الشيخ أمين الدين محمد… طفلٌ ركب البحر طلبًا للعلم… فعاد يحمل همَّ وطنٍ كامل

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

من مجلسٍ متواضع في مدينة ما تولا، إلى رحلةٍ عبر التاريخ والعلم والإنسان

بعض الرجال لا تُروى سيرتهم من تاريخ ميلادهم، بل من اللحظة التي اختاروا فيها أن يحملوا رسالةً أكبر من أعمارهم.

في الرحلات، قد نلتقي بأشخاص يضيفون إلى اليوم ذكرى جميلة… وقد نلتقي بأشخاص يفتحون لنا بابًا لفهم بلدٍ كامل. أما لقاؤنا بالشيخ أمين الدين محمد، رئيس المجلس الإسلامي في موزمبيق، فلم يكن مجرد زيارةٍ لشخصيةٍ علمية أو لقاءٍ رسمي مع أحد رموز المجتمع، بل كان عبورًا بين محطات متباعدة من الزمن، بدأت بطفلٍ لم يتجاوز الثانية عشرة، ركب البحر طلبًا للعلم، وانتهت بعالمٍ يحمل في قلبه همَّ التعليم، ومستقبل المسلمين، وتحديات التنمية في وطنٍ ما زال يداوي آثار قرونٍ طويلة من الاستعمار. كان حديثه هادئًا… لكن خلف هدوئه تاريخ. وكان مجلسه بسيطًا… لكن خلف بساطته رحلةٌ امتدت بين القارات.

موعدٌ انتظرناه وعالمٌ كان منشغلًا بكلمات القرآن

بدأ التواصل مع الشيخ عبر الهاتف يومي الاثنين والثلاثاء، لترتيب موعد اللقاء، حتى تم الاتفاق على أن تكون الزيارة يوم الأربعاء الموافق 29 يوليو 2026، في تمام الساعة الثالثة والنصف عصرًا. وصلنا في الموعد، وحاولنا التواصل معه هاتفيًا عند وصولنا، إلا أن هاتفه كان على الوضع الصامت. لم يكن التأخر انشغالًا بأمرٍ عابر… فقد كان الشيخ منشغلًا بتنقيح إصداره الثالث في معاني القرآن الكريم، ذلك العمل الذي يتصدر قائمة مؤلفاته، ضمن رحلةٍ علمية أثمرت حتى اليوم ما يقارب عشرين كتابًا مطبوعًا، تنوعت بين التأليف، والبحث، وخدمة العلوم الإسلامية. كانت لحظةً تحمل دلالةً جميلة، أن يبدأ اللقاء بعالمٍ منشغلٍ بمراجعة كتابٍ في معاني كلام الله، ثم يفتح بعد ذلك باب بيته وحديثه لزواره.

وبعد قليل، التقينا به. استقبلنا استقبالًا دافئًا، وأخذنا إلى غرفة الضيافة. كان في تواضعه هدوء العلماء، وفي ملامحه وقارٌ يذكّر بالآباء، وفي حديثه خشوعُ إنسانٍ عاش طويلًا مع العلم والقرآن، دون أن يفقد بساطة القلوب الكريمة. جلسنا… وبدأ الحوار. وبعد وقتٍ يسير، حضرت الضيافة: ماءٌ ومشروبات… وفاكهةٌ من اليوسفي والبرتقال والتفاح… والكاجو والفول السوداني. كانت ضيافةً بسيطة في مظهرها، لكنها غنيةٌ بما حملته من كرمٍ ومودة. فبعض البيوت تستقبلك بما فيها… وبعضها يستقبلك بما في قلوب أهلها. وكان بيت الشيخ من النوع الثاني. فتواضع العالم لا يقلل من هيبته… بل يجعل العلم أقرب إلى القلوب، وكلما اتسعت مكتبة الإنسان، اتسع مجلسه للناس.

