حين يسقي الغيبُ الأرض: حكاية بئرٍ كتبتها القلوب قبل أن تحفرها الأيادي

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

في لحظاتٍ نادرة من عمر الزمن، لا تُقاس الأعمال بحجمها، بل بصدقها، ولا تُخلَّد الأفعال بضجيجها، بل بأثرها. هناك، في طرفٍ بعيد من شرق إفريقيا، لم تكن الأرض عطشى للماء فحسب، بل كانت عطشى لرحمةٍ تُترجم الإيمان إلى فعل، وتحوّل الدعاء إلى نبعٍ جارٍ لا ينضب. وهنا تبدأ الحكاية… لا من البئر، بل من القلوب.

قلوبٌ اجتمعت… فصار العطاء قدَرًا

ثلةٌ كريمة من إحدى العوائل القطرية، عُرفت في محيطها بما لا يُكتب في السجلات بقدر ما يُحفظ في القلوب، عائلةٌ لم تجعل الخير موسمًا، بل جعلته سيرة، ولم تجعل العطاء واجبًا، بل هوية. اجتمعوا في آخر ليلةٍ من شعبان، يستقبلون رمضان بقلوبٍ عامرةٍ بالعزم، كأنهم يكتبون أول سطور البركة قبل أن يُعلن الهلال ميلاد الرحمة. حيث تخفّ الضوضاء، وتعلو نداءات الروح. لم يكن اجتماعهم اجتماع أرقامٍ أو حسابات، بل مجلس نوايا… مجلس تربيةٍ تفيض من جذورها، حيث تربّى الأبناء على أن اليد العليا لا تُرى، بل تُحس. اتفقوا… لا على مشروعٍ فحسب، بل على معنى. أن يبدأ رمضان ببصمةٍ لا تمحوها الأيام. أن يكون العطاء هذه المرة رسالةً إلى السماء قبل أن يكون نجدةً للأرض. فكانت الفكرة: بئر… ولكن أي بئر؟ بئرٌ لا يسقي الأحياء فقط، بل يروي ذكرى الراحلين.

حين يصبح الوفاء ميراثًا

لم يكن المشروع باسم أحدٍ منهم… بل باسم من غابوا عن أعينهم، وحضروا في قلوبهم.
سمّوه: بئر فاعلين خير في ثواب موتاهم. يا لها من تسميةٍ تختصر فلسفة الحياة كلها: أن تموت الأجساد… وتبقى الأعمال. أن يغيب الصوت… ويبقى الأثر. عن الآباء… عن الأمهات… عن الخالات والعمّات… عن الزوجات… عن الصديقات… عن كل من ترك في القلب أثرًا لا يُمحى.
كأنهم أرادوا أن يقولوا: ” لم ننسكم… بل جعلنا ذكراكم ماءً يجري في عروق الأرض.” وقد قال حكيم: “إن المؤمن ليخلّف من بعده آثارًا من الخير، فتكون له حياةً بعد موته.” وهنا… لم تكن مجرد كلمات، بل واقعٌ يُحفر في عمق 80 مترًا.

بين العطش والرجاء… كانت القرية تنتظر

في تلك القرية الإفريقية، لم يكن الماء قريبًا. كانت الأمهات يسِرن مسافاتٍ طويلة، يحملن أوعيةً أثقل من أكتافهن، ويصطحبن أبناءً لم يعرفوا من الطفولة إلا العطش. كم من صباحٍ بدأ بلا ماء… وكم من مساءٍ انتهى بانتظار قطرة. لم يكن التحدي في الوصول إلى الماء فقط، بل في نقائه… في سلامته… في كرامة الإنسان حين يطلب حقًا من حقوق الحياة. وهنا تتجلّى عظمة العطاء: أن تصل إلى حيث لا يصل غيرك… وأن ترى ما لا يراه الناس… وأن تسمع أنينًا لا يُقال.

