في مثل هذا اليوم … حين كانت الأمانة تُحصى على ضوء الفجر “كانوا يسهرون ليلًا… كي ينام المحتاج مطمئنًا صباح العيد”

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

في مثل هذا اليوم… لم تكن الأضاحي مجرد مشروع موسمي، ولا كانت الأرقام مجرد إيرادات تُحصى، بل كانت حكاية عمرٍ كامل كُتب بالحبر، والعرق والسهر والدعاء. منذ عام 1994 وحتى 2018… كانت ذي القعدة تعلن في القلب قبل الأوراق أن الموسم اقترب. يبدأ كل شيء بإعلان الحملة… لكن الحقيقة أن الحملة لم تكن إعلانًا، بل استنفار أرواح. تتحرك الهواتف، وتُفتح الملفات، وتبدأ المكاتبات مع المكاتب الخارجية التابعة للمؤسسة، وتدخل الأرواح كلها في حالة استعداد تشبه استعداد الجيوش… لكنها هنا جيوش رحمة.

ومع دخول العشر الأول من ذي الحجة… يتغير إيقاع الحياة بالكامل. الليل لم يعد ليلًا، والنهار لم يعد نهارًا، والوقت كله يتحول إلى ساعة ضخمة اسمها: ” هل تحقق المستهدف؟” كانت المتابعة على مدار الساعة… بل إن الساعة نفسها كانت تبدو خجولة أمام حجم العمل. اتصالات لا تنتهي، مطابقات دقيقة، مراجعات مستمرة، حصر الإيرادات أولًا بأول، وتواصل دائم مع المكاتب الخارجية، لأن خلف كل رقم أسرة تنتظر، وخلف كل تحويل فرحة عيد ربما لا تتكرر.

والعجيب… أن كل هذا كان يتم يدويًا. لا برامج ذكية، لا أنظمة تحليل لحظية، لا شاشات إلكترونية عملاقة. فقط: أوراق، أقلام، آلات حاسبة، وعقول تخاف من الخطأ كما يخاف المؤمن من التفريط في الأمانة. كانت الدقة يومها عقيدة لا إجراء. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها.” وكان هذا المعنى حاضرًا في كل رقم يُراجع، وفي كل كشف يُطابق، وفي كل اتصال يُعاد للتأكد.

أتذكر ليلة عرفة… يا الله… ليلة لا تشبه أي ليلة في العالم. المكاتب لا تنام، والهواتف لا تهدأ، والقلوب بين رجاء القبول وخوف التقصير. يأتي الحصر من الفروع المنتشرة بالكويت… فرعًا فرعًا. يُراجع الرقم، ثم يُعاد،
ثم يُطابق مع المتوقع. وفي كل مرة يقترب فيها الرقم من المستهدف، نشعر وكأننا نسمع تكبيرات العيد قبل أن تُرفع في المساجد.

وكان هناك مشهد لا يغادر الذاكرة… الأبناء. طارق… وإيمان… ومحمود… كانوا يأتون ليلًا، لا لأن أحدًا طلب منهم، بل لأن البيوت الأصيلة تُربّي أبناءها على أن الرسالة تُورث كما تُورث الملامح. يجلسون وسط الأوراق والجداول، يتابعون الإيرادات، ويشاركون في الحصر. وأحيانًا يمتد الليل طويلًا… طويلًا جدًا… حتى تتثاقل العيون من السهر، لكن أحدًا لم يكن يشكو. لأن التعب حين يكون في خدمة الناس… يتحول إلى نوعٍ من الطمأنينة. ثم يعود الأبناء إلى البيت قبيل الفجر… بينما يستمر العمل.

ويأتي أذان الفجر… ذلك الأذان الذي كان يبدو يومها مختلفًا، كأنه يقول لكل الساهرين: “لقد رآكم الله.” فنذهب للاستعداد لصلاة العيد… لكن حتى بعد الصلاة، لا ينتهي شيء. تبدأ متابعة التنفيذ عبر القنوات المختلفة أولًا بأول، ويظل القلب مع المنافذ التسويقية والمكاتب الخارجية حتى آخر يوم من أيام التشريق.

كان الموسم كله أشبه بسفينة ضخمة تسير وسط أمواج عالية، لكن خلفها فريق كامل لا يعرف سوى الجاهزية. وجوه مرهقة… لكن مطمئنة. أجساد أنهكها السهر… لكن الأرواح فيها كانت مضيئة. قال الرافعي:
“ليست البطولة أن تحمل السيف… بل أن تحمل الأمانة ولا تسقطها.” وهذا ما كان. بطولة صامتة… لا تصنعها الكاميرات، ولا تعرفها المنصات، ولا تُكتب في نشرات الأخبار. لكن الله وحده يعلم كم دمعة فرح دخلت بيوتًا كثيرة بسبب تلك الليالي. وكم طفلًا لبس العيد سعيدًا، وكم أمًا دعت في الخفاء لمن لم ترهم يومًا، وكم فقيرًا شعر أن الأمة ما زالت بخير.

وفي وسط كل هذا… كانت هناك لحظة مهيبة دائمًا. حين يقترب الفجر في ليلة العيد… تسكن الأصوات قليلًا،
وتخف حركة الاتصالات، وينظر الجميع إلى بعضهم بصمتٍ متعب. ذلك الصمت لم يكن إرهاقًا فقط… بل كان شعورًا خفيًا بأن الله أكرمهم أن يكونوا جزءًا من فرحة المسلمين. فبعض الأعمال لا تُرى في الأرض، لكنها تضيء السماء.” وهذه السنوات كلها… من 1994 حتى 2018… لم تكن مجرد مواسم أضاحٍ، بل كانت مدرسة كاملة في: الإخلاص، والعمل المؤسسي، والأمانة، والصبر، والسهر الجميل. كانت زمنًا تُدار فيه المشاريع الكبرى بالقلوب قبل الأجهزة. واليوم… كلما مرت رائحة العيد، أو سُمعت تكبيرات ذي الحجة، أو امتلأت الشوارع بالمستعدين للأضاحي… تعود تلك الليالي دفعة واحدة. تعود الأوراق، والجداول، وأكواب الشاي المتأخرة، وأصوات الهواتف، ووجوه الأبناء وهم يشاركون في الحصر، وذلك الشعور العظيم… أن الإنسان قد يتعب جدًا، لكن بعض الأتعاب تتحول مع الزمن إلى وسام لا يصدأ. وفي مثل هذا اليوم… لم تكن المؤسسة تدير حملة أضاحٍ فقط… بل كانت تدير معنى الرحمة وهي تمشي على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top