|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
في مثل هذه الليلة، تلاقت ذاكرتي مع عبق الماضي، ومع أصوات كانت تهمس في أركان البيت برقة وعطاء. ذكريات الصبا، حيث كانت أمي رحمها الله تمارس خياطة لا تعرف التوقف، وكانت روحها مشعّة بالحب والإيثار، تنسج بين الإبرة والخيط قصة كل بيت وكل عائلة في وسطنا البلدي، البسيط والجميل، غير الأرستقراطي، حيث الناس يعرفون قيمة الكلمة والأمانة قبل الذهب والمال.
رمضان…موسم العطاء والسهر
كان رمضان موسمًا مزدحمًا ليس فقط بالصوم والصلاة، بل بالحب والعمل الدؤوب، الذي تتحمل فيه أمي أعباء الجميع بوجه مبتسم وقلب صادق. موسم الأعراس والعيد كان اختبارًا لصبرها، ولكفاءتها، ولكيفية تعاملها مع كل زبونة كأنها صديقة منذ العمر. كانت الأمهات تأتي باحتياجات العروسات، وكنت أراقب كيف تتنقل أمي بين الأقمشة، بين التطريز والدبابيس، بين الابتسامة والصبر، وكأنها تلعب على وتر الحب والمسؤولية في آنٍ واحد.
قال الإمام الشافعي: “اعلم أن الدهر لا يستقيم إلا بالحق، ولا يتألق إلا بالصبر”. وفي كل تصرف لأمي كان الدرس حاضرًا، الصبر والمثابرة على إرضاء الناس دون انتظار جزاء إلا رضا الله.
صبر الأم وإرث الأخلاق
أتذكر كيف كان والدي يمر أحيانًا في وجود الزبائن، ويدلي بتعليقات قد يراها البعض ضغطًا نفسيًا على أمي، مثل التأخير في المواعيد، أو كثرة العمل في رمضان، لكنها لم ترد أحدًا بكلمة حادة. ببساطة تقول: “حاضر إن شاء الله، هنعيد”، وعندما يسألها: “ليه كده؟ أجلّي الموعد بعد العيد”، ترد بطمأنينة: “يا حاج أبومحمد، احنا عايشين عشان نجبر خاطر الناس، ويفرحوا، وربنا يعطينا العافية”.
هنا تكمن حكمة عميقة: أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست في ماله، بل في أثره على الآخرين، وفي القدرة على البذل بسعادة، حتى وإن كان القلب مثقلاً بالجهد.
وكانت أمي مثالًا حيًا لقول أرسطو: “الأخلاق ليست شيئًا نتعلمه، بل شيء نعيشه”، فهي لم تكتف بتعليمنا الحسن بل كانت تعيشه في كل لحظة، في كل ابتسامة، في كل كلمة ناعمة تقولها للزبائن، حتى عند لحظة الحساب… حيث تتكشف معادن الناس، كانت أمي تكشف عن معدنٍ لا يُشترى ولا يُقاس. لم تكن ترى الأرقام كما نراها، بل كانت ترى وجوهًا، وقلوبًا، وظروفًا خفية لا تُحكى.
وحين يتردد الصوت: “المبلغ كثير”، أو “خفّفي شوية”، لم تكن تدخل في جدالٍ أو مساومة، بل تبتسم ابتسامة من يعرف سرّ الرزق، وتقول بهدوءٍ يفيض طمأنينة: “ابداااا… اللي تشوفيه ويرضيك”
كأنها لا تبيع ثوبًا… بل تشتري رضا قلب، ولا تُنقص من مالها… بل تزيد في رصيدها عند الله.
البساطة والرضا…كنز لا يُقدّر
بعد مغادرة الضيفة، كان والدي يثني على أمي قائلًا: “صحتك ووقتك وجهدك”، فترد أمي بابتسامة وهدوء: “أنت تعرف أني لا أكسر خاطر أحد، وكل نفس راضية يا حاج أبومحمد، البركة في القليل والحمد لله، ورضا الله عنا”.
هنا، يكمن جمال الروح، وحقيقة الإيثار البسيط الذي لا يحتاج لإعلان أو تكريم، بل رضا خفي وعميق، يضيء القلوب. إنها دروس تتجاوز الزمان والمكان، ليظل أثرها حيًا فينا كلما تذكرنا الماضي.
خياطة الذكريات…رمضان والعيد والأعراس
كل ليلة كانت تمر، كنت أشاهد أمي وهي تكدّ، وقد تعلو وجهها ابتسامة صغيرة بين الإبرة والخيط. لم يكن عملها مجرد وظيفة، بل رسالة حياة، تزرع الحب في القلوب وتبني الثقة بين الناس. رمضان والعيد والأعراس كانت فرصتها لتُظهر معدنها الحقيقي، معدن من يعطي دون أن ينتظر، معدن يسهر الليالي لأجل سعادة الآخرين، معدن يعرف أن قيمة الإنسان فيما يبذله لا في ما يأخذه.
وصدق من قال: “الكرم الحقيقي هو أن تعطي من قلبك، دون أن تنتظر الشكر أو الاعتراف”. وهذه كانت أمي بكل تفاصيلها، بكل طاقتها، بكل حبها.
الأمومة والمجتمع…درس في الحب والمسؤولية
لم تكن أمي تخيط فقط، بل كانت تخيط روح المجتمع نفسه، بخيوط من الصبر، والأخلاق، والرضا. كل زبونة كانت تخرج من بيتنا وقد حملت معها شيئًا أكثر من ثوب، كانت تحمل أثر الرحمة، أثر الحب، أثر الكرامة.
هنا يظهر المعنى الحقيقي لحديث النبي ﷺ: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”. فشكر الناس لأمي لم يكن دائمًا لفظيًا، لكنه كان في القلوب، وفي التقدير الصامت الذي يشعر به كل من اقترب من بيتنا.
دعاء للأمهات…أحياء وموات
أدعو لكل أم تشبه أمي: اللهم احفظ أمهاتنا، وبارك فيهن، وارزقهن القوة والصبر، واغفر لميتاتنا من الأمهات ووسع قبورهن واجمعنا بهن في الفردوس الأعلى. إن أمي كانت مثالاً حيًا على أن الأم ليست فقط من تلد، بل من تُحيي القيم، من تبني النفوس، من تجعل من بيتها مدرسة للحب والمسؤولية.
خاتمة…الإرث الذي لا يموت
وها أنا ذا، بعد عقود، أسترجع تلك الليالي، وأعيشها بروح متجددة، وأدرك أن كل خيط خيطته أمي، وكل ابتسامة وهبتها، كل صبر عشته، هو إرث حي، درس لا ينتهي، وأثر باقٍ. لقد علمتنا أن المسؤولية ليست عبئًا، بل شرف، وأن الحب الحقيقي لا يُقاس بالكلام بل بالفعل، وأن رضا الله هو السعادة الحقيقية التي تجعل القلب مرتاحًا، والروح ممتدة بين الناس بالخير والإحسان.
ليالي رمضان وذكريات الصبا ليست مجرد وقت يمضي، بل كنز من القيم والمعاني، يجعلنا نعود إلى الماضي لنفهم الحاضر، ونعلم المستقبل كيف يكون عطاءً صادقًا، وروحًا رقيقة، وقيمًا لا تُنسى.
ليلة عيد الفطر المبارك
1447ه