
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
“بصوت أمي الذي لا يغيب عن سمعي… يا رب ما لناش غيرك… كانت كلماتها ليل نهار.”
هكذا جاءتني الرسالة بعد أن كتبت دعاءً قصيرًا لا يتجاوز كلمات معدودات. أغلقت هاتفي بعدها، لكن الرسالة لم تغلق أبوابها في قلبي. بقيت معلقة في روحي ساعات طويلة. لم تكن رسالة عن الدعاء. ولم تكن تعليقًا على الكلمات. كانت نافذة فُتحت فجأة على عمرٍ كامل. فجأة لم أعد أرى شاشة هاتف. رأيت أمها. ثم رأيت أمي. ثم رأيت أمهات العالم كلهن وهن يرفعن أكفهن إلى السماء في صمتٍ لا يسمعه إلا الله.
هناك أشياء لا ترحل حين يرحل أصحابها. الأم واحدة منها. وصوتها واحد منها. بل ربما يكون صوتها آخر ما يغادر الإنسان من طفولته. تمر السنوات. يتغير البيت. تتغير المدن. يتغير الأصدقاء. وتتغير الملامح التي كانت تملأ أيامنا. لكن شيئًا ما يبقى مختبئًا في أعماق القلب. صوت أم. ينادينا كما كان يفعل منذ عشرات السنين. أحيانًا أتساءل: كيف تستطيع الذاكرة أن تنسى مئات الوجوه وتحتفظ بنبرة صوت واحدة؟ كيف تمضي أعمار كاملة ويبقى صوت الأم حاضرًا كما أنه خرج من الغرفة المجاورة قبل لحظات؟ ربما لأن الأمهات لا يتحدثن بألسنتهن فقط. إنهن يتحدثن بقلوبهن. والقلوب لا تموت بسهولة.
أتذكر طفولتي كلما سمعت تلك العبارة. لم تكن أمي تملك خطابات طويلة. ولم تكن تحفظ كثيرًا من الكلام المنمق. لكنها كانت تعرف الطريق الأقصر إلى السماء. كلما ضاقت الأمور قالت: “يا رب ما لناش غيرك.” كلما مرض أحد قالت: “يا رب ما لناش غيرك.” كلما تأخر رزق أو تعسر أمر أو خافت على أحد أبنائها قالت: “يا رب ما لناش غيرك.” وكأنها كانت تختصر الدنيا كلها في هذه الكلمات. كانت تعرف ما لا نعرفه. وتفهم ما لا نفهمه. كانت تدرك بفطرتها أن البشر مهما كبروا يظلون ضعفاء. وأن الأبواب مهما كثرت لا تُفتح إلا بإذنه. وأن القلوب مهما اجتمعت لا تملك نفعًا ولا ضرًا إلا بما كتب. لهذا كانت تتجه إليه دائمًا. لا إلى الأسباب أولًا. ولا إلى الناس أولًا. بل إلى رب الناس.
وحين كبرنا، ظننا أننا تعلمنا من المدارس والجامعات والحياة. لكن الأيام أثبتت أن تلك المرأة البسيطة كانت تعرف من حقائق الوجود ما لم نتعلمه في آلاف الصفحات. فكلما أغلقت الحياة بابًا في وجهي، كنت أسمعها. وكلما تعقدت الطرق، كنت أسمعها. وكلما شعرت أن الحمل أثقل من قدرتي، كنت أسمعها. “يا رب مالناش غيرك.” كأنها لم تكن جملة. بل مفتاح نجاة.
ولعل أعظم ما تتركه الأمهات ليس المال. وليس البيوت. وليس الأراضي. بل تلك العبارات الصغيرة التي تسكن القلب حتى آخر العمر. كم من إنسان ورث ثروة فضاعت. وكم من إنسان ورث يقينًا فأنقذه الله به في أحلك اللحظات. أذكر أن أحد الحكماء قال: “ما غرسه الآباء في النفوس أبقى مما غرسوه في الحقول.” وأقول: وما غرسته الأمهات في الأرواح أبقى من ذلك كله. لأن الأم لا تزرع كلمات. بل تزرع طريقة كاملة في النظر إلى الحياة.
