اليوم الأول في موزمبيق… حين استقبلتنا المائدة قبل أن نستقبل المكان

محمد تهامي

محمد تهامي

رواية من مابوتو: من جغرافيا الأرض إلى جغرافيا القلوب

هناك مدنٌ تصل إليها بالطائرة… وهناك مدنٌ تصل إليها قبل ذلك بكثير، تصل إليها عبر قلوب أهلها.

وفي مساء الاثنين 27 يوليو 2026، كان الموعد الأول مع موزمبيق… ذلك الاسم الذي يبدو بعيدًا في الخرائط، لكنه قريب في المعاني، أرضٌ تختزن تاريخًا طويلًا، وتنوعًا حضاريًا، وشعبًا حمل على مر السنين قصص التعايش، والصبر، وبناء الإنسان. كان الوصول إلى مابوتو بداية فصل جديد من رحلةٍ لا تبحث عن الأماكن فقط، بل تبحث عن الإنسان خلف المكان.

ما إن وصلنا إلى الفندق، برفقة العزيز م محمد خفاجي ” أبو علي”. ولم تكن كلماته الأولى عن برنامج أو موعد…بل عن مائدة. قال بابتسامة: ” ضعوا الحقائب، الغداء ينتظركم في المنزل.” توقفت لحظة. فقد شعرت بما يشعر به الضيف الذي يعرف أن خلف هذه الدعوة جهدًا وتعبًا من أسرة كريمة. قلت له بمحبة: يا أبا علي لماذا هذا التعب؟ الأمور بسيطة، ولا نريد أن نثقل على الأسرة الكريمة.” فجاء الرد الذي لا يصدر إلا من قلب اعتاد العطاء: ” الأمور بسيطة للغاية… حقكم علينا.” يا لها من كلمات! كلمات قليلة في عدد حروفها… لكنها كبيرة في معناها. فبعض الناس يقدمون الطعام، وبعض الناس يقدمون شعورك بأنك صاحب حق. وقد قال أحد الحكماء: “أجمل الكرم أن تجعل ضيفك ينسى أنه ضيف.”

انطلقت السيارة… لكن الطريق لم يكن طريقًا إلى المنزل فقط. كان طريقًا إلى معرفة بلد. بدأ الحديث عن موزمبيق… عن الاسم والنشأة والتاريخ. عن بلدٍ يقف على ساحل المحيط الهندي، يحمل ذاكرةً إفريقية عريقة، وتنوعًا ثقافيًا صنعته الحضارات المتعاقبة. كان الحديث ينتقل بين التاريخ والحاضر، وبين الإنسان والمكان. وتوقفنا عند الحديث عن أثر العلماء وأهل التربية، ومنهم فضيلة الشيخ أمين الدين محمد، رئيس المجلس الإسلامي والتعليم، ودوره في خدمة المجتمع والتعليم وبناء الوعي، فليس أعظم من أثر إنسان يزرع المعرفة في أجيالٍ لا يعرف أسماءها كلها، لكنه يعرف أن الخير الذي يزرعه سيكبر يومًا بعد يوم. وقد قيل: ” العالم الذي يعلّم إنسانًا واحدًا لا يضيء عقلًا فقط… بل يشعل مصباحًا قد يصل نوره إلى أجيال.”

وصلنا البيت… وهنا بدأت الحكاية الحقيقية. فالأبواب قد تُفتح بالمفاتيح… لكن القلوب لا تُفتح إلا بالترحاب. كان الاستقبال يحمل دفء البيوت الأصيلة. تعارفنا على الأبناء: عبد الرحمن وعباد. وجاءت العصائر الطبيعية في بداية اللقاء، وكأنها رسالة تقول: ” قبل أن نطعمكم، نريد أن نرحب بكم.” ثم كان وقت الصلاة… فصلينا المغرب والعشاء. وكان للمكان معنى آخر، فحين تجتمع الصلاة مع المودة، تصبح اللحظة أكثر من لقاء. وحضر الابن عمار، وعلمنا أن العزيز علي مرتبط بالعمل في مدينة أخرى، لكن حضوره كان حاضرًا في الحديث والمحبة.

