|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
زيارةٌ لم تكن عزاءً فقط… بل درسًا عالميًا في الوفاء والبر والروح الإنسانية
في الحياة لحظات لا يمكن وصفها بأنها “زيارة” فقط… لأن الكلمة تكون أصغر من المعنى. وهناك بيوت لا تدخلها بقدميك وحدهما، بل تدخلها بقلبك، وتخرج منها وأنت تشعر أن شيئًا في داخلك قد تغيّر إلى الأبد. وفي خواتيم الجمعة المباركة، السادس عشر من مايو 2026، قبل الغروب بقليل، كانت الزيارة التي ظنناها زيارة مواساة لصديق فقد زوجته قبل أسبوعين… لكنها تحولت إلى رحلة إنسانية عميقة، كأنها فصلٌ من كتابٍ سماوي عن الرحمة والوفاء وبر الوالدين.
عشرون عامًا… ولم تهزمهم المسافات
كان هناك صديق كريم زائر للبلاد، فاجتمع مع صاحب البيت بعد سنوات طويلة من الصحبة التي بدأت منذ ما يقارب عشرين عامًا، أثناء عملهما المشترك في مؤسسة إنسانية في شبه القارة الهندية. لكن الحقيقة أن ما جمعهما لم يكن “العمل” … فالعمل قد ينتهي بانتهاء المشروع، أما الأرواح إذا تعارفت على الخير… فإنها تظل تتلاقى ولو فرّقتها القارات. وقد قال أحد الحكماء: “بعض العلاقات لا يربطها الزمن… بل يربطها شيء من رحمة الله.” وهذا ما كان واضحًا في ذلك اللقاء. لم يكن لقاء زميلين قديمين… بل لقاء روحين حفظتا الود سنوات طويلة دون أن تفسده الحياة.
حديث الشعوب… حين يتحول العمل الإنساني إلى معرفة بالإنسان
جلسنا… وكان الحديث يمشي بهدوء يشبه نهرًا يعرف طريقه. حديث عن طبائع الشعوب، عن الناس، عن الخير الذي يُولد أحيانًا في أكثر الأماكن تعبًا، وعن المواقف التي لا تُكتب في التقارير الإنسانية، لكنها تبقى في الذاكرة إلى آخر العمر. كان كل واحدٍ منهما يتحدث من زاوية مهنته، لكن القاسم المشترك بينهما كان “الإنسان”. فالعمل الإنساني الحقيقي لا يجعلك تحفظ أسماء الدول فقط… بل يجعلك تحفظ وجوه الناس، ودموعهم، وصبرهم، وأحلامهم الصغيرة. وقد قال حكيم: “حين تخدم الإنسان طويلًا… تتوقف عن رؤية الجنسيات، وتبدأ برؤية الأرواح.”
المرحومة… الغائبة الحاضرة
ثم جاء الحديث عن المرحومة… تغمدها الله بواسع رحمته. وهنا تغيّر شيء في نبرة المجلس. لم تكن مجرد زوجة رحلت… بل كانت روحًا تركت أثرًا كبيرًا في البيت. تحدثوا عن أخلاقها، عن هدوئها، عن حرصها على الأبناء، وخاصة الابن الصغير الذي مرّ بظروف صحية أثرت على تأخر نطقه. لكن الأم… آه من الأم حين يصبح الحب جهادًا يوميًا. كانت متعلقة به، تؤمن أنه سيتجاوز المرحلة، تجاهد معه، وتصبر، وتعيد المحاولة كل يوم وكأنها تخوض معركة صامتة ضد اليأس. وكان في الحديث عنها شيء يشبه الاعتراف الجماعي بأن البيت فقد قلبًا كبيرًا. وقد قال أحد العارفين: “الأمهات لا يرحلن تمامًا… فبعض النساء يبقين في تفاصيل البيت حتى بعد الغياب.”
مشهد الأخوين… حين يصبح البرُّ لغة حياة
ثم تعارفنا على شقيقين للصديق… يأتيان كل يوم جمعة. في البداية ظنناها زيارة عائلية معتادة، لكن الحقيقة كانت أكبر من ذلك بكثير. يأتيان خصيصًا للعناية بوالدهما المسن، الملازم للفراش. يقومان بتحميمه، وخدمته، والجلوس معه، بكل هدوء ومحبة. يا الله… أي زمن هذا الذي ما زالت فيه هذه النماذج تمشي بين الناس دون ضجيج؟ وفي تلك اللحظة، شعرت أن العالم ما زال بخير، ما دام هناك أبناء يرون خدمة الوالد شرفًا لا عبئًا. وقد قال أحد الحكماء: “حين يكبر الوالدان… يعود الأبناء إلى طفولتهم الأولى، لكن هذه المرة ليردوا الجميل.”
