|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
حين يتحول الذوق إلى أخلاق… وتصبح التفاصيل الصغيرة عنوانًا للنبل الكبير
ليست كل البيوت تُقاس بمساحتها، ولا بكل ما فيها من أثاثٍ فاخر أو تفاصيل براقة. فهناك بيوت، ما إن تدخلها، حتى تشعر أن الجمال فيها لم يُصنع بالمال وحده، بل صاغته الأرواح قبل الأيدي، وربّته الأخلاق قبل الذوق. وهذا تمامًا ما شعرت به مع ذلك الصديق العزيز محمد عبد الرحمن “أبي مازن”، ومع زوجه الكريمة “أم ريم.”
منذ اللحظة الأولى، لم يكن الأمر مجرد ترتيب منزل أو تجهيز مقر إقامة، بل كان مشهدًا إنسانيًا راقيًا يكشف كيف يمكن للذوق أن يتحول إلى رسالة، وكيف تستطيع التفاصيل الصغيرة أن تبرز جمال النفوس دون أن تتكلم. كنت أتأمل المكان، وأشعر أن وراء هذا الهدوء عينًا تعرف جيدًا كيف تُنصت للجمال، لا كيف تستعرضه. الألوان ليست متنافرة، والزوايا ليست مزدحمة، وكل شيء موضوعٌ وكأنه يعرف مكانه منذ خُلق. هنا فقط فهمت أن الأناقة ليست كثرة الأشياء… بل حسن اختيارها. قال حكيم: “الذوق الرفيع ليس أن تُدهش الناس بما تملك، بل أن تُشعرهم بالسكينة فيما يرونه.” ولعل هذا ما كان حاضرًا في ذلك البيت المبارك، سكينةٌ خفية لا يمكن تفسيرها بسهولة.
حين يصبح الودّ فعلًا… لا مجاملة
بعد أن استقر المقام بمقر الإقامة، طلبت منهم -مشكورين – أن يتولوا هذا الدور، ظنًا مني أن الأمر لن يتجاوز بعض الترتيبات المعتادة، أو نصائح عابرة في اختيار الاحتياجات والألوان. لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أشعر أنني أمام مدرسة كاملة في الذوق والاهتمام والإخلاص. لبّوا الطلب بمحبة صادقة، لا بروح الواجب البارد. جاؤوا بأنفسهم، يتأملون المكان بعين الخبير، لا بعين المتعجل. كان الحوار حول الألوان والتفاصيل يشبه جلسات المؤسسات الدقيقة التي اعتادت دراسة الواقع قبل اتخاذ القرار. لا ارتجال، ولا فوضى، ولا حلول مؤقتة تُرضي اللحظة فقط.
بل كان هناك شيءٌ أعمق: احترامٌ للمكان، واحترامٌ لراحة الإنسان، واحترامٌ حتى للتفاصيل التي قد لا يلاحظها كثيرون. راقبتهم يومها، وأدركت أن بعض الناس لا يقدمون لك خدمة فقط، بل يقدمون لك جزءًا من ذوقهم وأخلاقهم وتجربتهم في الحياة. وهذا أندر بكثير من الأشياء المادية نفسها. قال حكيم: “النفوس النبيلة تُعرَف من طريقتها في ترتيب ما لا يراه الناس مهمًا.” وكم كانت تلك العبارة حاضرة في المشهد كله.
الدقة التي تشبه المؤسسات العريقة
أكثر ما أثار إعجابي أن الأمر لم يكن عشوائيًا أبدًا. كان هناك ما يشبه “رفع الواقع” الحقيقي، وكأننا أمام فريقٍ محترف اعتاد دراسة الاحتياج قبل التنفيذ. ما الأولويات؟ ما الذي يناسب المكان؟ ما اللون الذي يمنح راحة لا ضجيجًا؟ ما القطع التي تعيش طويلًا دون أن تفقد أناقتها؟ ما الذي يجمع بين الجودة والهدوء والرقي؟ كل ذلك كان يُناقش بعفوية جميلة، لكن خلفها خبرة واضحة. وهنا أدركت أن الاحترافية ليست حكرًا على المؤسسات والشركات الكبرى فقط، بل قد نجدها أحيانًا في بيوتٍ راقية أدارتها قلوب تعرف معنى المسؤولية. ولعل أجمل أنواع الاحترافية تلك التي لا تُشعرك أنها تستعرض نفسها. فبعض الناس حين يساعدك، يجعلك تشعر بثقل جميله عليك. أما النفوس الراقية، فتجعلك تشعر أن ما تفعله أمر طبيعي نابع من المحبة. وهذا تحديدًا ما صنع جمال التجربة.
أبو مازن… الرجل الذي يتعب لأجل التفاصيل الصغيرة
ومرت الأيام سريعًا. وفي أقل من ستة أيام فقط، جاء اتصال العزيز أبي مازن للاطمئنان على البيت، وكأن الأمر ليس مجرد مهمة أُنجزت وانتهت، بل مسؤولية أخلاقية ما زالت حاضرة في وجدانه. دخلت المكان بعدها، فإذا بكل شيء قد اكتمل بصورة تفوق التصور: ذوق رفيع، جودة عالية، هدوء بصري، وترتيب يمنحك شعورًا بأن المكان كان ينتظر هذه الروح منذ زمن. لكن أكثر ما لمسني حقًا، تلك القطعة الصغيرة من السجاد التي احتاجت استبدالًا. قد يراها كثيرون تفصيلًا بسيطًا لا يستحق التوقف. لكن النفوس العظيمة تُختبر دائمًا في التفاصيل الصغيرة، لا في العناوين الكبيرة. لقد حملوها معهم بأنفسهم، وعاد بها أبو مازن مستوفيةً كل المتطلبات، وكأن الأمر قضية شخصية لا مجرد قطعة أثاث. هنا فقط فهمت معنى قول: “الناس العاديون يُنجزون المطلوب… أما النبلاء فيُتقنون ما لا يُطلب منهم أصلًا.” وهذا ما فعله أبو مازن تمامًا. لم يكن يؤدي مهمة، بل كان يقدّم ذوقًا، ووفاءً، وحرصًا، وصورةً نادرة من صور الإحسان التي أصبحت قليلة في هذا الزمن.