ثم جاءت اللحظة التي لا تُنسى… المائدة. لكنها لم تكن مجرد طعام. كانت لوحةً تجمع بين أكثر من ثقافة. كانت مائدة تقول إن البيوت الكريمة لا تعرف الحدود، فهنا اجتمعت روح مصر، ونكهة اليمن، ودفء موزمبيق. في المنتصف… كانت صينية المندي. أرزها الملون يعلن عن الحكاية اليمنية الأصيلة، وفوقها الدجاج بلونه المميز بين الأحمر والعنابي، لونٌ يحمل أثر البهارات والنار والمهارة.ثم جاءت أطباق السحوق، لتؤكد الهوية اليمنية وتكمل المشهد.

ثم طاجن اللحم بالبصل… كباب الحلة. ذلك الطبق الذي لا يحتاج إلى تعريف، لأن رائحته وحدها تروي قصة البيوت المصرية القديمة، حيث يتحول البصل واللحم إلى ذاكرة. ثم جاءت صينية المسقعة… ببساطتها التي تحمل عمق المذاق. ثم الخبز البلدي المصنوع في البيت. وهنا يتوقف الإنسان أمام معنى عظيم: فالخبز الذي تصنعه اليد لا يشبه الخبز الذي يُشترى فقط… لأن بعض الأشياء تحمل في داخلها أثر صاحبها. وقد قال حكيم: “اليد التي تصنع الطعام بمحبة، تضيف إلى المائدة شيئًا لا يُرى لكنه يُحس.”

ثم جاءت المائدة الثانية… وكأنها فصل الختام الجميل. براد الشاي المصري العتيق. ذلك الشاي الذي لا يقدم مشروبًا فقط، بل يقدم جلسة، وذكريات، وأحاديث. ثم ظهرت صينية البسبوسة. وكأنها كانت آخر سطر في قصيدة طويلة. حلوة في مذاقها… لكن أحلى في معناها.

ومع الشاي بدأ الحديث الذي لا يقل جمالًا عن الطعام. حديث عن أصحاب الفضل… عن الجد الرباني… عن المعلم الذي يترك أثرًا لا يموت… عن الأستاذ الذي يفتح نافذة المعرفة… عن الوالد الذي يبني أبناءه قبل أن يبني لهم المستقبل. -رضي الله عنه وأرضاه- وهنا أدركت أن أجمل الموائد ليست تلك التي تحمل أصنافًا كثيرة… بل تلك التي تحمل قصصًا كثيرة. فالطعام ينتهي… أما الذكر الطيب فيبقى.

وفي نهاية اليوم الأول في موزمبيق… لم أعد أرى المكان كما رأيته عند الوصول. لم تعد مابوتو مجرد مدينة. أصبحت بيتًا يحمل وجوهًا. وأصبحت موزمبيق قصة إنسان. فما بين طريق المطار، والفندق، وحديث التاريخ، وصلاة الجماعة، وابتسامة الأبناء، وهندسة المائدة، وكلمات “حقكم علينا”… ، والسيرة العطرة للجد…كان هناك سر لا يُكتب بسهولة: أن الله يضع البركة أحيانًا في لقاءٍ قصير، فيصبح أطول من سنوات.

اللهم بارك للعزيز محمد، واجزه خير الجزاء على حسن الاستقبال وصدق المحبة وجميل الوفادة. اللهم بارك للفاضلة الكريمة أم علي، واجعل ما صنعته يداها من طعامٍ ومحبةٍ واهتمام في ميزان حسناتها، وبارك لها في صحتها وعمرها وأهلها. اللهم احفظ أبناءهم عبدالرحمن وعباد وعمار وعلي، واجعلهم قرة عين لوالديهم، ووفقهم للخير، واجعلهم من أهل العلم والعمل والخلق.

اللهم اجعل هذا البيت بيتًا قائمًا على التقوى، عامرًا بالمودة، تحفه الرحمة، وتسكنه السكينة. اللهم بارك في موزمبيق وأهلها، وانشر فيها الخير والعلم والسلام، ووفق كل من يعمل لخدمة الإنسان وبناء المجتمعات.

وهكذا انتهى اليوم الأول… لكن الحقيقة أنه لم ينتهِ. فبعض الأيام لا تُغلق أبوابها عند النوم… بل تبدأ من جديد كلما تذكرناها. لأن أجمل الرحلات ليست التي نعود منها بصور الأماكن… بل التي نعود منها بصور القلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top