مؤسسةٌ تحمل الوعد… وتفي

لم تكن العائلة وحدها في هذا المشهد، فقد حملت إحدى المؤسسات الرائدة هذا المشروع على عاتقها، لا كمنفذٍ فحسب، بل كأمينٍ على النية. تعهدت… أن يُنجز قبل نهاية رمضان. تعهدت… أن يكون العمل على قدر النية. وفي زمنٍ تُؤجَّل فيه المشاريع، كان الوفاء هنا سابقًا للوقت. حتى جاء يومٌ لم يكن عاديًا…

الخامس والعشرون… حين تكلمت الأرض

في الخامس والعشرين من رمضان 1447هـ، لم يكن افتتاح بئر… بل كان ميلاد حياة. مشهدٌ مهيب… أهالي القرية… رجالاً ونساءً وأطفالاً، تجمّعوا حول هذا النبع الجديد، وكأنهم يشهدون معجزةً صامتة. قطرات الماء الأولى لم تكن ماءً فقط… كانت دموعًا اختلطت بالفرح… كانت دعواتٍ خرجت من قلوبٍ أنهكها الانتظار.

600 أسرة… ما يقارب 4000 إنسان… إضافةً إلى المارة والعمّال… أثرٌ لا يُقاس بعدد، بل بامتداد الحياة التي سيصنعها. صدق القائل: “ازرع الخير ولو في غير أرضك، فثمره سيعود إليك يومًا حيث لا تتوقع.” وهنا… زُرع الخير في أرضٍ بعيدة، لكن ثماره بدأت في السماء قبل الأرض.

التربية التي لا تُدرَّس… بل تُعاش

ما الذي يجعل عائلةً بأكملها تجتمع على هذا النقاء؟ إنها التربية… تربيةٌ لم تُلقّن، بل مورست.
تربيةٌ رأت في العطاء عبادة، وفي الإخلاص طريقًا، وفي الوفاء أصلًا لا فرعًا. حين يرى الأبناء آباءهم يعطون بصمت… ويشهدون أمهاتهم يدعون بصدق… تنشأ أجيالٌ لا تسأل: لماذا نعطي؟ بل تسأل: كيف نعطي أكثر؟ قال ابن القيم: ” الأعمال الصالحة هي زاد القلوب، كما أن الطعام زاد الأبدان.” وهؤلاء… لم يكتفوا بإطعام القلوب، بل سقوا الأرض.

العطاء الذي يتجاوز اللحظة

ليست القصة في بئرٍ حُفر… بل في أثرٍ سيستمر. كل قطرة ماء ستُشرب… كل دعاءٍ سيُرفع… كل ابتسامةٍ ستولد… هي في ميزان من نُويت لهم الصدقة. وهنا يتجلى معنى الصدقة الجارية… أن يكون العمل حيًا… حتى بعد رحيل صاحبه.

ما بين الأرض والسماء… حكاية لا تنتهي

في لحظة تأمل، قد يسأل أحدهم: هل يعلم أولئك الراحلون بما صُنع لهم؟ والجواب… ليس بعلمنا، بل برحمة الله. لكننا نوقن أن ربًا كريمًا لا يضيع النوايا، ولا يُهمل الدموع، ولا ينسى العطاء. قال عمر بن الخطاب: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها.” فكيف بمن يسقي آلاف البشر؟

دعاءٌ يليق بهذا المقام

اللهم يا واسع الفضل، يا من لا تضيع عنده الودائع، نسألك أن تجعل هذا البئر نورًا في قبور من نُوي لهم، وأن تُسقيهم من أنهار الجنة كما سُقي عنهم أهل الأرض. اللهم تقبّل من أهل هذا العطاء، وأدم عليهم نعمة البذل، واجعلهم مفاتيح للخير، مغاليق للشر. اللهم بارك في أموالهم، وأعمارهم، وذرياتهم، واجعل ما قدّموا ذخراً لهم يوم لا ينفع مال ولا بنون. اللهم كما جمعوا على الخير قلوبهم، فاجمعهم في ظل عرشك، وارزقهم لذة النظر إلى وجهك الكريم. اللهم احفظ قطر وسائر أوطان الإسلام، واجعلها ديار أمان وسكينة ورحمة.

خاتمة…حين يُكتب التاريخ بالقلوب

ليست كل القصص تُروى… وبعضها يُحس. وهذه الحكاية… ليست عن بئرٍ فقط، بل عن معنى… عن تربية… عن وفاءٍ لا يعرف النسيان. إنها قصة تقول لنا: إن الخير لا يحتاج إلى إعلان، بل إلى نيةٍ صادقة، وقلبٍ حي. وهكذا… في زاويةٍ من إفريقيا، كتب قومٌ من قطر سطرًا في كتاب الإنسانية، بمدادٍ من ماء… ولكنه في الحقيقة… كُتب بنور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top