من قريةٍ على حدود جنوب أفريقيا بدأت الحكاية

وُلد الشيخ أمين الدين محمد في عام 1951، في قرية ريسـانو غارسيا، الواقعة في جنوب موزمبيق، بالقرب من الحدود مع جنوب أفريقيا. كانت موزمبيق آنذاك تحت الاستعمار البرتغالي. بلادٌ تعيش ظروفًا سياسية واجتماعية معقدة، ومجتمعاتٌ تحاول أن تحافظ على هويتها ودينها ولغتها في ظل واقعٍ طويل من السيطرة الأجنبية. نشأ الشيخ في بيئةٍ مسلمة، لكنه كان يرى مبكرًا أن العلم هو الطريق الذي يستطيع أن يحفظ للإنسان هويته، ويمنحه القدرة على خدمة مجتمعه. ولم يكن يعلم أن هذا الطريق سيبدأ بسفرٍ مبكر… وأن البحر سيكون أول صفحةٍ في رحلته.

عام 1964 طفلٌ في الثانية عشرة يركب البحر

في عام 1964، وكان في الثانية عشرة من عمره، نشأ في كنف والدته بعد أن انتقل والده، رحمه الله، إلى الرفيق الأعلى، ثم شدّ رحاله إلى باكستان طلبًا للعلم، طفلًا يغادر حضن أمه، ويحمل في قلبه شوقًا إليها، وفي روحه نورًا يقوده إلى مستقبلٍ لم تتضح ملامحه بعد. لم يسافر بالطائرة. بل ركب البحر لمدة شهر. كان طفلًا يغادر وطنه، ويعبر مسافاتٍ شاسعة، متجهًا إلى بلدٍ لا يعرفه، حاملًا معه أمل أسرته، ورغبةً صادقة في التعلم. كانت إجراءات السفر في تلك الفترة معقدة. فموزمبيق كانت لا تزال تحت الاستعمار البرتغالي، وحامل الجواز البرتغالي كان يواجه صعوبات في دخول بعض البلدان. لكن الظروف القانونية آنذاك كانت تسمح بسفر الطفل، فتم ترتيب الرحلة. وتولى خاله مهمة تنظيم السفر، ووجد شخصًا يرافقه ويرعاه خلال الطريق.

وكانت رحلة طفل… لكنها في حقيقتها كانت بداية مشروع عمر. لم يكن يحمل حقيبةً إلى بلدٍ بعيد فقط… بل كان يحمل مستقبلًا لم يكن قد عرف بعد كم إنسانًا سيصل إليه. في ذلك العمر، كان كثير من الأطفال يبدأون اكتشاف العالم من حولهم… أما هو، فقد بدأ يعبر العالم طلبًا للعلم، وخلال الرحلة، طلب منه مرافقه أن يسلّمه المال الذي يحمله، على أن يعيده إليه عند الوصول، فاستجاب الطفل بثقةٍ وبساطة، وسلّمه المال فورًا، دون أن يدرك أن أولى دروس الغربة قد بدأت قبل أن يصل إلى وجهته.

باكستان اثنتا عشرة سنة في مدرسة القرآن

وصل الشيخ إلى باكستان، والتحق بجامعة العلوم الإسلامية، ودرس في قسم تحفيظ القرآن الكريم، ثم في كلية القرآن. كانت رحلة طويلة من التعلم والانضباط. بدأ بتعلم اللغة العربية في باكستان. وحفظ المتون. وتدرج في دراسة العلوم الشرعية والقرآنية. كانت العربية في البداية لغةً جديدة…ثم أصبحت لغة العلم.وكان القرآن مادةً للدراسة…ثم أصبح رفيقًا للعمر.لم تكن سنوات باكستان سنوات دراسةٍ أكاديمية فحسب. كانت سنوات تربية. وصبر. وغربة. وتشكيلٍ للشخصية. وفي تلك البيئة العلمية، تأثر بشيوخه، ومن بينهم أحد العلماء الذين ارتبطوا بالعمل العلمي والدعوي في مواجهة الأفكار المنحرفة، والدفاع عن عقيدة أهل السنة، ولا سيما في مواجهة دعاوى القاديانية. كان العلم هناك يُقدَّم بوصفه مسؤولية، لا معلومات. وكانت المعرفة مرتبطةً بالعمل، لا بالحفظ وحده. فبعض الجامعات تمنح الإنسان شهادة… وبعض الرحلات تصنع منه رسالة

بعد الوصول… أين الأمانة؟

بعد أن وصل إلى باكستان، توجه إلى الفندق الذي أخبره مرافقه أنه سيقيم فيه، قاصدًا استرداد المال الذي سلّمه إليه أثناء الرحلة. لكنه بحث عنه فلم يجده، وانتظر دون جدوى، ليكتشف وهو في الثانية عشرة من عمره أن المرافق قد اختفى، وأنه وجد نفسه في بلدٍ بعيد، بلا مالٍ ولا قريب، يواجه أول اختبارٍ حقيقي في رحلة العلم.

