|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
في مساءٍ رمضانيٍّ هادئٍ من ليالي الدوحة، حيثُ تميلُ الأرواحُ إلى الصفاء كما تميلُ المآذنُ إلى السماء، لم يكن اللقاءُ عند مائدة إفطارٍ فحسب، بل كان موعدًا مع معنى أعمق من الطعام، وأبقى من الجلسة، وأصدق من الكلمات… كان موعدًا مع إنسانٍ اسمه الكرم، تجسّد في رجلٍ يُدعى: أبو محمد الهاجري، من بني هاجر، حيثُ النسبُ ليس مجرد اسمٍ، بل سيرةُ خلقٍ، وتاريخُ وفاء.
عاد أبو محمد من رحلةٍ قصيرةٍ استكمل فيها علاجًا خارج الوطن، وعاد وكأنّ العافيةَ لم تكن في الجسد وحده، بل في الروح التي ازدادت صفاءً، وفي القلب الذي ازداد سعةً، وفي الوجه الذي ازداد نورًا. لم تكن العودةُ عادية، بل كانت كعودةِ الطيبين الذين يسبقهم الدعاء، وتستقبلهم المحبة، وتحيط بهم قلوبٌ ما نسيتهم في غيابهم، ولا اكتفت بهم في حضورهم. وجب السلام، وكان الاطمئنان واجبًا لا يُؤجّل، وكان اللقاء على مائدة الإفطار في مجلسه العامر، ذاك المجلس الذي لا يُغلق بابه، ولا يُسأل طارقُه: من أنت؟ بل يُقال له: حيّاك الله، تفضل، فالمكان مكانك، والقلب قلبك.
وصلنا عقب الأذان بلحظات، وقد سبقنا إلى المكان عبقُ الطمأنينة، واستقبلنا أبو محمد بوجهٍ وضاء، فيه بقايا تعبٍ نبيل، لكنّه تعبٌ لا يُخفي ملامح الكرم، ولا يُطفئ إشراقة النفس. صافح بيدٍ فيها صدق، ونظر بعينٍ فيها احتواء، وقال بكلماتٍ قليلة، لكنها كانت كافية لتقول كل شيء: “الحمد لله على السلامة… حيّاكم الله”. يقول علي بن أبي طالب: ” قيمة كل امرئٍ ما يُحسنه”، ولو قِسنا أبا محمد بما يُحسنه، لوجدنا أنه يُحسن فنّ القلوب، قبل فنّ الموائد، ويُتقن صناعة الأثر، قبل إعداد الطعام.
جلست المائدة، لكنها لم تكن مائدةً عادية، بل كانت درسًا حيًّا في الكرم الأصيل، كرمٌ لا يُقاس بكثرة الأصناف، بل بروح العطاء التي تسكن كل طبق. بدأت بالزبدة، تلك البداية التي تُشبه بساطتها صفاء النية، ثم الشوربة… شوربة خضارٍ كأنها حديقةٌ مطبوخة، وشوربة ذرةٍ بالكريمة، ناعمةٌ كالكلمات الطيبة، دافئةٌ كقلوب أهل المجلس. ثم جاءت أطباق السلطة، لكنها لم تكن مجرد أطباق، بل كانت بستانًا من الألوان، خضارٌ متنوعٌ كتنوع الوجوه في المجلس، لكن يجمعها طعمٌ واحد: الألفة. وكأنّ الأرض كلّها اجتمعت لتقول: “هكذا يكون العطاء… تنوعٌ في الشكل، وحدةٌ في الروح”.
وما إن بدأت الأطباق الرئيسة تتوالى، حتى بدا المشهد وكأنه لوحةٌ من موائد الكرم العربي العريق: ماعون الأرز الأصفر بالدجاج المكبوس، يفوح عبقه وكأنه يروي حكاية أرضٍ ونار، وماعون برياني اللحم، فيه عمق النكهة كما في عمق التجربة، والجريش الأصيل، ذاك الطبق الذي لا يُقدَّم إلا في البيوت التي تعرف معنى الأصالة، ومعه الأرز الأبيض، كبياض النوايا، وتشريبة الدجاج التي تحمل في دفئها ذاكرة البيوت القديمة، وطبق السمك المقلي، كتحيةٍ من البحر لأهل البر.
لكن… هل كان الطعام هو البطل؟ أم كانت الروح التي قدّمته؟
يقول ابن خلدون: “الكرم ليس بكثرة العطاء، بل بحسن اللقاء”، وهنا تتجلى الحقيقة… فكم من موائدٍ امتلأت بالطعام، لكنها افتقرت إلى الروح، وكم من موائدٍ بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأن تملأ القلب. مائدة أبي محمد لم تكن فقط عامرة، بل كانت حيّة… تنبض بصدق المضيف، وتفيض بكرمٍ لا يعرف التكلّف. لم نشعر أننا ضيوف، بل كأننا أهلُ بيتٍ غابوا قليلًا ثم عادوا. كان ينظر إلى الجميع بعين الأب، ويحرص أن يأكل كل واحد، لا من باب العادة، بل من باب المحبة.
يقول الحسن البصري: “إنّ من علامة كرم النفس، طلاقة الوجه عند اللقاء”، ولو كانت هذه علامة، فإن أبا محمد قد جمع كل العلامات، وزاد عليها ما لا يُقاس. في تلك اللحظات، لم يكن الإفطار مجرد كسرٍ للصيام، بل كان وصلًا للقلوب، وتجديدًا لمعنى الأخوّة، واستعادةً لقيمةٍ كادت أن تضيع في زحام الحياة: أن يكون الإنسان إنسانًا. خرجنا من المجلس، ولم نحمل معنا طعم الطعام فقط، بل حملنا أثرًا… أثر رجلٍ علّمنا أن الكرم ليس مناسبة، بل أسلوب حياة، وأن المائدة ليست خشبًا وأطباقًا، بل رسالة حبّ، وأن العطاء الحقيقي هو ذاك الذي يُشعر الآخر أنه لم يكن ضيفًا يومًا.
اللهم يا واسع الفضل، يا من تُعطي بلا حساب، بارك في أبي محمد الهاجري، وفي أهله، وفي والديه، وفي ذريته، واجعل بيته عامرًا بذكرك، ومائدته شاهدةً له لا عليه، وارزقه تمام العافية، ودوام الطمأنينة، واجعل ما يقدّمه من كرمٍ في ميزان حسناته، كما أدخل السرور على القلوب، فأدخله في سعة رحمتك، واجعل له من كل دعوةٍ نصيبًا، ومن كل محبةٍ بركة، ومن كل مجلسٍ نورًا يمتدّ إلى يومٍ لا ظلّ إلا ظلّك.
وفي الختام… تبقى بعض اللقاءات لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر في القلب، وتبقى بعض الموائد… ليست للطعام، بل للمعنى، ومائدة أبي محمد… كانت من تلك التي لا تُنسى.