة الصحيحة.

في هذه المرحلة، يتقدم التخطيط الاستراتيجي الصامت على التخطيط التشغيلي الصاخب. التخطيط الاستراتيجي في أواخر شعبان ليس وثيقة، بل موقف ذهني: ما الذي يجب أن يبقى؟ ما الذي يجب أن يتوقف؟  وما الذي لا يجوز أن يسرق روح رمضان باسم الإنجاز؟ القيادة الناضجة تُدرك أن بعض الأنشطة، رغم مشروعيتها، قد تكون مفسدة للأثر في هذا الموسم. لذلك تعيد ترتيب الأولويات لا بمنطق الربح والخسارة فقط، بل بمنطق الأثر والبقاء. هنا يتجلى الفرق بين من يقود مؤسسة، ومن يقود معنى.

أما التخطيط التشغيلي، فلا يبدأ بالتفاصيل، بل بالرحمة. نعم، الرحمة بوصفها أداة إدارية. الرحمة بالفرق التي ستصوم، وتعمل، وتُنتج. الرحمة التي تجعل الجداول أكثر إنسانية، والمؤشرات أكثر عدلًا، والتوقعات أكثر واقعية. لقد قال بيتر دراكر: ” إن أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي صنعه”.  لكنه لم يقل إن المستقبل يُصنع بالقسوة. في أواخر شعبان، تُراجع القيادة خرائط العمل كما يُراجع الحكيم وصيته. ليس بهدف الإكثار، بل بهدف التخفف الذكي. فالتخفف هنا ليس ضعفًا، بل قوة تركيز. ما لا يخدم الرسالة في رمضان، يُؤجَّل، وما لا يُؤجَّل، يُبسَّط، وما لا يُبسَّط، يُحاط بعناية خاصة.

السرد الحقيقي للقيادة في هذه الأيام يشبه قصة قبطان يُبحر بسفينته نحو موسم عواصف معروفة. لا يكتفي بتقوية الأشرعة، بل يُراجع أخلاق الطاقم، ويُعيد توزيع الأدوار، ويُهيئ النفوس قبل أن يُهيئ العتاد. فالعواصف لا تكسر السفن فقط، بل تكشف النفوس. ولعل ما لم يُكتب في علم القيادة بما يكفي، أن رمضان ليس اختبار إنتاجية، بل اختبار صدق. صدق الرؤية، وصدق الرسالة، وصدق القائد مع نفسه. من يدخل رمضان بلا خطة واضحة، غالبًا ما يُغرق فرقه في فوضى البرامج، ومن يدخل بخطة بلا روح، يُحوّل الشهر إلى عبء نفسي.

هنا نستحضر قول وانغ يانغ مينغ: “المعرفة التي لا تتحول إلى عمل، ليست معرفة”. وفي أواخر شعبان، تتحول المعرفة القيادية إلى استعداد عملي: استعداد في القرار، استعداد في الخطاب، واستعداد في إدارة التوقعات. القيادة الرشيدة لا تُعلن في هذه المرحلة عن كل شيء. بعض الخطط تحتاج إلى كتمان، وبعض الرؤى تحتاج إلى نضج داخلي قبل أن تُقال. الصمت هنا ليس غموضًا، بل حكمة توقيت. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُثمر.

ومن أعظم أخطاء القادة في هذا الموسم، أنهم يُحمّلون رمضان ما لا يحتمل: مبادرات متراكمة، حملات متداخلة، وأهداف متناقضة. بينما القائد البصير يفهم أن رمضان موسم اصطفاء لا موسم ازدحام. تُصطفى فيه الأعمال كما تُصطفى النوايا، ويُقدَّم فيه الأهم لا الأكثر. في هذا السياق، يصبح الاجتماع القيادي في أواخر شعبان مختلفًا. لا يبدأ بسؤال: ماذا سنفعل؟ بل بسؤال أعمق: من نريد أن نكون في رمضان؟ هل نريد فرقًا منهكة أم فرقًا حاضرة؟ هل نريد إنجازًا رقميًا أم أثرًا ممتدًا؟ هل نريد ضجيجًا إعلاميًا أم سكينة مؤسسية؟ الجواب على هذه الأسئلة هو ما يُشكّل الخطة، لا العكس.

لقد كتب المفكر الياباني كونوسوكي ماتسوشيتا أن الإدارة الحقيقية تبدأ بإدارة النفس. وفي أواخر شعبان، يُمتحن القائد في قدرته على إدارة نفسه قبل فريقه: نومه، وقته، حضوره الذهني، وخطابه الداخلي. فمن لا يُحسن قيادة نفسه في هذا الشهر، لن يُحسن قيادة غيره في رمضان. واللافت أن أعظم القادة لا يتعاملون مع رمضان كموسم استثنائي فقط، بل كمختبر سنوي لإعادة ضبط البوصلة. ما نجح فيه يُثبَّت، وما فشل يُراجع، وما أرهق النفوس يُعاد التفكير فيه. هكذا تتحول العبادة إلى مصدر تعلم، ويتحول الصيام إلى مدرسة إدارة.

في المشهد الأخير من هذا السرد، نرى قيادة تقف في أواخر شعبان لا لتستعرض خططها، بل لتُصغي. تُصغي للفرق، وللأرقام، وللقلق الخفي، وللأمل الصامت. ثم تتخذ قراراتها بهدوء، وتدخل رمضان بخفة من يعرف أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بسرعة البداية، بل بسلامة الوصول. هكذا فقط، يفوز المقال، ويفوز القائد، ويفوز الزمن. لأن من فهم أواخر شعبان، لم يحتج أن يُنقَذ في منتصف رمضان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top