المشهد الذي لا يُنسى… هل كان رجلًا أم ملكًا؟
ثم جاءت اللحظة التي ستبقى في الذاكرة ما بقي القلب ينبض. حين تهيأنا لصلاة المغرب في المسجد المجاور، ظننا أن هناك طريقًا آخر للخروج من الشقة… لكن الصديق العزيز توقف. ثم أخذنا بهدوء إلى غرفة والده المسن. وهنا… لا أعرف كيف أصف ما رأيته. هل كان رجلًا مسنًا على فراشه؟ أم كان نورًا بشريًا؟ كان الوقار يملأ المكان، والسكون يحيط به بطريقة لا تُفسَّر. لحظة شعرت فيها أن البيت تحرسه الملائكة. كان الشيخ المسن ممددًا، لكن حضوره كان أعظم من حضور كثير من الأصحاء. اقتربنا… ووقف الإنسان داخلي يجمع الدعوات من كل الجهات، وكأن القلب اكتشف فجأة أنه لم يدعُ من قبل بهذا الصدق. وكانت رائحة الطيب، ورائحة المرض الصابر، ورائحة العمر الطويل… تختلط كلها في مشهد لا يمكن نسيانه. وحتى كتابة هذه السطور، ما زالت تلك الرائحة تسكن النفس، لا كرائحة جسد… بل كرائحة بركة.
قبلة الرأس واليد… لحظة عمر كاملة
ومن أعظم لحظات تلك الليلة… أنني انحنيت بكل فخر، وقبلت رأسه ويديه. لم تكن قبلة مجاملة… بل كانت شعورًا داخليًا بأنني أمام مقام يستحق الاحترام. وكان في تلك اللحظة شيء يشبه التطهر من قسوة الحياة. وقد قال أحد الحكماء: “بعض الأيادي لا تُقبّل لأنها كبيرة في السن… بل لأنها حملت الحياة بصبر طويل.”
الأب الذي أُحضر ليعيش مع ابنه
ومن الجمال الذي لا يُنسى… أن الصديق العزيز استأجر منزله الحالي خصيصًا ليحضر والده من بلده، ليعيش معه ويرعاه. يا الله… كم من الناس يوسّعون بيوتهم للأثاث، وقليل من يوسّعونها لوالدٍ مُسن. كان ذلك المشهد وحده كافيًا ليُكتب بماء الذهب.
الأخ الأكبر… بروفيسور يحمل دفء العائلة
ثم جاء التعارف عبر الهاتف على الشقيق الأكبر، البروفيسور في إحدى الجامعات الماليزية. ورغم مكانته العلمية، كان الحديث معه مليئًا بالتواضع والحميمية، وكأن العلم الحقيقي قد جعله أكثر قربًا من الناس لا أبعد. وهنا فهمت سر هذه العائلة… إنها عائلة بُنيت على الاحترام قبل النجاح، وعلى البر قبل الإنجاز.
حين تتجاوز الأرواح حدود الجنسيات
الأجمل في تلك الليلة… أن الجميع كانوا من جنسيات مختلفة. لكن لم يشعر أحد بالغربة. لأن الأرواح حين تلتقي على الخير، تسقط الجنسيات تلقائيًا. وقد قال حكيم: ” الإنسانية الحقيقية تبدأ حين تنسى أن تسأل الآخر: من أي بلد أنت؟”
دعاء يشبه تلك اللحظة المباركة
اللهم ارحم المرحومة رحمةً واسعة، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجزها عن أبنائها وزوجها خير الجزاء، فقد جاهدت وأحبت وصبرت. اللهم اجعل ما زرعته في قلوب أبنائها نورًا لا ينطفئ، وأثرًا لا يزول. اللهم اشفِ الوالد المسن، وأطل عمره على طاعتك، وألبسه ثوب العافية والسكينة، واجعل بر أبنائه به نورًا لهم في الدنيا والآخرة. اللهم بارك في هؤلاء الأبناء الذين فهموا أن أعظم الإنجازات ليست المناصب… بل أن يبقى الوالد مكرمًا حتى آخر العمر. اللهم اجعل هذا البيت بيت رحمة، وسكينة، ورضا، ومحبة لا تنقطع.
ختام… لماذا لم تكن زيارة عادية؟
لأننا لم نزُر بيتًا فقط… بل زرنا معنى. زرنا أمًّا رحلت وبقي أثرها، وأبًا مريضًا لكنه علّمنا الصبر دون كلام، وأبناءً كتبوا البر بأفعالهم لا بشعاراتهم، وأصدقاء حافظوا على الود عشرين عامًا دون أن تُفسده المسافات. وفي تلك الليلة… أدركت أن العالم لا يزال قابلًا للنجاة، ما دام فيه بشرٌ إذا دخلت بيوتهم… شعرت أن الملائكة سبقتك إليها.