
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
إلى والدة كريمة… وأخت عزيزة لم تصل إلى موزمبيق بجسدها… لكن قلبها سبق الجميع
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
زرنا قرية عباد الرحمن النموذجية في موزمبيق…
وحين وصلنا، لم نشعر أننا أمام مشروعٍ قيد التنفيذ، بل أمام دعاءٍ كبير بدأ يأخذ شكله على الأرض.
كانت المباني ترتفع بهدوء…
وكانت الأيدي تعمل بإتقان…
وكانت القرية، رغم أنها لم تكتمل بعد، تُشعر من يدخلها أن الحياة تستعد لتبدأ من جديد.
وفي كل زاوية، كان اسمكِ حاضرًا…
لا مكتوبًا على جدار، بل ظاهرًا في المعنى.
في خمسين بيتًا تنتظر أن تُفتح أبوابها على وجوهٍ أنهكها الانتظار…
وفي مدرسةٍ ستستقبل أطفالًا لم يكونوا يعلمون أن الحلم يمكن أن يصبح قريبًا من بيوتهم…
وفي مركزٍ صحي سيخفف ألمًا، ويمنح المرضى طمأنينةً وأملًا…
وفي بئرٍ ستتحول كل قطرةٍ منها إلى حياة…
وفي مركز خياطة ستجد فيه نساءٌ فرصةً لأن يصنعن بأيديهن ما يصنع مستقبل أسرهن…
وفي مسجدٍ سيجمع القلوب على الإيمان، ويمنح القرية روحًا لا تُرى، لكنها تحفظ تماسكها.
يا أم خالد الكريمة
ربما لم تسمعي بعد أصوات الأطفال وهم يركضون بين بيوت القرية…
وربما لم تري أمًّا تقف أمام بيتها الجديد، ثم ترفع عينيها إلى السماء لأنها أخيرًا وجدت مكانًا آمنًا لأبنائها…
وربما لم تلمسي يد امرأةٍ ستتعلم حرفةً في مركز الخياطة، ثم تعود إلى بيتها وهي تحمل معها قدرةً جديدة على الإنتاج والاعتماد على النفس…
لكن هذه اللحظات قادمة…
وكلها بدأت من قلبكِ.
لقد رأينا القرية وهي ما زالت تُبنى…
لكننا رأينا ما هو أبعد من البناء.
رأينا أطفالًا سيجلسون في فصول المدرسة.
ورأينا أمهاتٍ سيودعن أبناءهن صباحًا وقلوبهن أكثر اطمئنانًا.
ورأينا أسرًا ستدخل بيوتها لأول مرة، فتغلق أبوابها على الأمان، وتفتح نوافذها على مستقبلٍ جديد.
ورأينا قريةً ستتعلم أن الحياة لا تُمنح دفعةً واحدة…
بل تبدأ أحيانًا من بيت.
ثم تكبر بمدرسة.
وتطمئن بمركز صحي.
وتستقيم بروح المسجد.
وتقوى بمهارةٍ وفرصة عمل.
يا أم الكرم ” أم خالد…”
أجمل ما في عطائكِ أنكِ لم تمنحي الناس شيئًا يستهلكونه ثم ينتهي…
بل أسهمتِ في بناء مكانٍ يستطيع أن يصنع الحياة كل يوم.
لم تمنحي أسرةً جدارًا…
بل منحتِها شعورًا بأنها تستحق أن تعيش بكرامة.
ولم تبني مدرسةً…
بل وضعتِ أول حجر في مستقبل أطفالٍ قد يصبح أحدهم يومًا طبيبًا، أو معلمًا، أو مهندسًا، أو قائدًا يخدم وطنه.
ولم تحفري بئرًا…
بل اختصرتِ على أمٍّ سنواتٍ من التعب، وأعدتِ إليها وقتًا تمنحه لأطفالها.
ولم تدعمي مركز خياطة…
بل وضعتِ في يد المرأة مفتاحًا جديدًا للاستقلال والثقة.
ولم تُنشئي مسجدًا…
بل هيأتِ مكانًا تجتمع فيه القلوب، وتُرفع فيه الدعوات، وتبقى فيه الرحمة حيّةً بين الناس.
وأثناء الزيارة، وصلت إلى القرية سيارة تحمل أعمدة الكهرباء…
فشعرنا أن القرية لا تستقبل الكهرباء وحدها…بل تستقبل مرحلةً جديدة.