كانت أمي حين ترى خوفًا تعلمنا الطمأنينة. وحين ترى ضيقًا تعلمنا الرجاء. وحين ترى عجزًا تعلمنا الدعاء. ولم أكن أفهم حينها أن هذه الدروس ستصبح زادي حين أكبر. كنت أظنها كلمات عابرة. لكن الأيام كشفت أنها كانت تبني في داخلي حصنًا لا أراه. حتى إذا جاءت العواصف وجدته قائمًا. وحين رحلت… اكتشفت أمرًا غريبًا. رحلت هي. وبقيت كلماتها. غاب وجهها عن عيني. لكن صوتها لم يغب عن قلبي. كأن الله أراد للأمهات أن يبقين في حياة أبنائهن بطريقة أخرى. فإذا انطفأت الأنوار من حولهم، عاد صوت الأم مصباحًا. وإذا اشتدت عليهم الوحدة، عاد صوت الأم رفيقًا. وإذا ضاقت بهم الدنيا، عاد صوت الأم بابًا من أبواب السماء. لهذا أبكي أحيانًا حين أقرأ كلمات بسيطة يكتبها الناس عن أمهاتهم. ليس لأن الكلمات مؤثرة فقط. بل لأن كل واحد منا يقرأ أمه بين السطور. كل واحد منا يملك جملة لا ينساها. عبارة كانت أمه تكررها. دعاء كانت تهمس به. وصية كانت تقولها. نبرة صوت كانت توقظه بها. ضحكة كانت تملأ البيت. وكلما مرت السنوات اكتشف أن تلك الأشياء الصغيرة لم تكن صغيرة أبدًا. كانت كنوزًا لا تُقدّر بثمن.
كم هو غريب هذا القلب. يمر بجانب آلاف الأصوات فلا يتوقف. ثم يتعثر بصوت أمه بعد عشرات السنين فيبكي. ليس بكاء حزن فقط. بل بكاء حنين. وما أقسى الحنين حين يكون إلى شخص لا يمكن أن يعود. ومع ذلك فإن للأمهات سرًا عجيبًا. فهن لا يعدن بأجسادهن. لكنهن يعدن بأثرهن. في الدعاء. وفي الذكريات. وفي الأخلاق. وفي المواقف. وفي الكلمات التي تركنها أمانة في قلوب أبنائهن.
وحين قرأت تلك الرسالة: “بصوت أمي الذي لا يغيب عن سمعي… يا رب ما لناش غيرك…” فهمت شيئًا جديدًا. فهمت أن الأمهات الصادقات لا يرحلن حقًا. إنهن يتحولن إلى نور يسير معنا. وإلى يقين يسندنا. وإلى أصوات خفية توقظ فينا الإيمان كلما أوشكت الدنيا أن تسرقه منا. ولهذا فإن بعض الدعوات لا تخرج من أفواهنا وحدنا. بل تخرج من أعماق تاريخ طويل من الحب. حين نقول: “يا رب ما لناش غيرك.” فربما نكون نردد دعاء أمٍ قالتها قبل أربعين سنة. أو خمسين سنة. أو أكثر. وربما تكون السماء قد حفظت ذلك الصوت كله. وحفظت معه دموعًا لم يرها أحد. وخوفًا لم يشعر به أحد. وسهرًا لم يعرفه أحد. إلا الله.
لهذا حين تضيق بك الحياة يومًا… وتشعر أن الطرق كلها قد أغلقت… والأسباب كلها قد ضعفت… والناس جميعًا ابتعدوا… فأنصت قليلًا. ستسمع صوتًا قديمًا يأتي من أقصى القلب. صوتًا تعرفه جيدًا. صوت امرأة أحبتك قبل أن ترى النور. وخافت عليك قبل أن تعرف الخوف. ودعت لك قبل أن تعرف الدعاء. ستسمعها تقول كما كانت تقول دائمًا: “يا رب ما لناش غيرك.” وعندها ستدرك أن بعض الأمهات يرحلن بأجسادهن. لكن أصواتهن تبقى تسند أبناءهن ما بقي من العمر.