حين يصنع الاعتكاف أوطانًا في القلوب… من مصر إلى المغرب عبر الدوحة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

مدخل لا يُكتب بالحبر… بل يُستعاد بالروح

ليست كل الحكايات تُروى، وبعضها إن كُتب لا يُقرأ… بل يُعاش من جديد، كأنّ الكلمات تعجز عن حمل روحها، فتستعين بالقلب ليكمل ما عجز عنه الحرف. وهكذا كانت حكاية الاعتكاف في رمضان 1447، في مسجد فاطمة الزهراء، حيث لم يكن الزمان مجرد ليالٍ مباركة، بل كان فسحةً ربانية لإعادة ترتيب الداخل، وصياغة العلاقات على هيئة أنقى، ومعانٍ كانت قد تاهت في زحام الحياة فعادت لتُولد من جديد.

هناك… حيث السكون امتلاء، لا فراغ، وحيث الصمت حضورٌ مختلف، لا غياب… وُلدت حكاية لا تُشبه سواها. حكاية لم تبدأ هذا العام، بل امتدت جذورها إلى أعوامٍ مضت، حين جمع الاعتكاف رجلين من مصر: “منيسي” و“جابر”. لم يكن اللقاء الأول مصافحة عابرة، بل كان تعارف أرواحٍ قبل الأجساد، وكأنّ الله كتب لهما أن يلتقيا في بيته، ليبدأ مسارٌ لا ينتهي عند حدود المعرفة، بل يمتد إلى ما هو أبعد… إلى قدرٍ يُصاغ بهدوء.

من اعتكافٍ إلى نسب… حين تتحوّل المعرفة إلى قدر

“منيسي” … لم يكن يدرك أن جلسةً في اعتكاف، في قطر، ستفتح له بابًا على عالمٍ كامل. جلسةٌ عابرة تحوّلت إلى معرفة، ومعرفةٌ نمت حتى صارت صداقة، وصداقةٌ تجاوزت حدودها لتصير طريقًا إلى وطنٍ جديد. لم يذهب إلى المغرب سائحًا، بل كأنّ قلبه كان يُستدعى. هناك، التقى “أم مريم”، ابنة “خالتي خديجة” … لقاءٌ لم يكن وليد الصدفة، بل امتدادٌ لخيطٍ بدأ حين التقى شقيقها بمنيسي في المسجد الحرام، وكأنّ الأقدار كانت تُنسج بخيوطٍ غير مرئية، لكنها متقنة. زواجٌ لم يكن ارتباطًا بين شخصين فحسب، بل جسرًا بين مصر والمغرب، بين ثقافتين، بين روحين التقتا على الصدق والبساطة. هنا، يتردد صدى قول ابن خلدون: ” الاجتماع الإنساني ضرورة، ولكن أجمله ما كان مبنيًا على المودة” … وهنا، لم يكن الاجتماع ضرورة، بل كان اختيارًا نقيًّا، فكان أجمله.

جابر… ذاكرة الحكاية وحرارتها

وفي اعتكاف هذا العام، عاد “جابر” … لا كشخصٍ فحسب، بل كذاكرةٍ حيّة، وروحٍ تحمل تفاصيل الحكاية. عقب السحور، حيث تنكشف الطبقات العميقة للنفس، جلسنا معه وقال ببساطته التي تخفي عمقًا: ” تفضلوا… شاي مغربي.” لكن الشاي لم يكن شرابًا… بل كان مدخلًا. مدخلًا إلى سردٍ دافئ، وإلى حكايةٍ تُروى بصدقٍ لا يُصطنع.

بدأ يتحدث… لا عن نفسه، بل عن “منيسي”، عن الرحلة التي غيّرته، عن انتقاله من صديقٍ في اعتكاف، إلى زوجٍ في بيتٍ مغربي، إلى ابنٍ في رحاب “خالتي خديجة”. كانت كلماته مشبعةً بالامتنان، مغمورةً بدهشةٍ صادقة… دهشة من كرمٍ لا يُرى كثيرًا، ومن احتواءٍ لا يُطلب، ومن تفاصيل صغيرة صنعت أثرًا كبيرًا.

خالتي خديجة… حين تصبح الأمومة وطنًا

حين وطأت أقدام “جابر” أرض المغرب، ودخل بيت “خالتي خديجة”، لم يدخل كضيف… بل كأنّه عاد إلى بيتٍ يعرفه منذ زمن. لم يكن ذلك مجاملة، بل سلوكًا يُمارس دون إعلان. لم يُسمح له بالإقامة في فندق، لا لأن الفنادق لا تليق، بل لأن القلوب أوسع، ولأن الكرم الحقيقي لا يقبل أن يقف عند حدود. هيأوا له بيتًا خاصًا، لا ليقيم فيه فقط، بل ليشعر أنّه “صاحب البيت”. كانوا معه… لا حوله فقط، يسبقونه إلى حاجاته، يقرؤون تفاصيله، يحيطونه بعنايةٍ لا تُلفت النظر، لكنها تملأ القلب.