البيوت التي تُربّي الذوق قبل الأثاث
ولأن الأشياء العظيمة لا يصنعها فردٌ واحد، كان واضحًا أن خلف هذا الجمال بيتًا كاملًا يعيش على لغة الاحترام والرقي. أم ريم لم تكن تتعامل مع المكان بوصفه جدرانًا وألوانًا فقط، بل بوصفه مساحة ينبغي أن تمنح الإنسان راحةً تشبه الدعاء الصامت. وهذا النوع من الذوق لا يُدرَّس في الجامعات وحدها، بل تُربيه البيوت النظيفة من الداخل. فالإنسان قد يتعلم التصميم، لكنه لا يستطيع تعلّم الإحساس بسهولة. والفرق كبير بين من يرتّب المكان بعينه فقط، ومن يرتبه بقلبه.
كنت أتأمل المشهد كله، وأشعر أن الأبناء أيضًا يحملون جزءًا من هذا الجمال الهادئ: ريم “أم القاسم”، ورائد “أبي علي”، ورزان “أم كرم”… أسماء تمر في النص، لكنها في الحقيقة امتداد لبيتٍ يبدو أن الاحترام فيه يُورَّث كما تُورَّث الملامح. قال أحد الحكماء: “حين يكون البيت جميل الأخلاق، تصبح حتى الأشياء الصامتة داخله أكثر لطفًا.” ولعل هذا ما يفسر لماذا تشعر أحيانًا بالراحة في أماكن لا تعرف سرّها.
ليست الضيافة فيما يُقدَّم… بل كيف يُقدَّم
كثيرون يستطيعون شراء الأشياء الجميلة، لكن القليل من يستطيعون تقديمها بروحٍ جميلة. فالضيافة ليست وفرة مقتنيات فقط، بل إحساسٌ يجعل الضيف يشعر أنه بين أهله دون تكلف. وهذا ما كان حاضرًا في كل تفصيل: في السؤال، وفي المتابعة، وفي الحرص، وفي ذلك الاهتمام الذي لا يضجّ بنفسه. العجيب أن بعض المواقف الصغيرة تظل عالقة في الذاكرة أكثر من الأحداث الكبرى. وربما لأن الإنسان في النهاية لا يتذكر “ماذا أخذ”، بقدر ما يتذكر “كيف شعر”. وقد شعرت يومها أنني أمام نموذج نادر لأناسٍ فهموا أن الرقي الحقيقي ليس في المظاهر وحدها، بل في طريقة التعامل مع الناس، وفي الصدق الذي يُسكب داخل التفاصيل دون ضجيج.
الكرم الذي غادر البيت ولم يغادر القلوب
ولم يتوقف الأمر عند حدود ما قُدِّم داخل مقر الإقامة من ذوقٍ رفيعٍ وتنسيقٍ دقيق، ولا عند ذلك الحضور الإنساني الذي جعل المكان يُعاد تشكيله بروحٍ جديدة. فقد أصرّ أبو مازن وأم ريم – بعفويةٍ راقيةٍ لا تُصطنع – أن يمتد هذا الذوق أيضًا، كأنهما يقولان إن الإحسان لا ينتهي بانتهاء المهمة، بل يظل أسلوب حياةٍ يتجاوز اللحظة. فأحضرا معهما امتدادٌ جميل لذلك الكرم، في هديةٍ لم تكن طعامًا فقط، بل أثرًا من روح الكرم، بيتزا دافئة البساطة، بلح الشام بحلاوة الذكرى، ولفائف الكيك بالقرفة بعطر الودّ الأخير، وكانت تلك اللفتة رسالة صامتة أن البيوت التي تُشبه أصحابها لا تُغادرها القيم عند الباب، بل ترافق الضيف حتى الطريق، وتترك في ذاكرته ما يشبه بيوتًا تمشي معه.
الدعاء الذي يليق بأهل الوفاء
اللهم يا واسع الفضل والإحسان، بارك لأخي الغالي أبي مازن في عمره وصحته وأهله وماله، واجعل ما يقدمه للناس من ذوقٍ وكرمٍ وإحسان في ميزان حسناته، وافتح له أبواب الخير والسكينة والرضا من حيث لا يحتسب. اللهم بارك للغالية أم ريم، وزدها جمالًا في الروح قبل كل جمال، وأدم عليها نعمة الذوق الرفيع والنفس الراقية، واجعل بيتها عامرًا بالمحبة والطمأنينة والبركة. اللهم احفظ الأبناء الكرام: ريم أم القاسم، ورائد أبي علي، ورزان أم كرم، واجعلهم قرة عين لوالديهم، وافتح لهم أبواب التوفيق والخير والسعادة، وألبسهم لباس العافية والقبول بين خلقك. اللهم كما جمعتهم على الودّ والرقي والإحسان، فاجمع لهم بين خير الدنيا ونعيم الآخرة، وأدم عليهم نعمك الظاهرة والباطنة، واجعل بيوتهم دائمًا بيوت نورٍ ورحمةٍ وسكينة.