كأن الأرض كانت تقول:
“لقد اقترب موعد الحياة.”
ومع أن المشروع ما زال قيد التنفيذ، ومن المقرر اكتماله في نهاية مارس عام 2027، بحد أقصى إلا أن الأمل بدا وكأنه سبق الموعد.
فبعض المشاريع لا تنتظر الافتتاح كي تبدأ رسالتها… يكفي أن يراها الناس، فيعرفوا أن الغد لن يشبه الأمس.
يا أم خالد…
قد لا تعرفين أسماء الأسر التي ستسكن هذه البيوت.
وقد لا تعرفين أسماء الأطفال الذين سيتعلمون في هذه المدرسة.
وقد لا تسمعين دعوات المرضى الذين سيجدون الرعاية في المركز الصحي.
وقد لا ترين النساء وهن يصنعن بأيديهن بدايةً جديدة في مركز الخياطة.
لكن الله يعرفهم جميعًا…ويعرفكِ.
يعلم كم من قلبٍ سيفرح بسبب هذا العطاء.
وكم من دمعةٍ ستتحول إلى طمأنينة.
وكم من دعوةٍ ستخرج في آخر الليل، دون أن تعرف صاحبتها اسمكِ، لكنها تعرف أن يدًا كريمة جعلت الحياة أقرب إليها.
وربما لا يعرف سكان القرية أنكِ عندما اخترتِ أن تعطي، لم تبني مشروعًا فقط… بل تركتِ لهم رسالة تقول: “هناك من رآكم… وفكر فيكم… وتمنى لكم حياةً أجمل.”
وهذه الرسالة، يا أم خالد، قد تكون أعظم من كل المباني. فالمباني تحفظ الإنسان من حر الشمس والمطر… أما الرحمة، فتحفظ قلبه من الشعور بأنه وحيد.
اللهم يا واسع الفضل، يا من لا يضيع عنده معروف…بارك لأم خالد في عمرها وصحتها وأهلها ومالها، واجعل عطاءها نورًا يسكن أيامها، وبركةً تملأ بيتها، وسكينةً تغمر قلبها.
اللهم اجعل كل بيتٍ يُفتح في قرية عباد الرحمن بابًا من أبواب الخير لها… وكل طفلٍ يتعلم في مدرستها علمًا نافعًا يُكتب في ميزانها…
وكل مريضٍ يجد فيها علاجًا وعافيةً أجرًا جاريًا لها… وكل قطرة ماءٍ تصل إلى عطشان رحمةً تفيض في صحائف أعمالها…
وكل امرأةٍ تتعلم مهارةً وتعين بها أسرتها بركةً تمتد إليها… وكل سجدةٍ تُرفع في مسجد القرية نورًا يسبقها يوم تلقاك.
اللهم كما جعلتِ بفضل عطائها أرضًا تستعد للحياة، فاجعل حياتها عامرةً بالرضا، وقلبها ممتلئًا بالسكينة، وخاتمتها أجمل مما تتمنى.
اللهم اجعل هذا المشروع صدقةً جارية لا ينقطع أثرها، وخيرًا يبقى بعد الأعمار، وذكرًا حسنًا في الأرض، وقبولًا واسعًا في السماء.
يا أم خالد…زرنا القرية… ورأينا البناء.
لكننا شعرنا بقلبكِ.
ورأينا الجدران ترتفع…
لكننا رأينا الرحمة ترتفع معها.
ورأينا مشروعًا قيد التنفيذ…
لكننا رأينا مستقبلًا بدأ يكتب أول صفحاته.قرية عباد الرحمن لم تُبنَ من الإسمنت وحده…لقد بُنيت من نيةٍ صادقة، وقلبٍ كريم، وعطاءٍ اختار أن يتحول إلى حياة.
وستأتي الأيام التي تُفتح فيها أبواب البيوت…ويمتلئ فناء المدرسة بأصوات الأطفال… وتضيء الكهرباء طرقات القرية… وتُرفع الأذان من المسجد… وتبدأ النساء رحلة الإنتاج…
وحينها سيعرف الجميع أن الخير الذي بدأ من قلب أم خالد… لم يصل إلى قريةٍ فقط… بل بدأ يكتب مستقبل منطقةٍ كاملة.