ومن ألطف ما رُوي… أنهم لاحظوا أن الجورب الذي يرتديه لا ينسجم مع زيه. لم يُحرجوه، لم يُنبهوه، بل توقفت السيارة، وتم شراء ما يناسبه… في صمتٍ جميل، لا يعرفه إلا من يفهم معنى الإحساس. أي رهافة هذه؟ وأي ذوقٍ يرمّم التفاصيل دون أن يكسر الخاطر؟ هنا يتجلّى معنى ما قاله ابن بطوطة: “من دخل بلاد المغرب، دخل في ضيافة القلوب قبل البيوت” … بل وربما قبل أن يدرك أنه ضيف.

زواجٌ يُعيد البساطة إلى مكانها النبيل

في حديث “جابر”، لم يكن الزواج حدثًا مُرهقًا، بل كان فرحًا خفيفًا، يمشي بخطى هادئة نحو البركة. الإجراءات كانت يسيرة، والمراسم كانت صادقة، والمتطلبات كانت خفيفة… كأن الجميع اتفقوا على أن لا يُثقلوا ما أراده الله أن يكون مودةً ورحمة. في زمنٍ تُرهق فيه التفاصيل أصحابها، جاءت هذه التجربة لتقول: البساطة ليست نقصًا، بل كمالٌ حين تُفهم. ويحضر هنا قول محمد عابد الجابري: “كلما ابتعدنا عن البساطة، اقتربنا من التعقيد الذي لا حاجة له” وهنا، كانت البساطة هي الجمال كله.

مائدة الاعتكاف… ذاكرة تُؤكل وتُحكى

وفي ليالي الاعتكاف، أصبحت جلسات ما بعد السحور طقسًا لا يُفارقنا… مائدة مغربية تُقدَّم لا كطعام، بل كهوية. الفقاص، الرخامية، الشباكية، البريوات، كعب الغزال، السلو (الزميطة)، والأنّاي… الشاي الأخضر. لم تكن أطباقًا تُؤكل فقط، بل معاني تُتذوّق، وثقافة تُعاش، وذاكرة تُكتب في القلب. كنا نجلس… نأكل، نبتسم، نصمت، نستمع… لكن الحقيقة أننا كنا نتعلّم: أن التفاصيل الصغيرة قادرة على صناعة أثرٍ عميق، وأن الحب حين يُقدَّم، لا يحتاج إلى إعلان.

الاعتكاف… ليس عزلة، بل ولادة أخرى

الأعجب في الحكاية… أن كل خيوطها بدأت من الاعتكاف، من بيت الله الحرام في تلك الديار المقدسة، وتعرف “منيسي” على “شقيق أم مريم”، إلى مسجد فاطمة الزهراء بالدوحة، ” منيسي” تعرّف على “جابر” في اعتكاف، و“جابر” يروي الحكاية في اعتكاف، ونحن نعيش أثرها في اعتكاف. كأنّ هذه البيوت المباركة لا تعزلنا عن الناس، بل تُعرّفنا على الإنسان الحقيقي فينا وفي غيرنا. ويحضر هنا قول الحسن الثاني: “أجمل ما في العلاقات، ما بُني على الصدق واستمرّ بالوفاء” … وهنا، كان الصدق بداية، والوفاء استمرارًا، والبركة نتيجة.

الخاتمة… دعاء يليق بحكايةٍ تُشبه النور

اللهم يا جامع القلوب في بيوتك، كما جمعت “جابر” و“منيسي”، فاجمعنا بمن نحب فيك، اللهم بارك في هذه الروابط التي لم تُبنَ على مصلحة، بل على صفاء، وفي “خالتي خديجة” التي جعلت من قلبها وطنًا، وفي “أم مريم” التي كانت جسرًا بين روحين، وفي “جابر” الذي حمل الحكاية بصدق، وفي “منيسي” الذي سار خلف قدره فكان أجمل مما تخيّل. اللهم اجعل بيوتهم عامرةً بالسكينة، وأيامهم مغمورةً بالبركة، وارزقهم من حيث لا يحتسبون، كما أعطوا من حيث لا يُطلب. اللهم لا تحرمنا من تلك اللقاءات التي تُعيد ترتيب أرواحنا، ولا من تلك العلاقات التي تُثبت أن الدنيا… ما زالت بخير.

وفي الختام… ليست كل الأوطان تُرسم على الخرائط، بعضها يُبنى في القلوب… وهذه الحكاية، لم تكن مجرد قصة، بل كانت وطنًا يُسكن… ولا يُغادر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top