عاد إلى موزمبيق ثم حملته الرحلة من جديد

بعد سنواتٍ من الدراسة، عاد الشيخ إلى موزمبيق لفترة. لكن الوطن الذي عاد إليه كان يعيش تحولاتٍ كبيرة. كانت البلاد تقترب من مرحلة الاستقلال، وكانت التحديات السياسية والاجتماعية تفرض واقعًا جديدًا. وبعد نحو ست سنوات، عاد إلى مسار السفر والعلم. وفي عام 1975، وهو عام استقلال موزمبيق، انتقل إلى المملكة العربية السعودية، والتحق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. كان قد انتقل من باكستان… لكنه لم يغادر طريق العلم.

المدينة المنورةحين اكتملت الرحلة القرآنية

في المدينة المنورة، واصل الشيخ دراسته، وأكمل مسيرته العلمية في علوم القرآن حتى عام 1980 كانت المدينة بالنسبة إليه أكثر من محطةٍ جامعية. كانت بيئةً يعيش فيها طالب العلم بين العلم والعبادة، وبين الدراسة وذاكرة المكان. وفي حديثه عن تلك السنوات، بدا أن أثر المدينة لم يكن علميًا فقط. فالمدن العظيمة لا تمنح زائريها ما يتعلمونه داخل القاعات وحدها… بل تترك في أرواحهم شيئًا يبقى معهم أينما ذهبوا. هناك أماكن نتعلم فيها العلم… وهناك أماكن تعلمنا كيف نحمل العلم بأمانة.

البرازيل أو تايوان؟ لكنه اختار موزمبيق

بعد انتهاء المرحلة الدراسية، عُرضت على الشيخ فرص للسفر والعمل في بلدان أخرى، من بينها البرازيل وتايوان. كانت خيارات واسعة. وقد تعني بدايةً جديدة في مجتمع مختلف. لكنه كان يحمل وطنه في قلبه. اختار موزمبيق. اختار العودة إلى بلدٍ كانت ظروفه صعبة، وكان المجتمع المسلم فيه يواجه تحديات كبيرة في التعليم والهوية والتنمية. لم يكن الاختيار سهلًا. فالعودة إلى الوطن في تلك الظروف لم تكن طريقًا إلى الراحة… بل طريقًا إلى المسؤولية. وكانت تلك لحظةً تكشف عن معنى عميق: ليس كل من يستطيع أن يغادر يختار الرحيل… فبعض الناس يعودون لأن أوطانهم تحتاج إليهم أكثر مما يحتاجون إلى الراحة.

خمس سنوات في البرتغال ثم عودة إلى الوطن

وفي مرحلةٍ لاحقة، وبتوجيهٍ من الشيخ عبد العزيز بن باز، انتقل الشيخ إلى البرتغال، وأقام فيها نحو خمس سنوات، أسهم خلالها في العمل الإسلامي وخدمة المجتمع. وقد طلب من والدته أن تصحبه، لكنها آثرت البقاء في وطنها، فكانت الأم حاضرةً في حكاية الغربة، وكان الوطن حاضرًا في تفاصيلها. وخلال إقامته، افتتح الشيخ أمين الدين المسجد المركزي في ليتشوه، وتولى الإمامة فيه، فكان أول إمامٍ للمسجد، ليبدأ من محرابه مرحلةً جديدة من خدمة المسلمين، وتعليم الناس، وجمع القلوب حول القرآن والإيمان. لم يكن المسجد بالنسبة إليه بناءً تُفتح أبوابه فحسب، بل رسالةً تُفتح بها القلوب؛ فكان يؤم المصلين، ويخدم المجتمع، ويجعل من المسجد موطنًا للعبادة، والعلم، والتواصل، والطمأنينة.

وبعد انتهاء مهمته، عاد إلى موزمبيق… عاد وفي ذهنه العلم الذي تعلمه، والتجارب التي عاشها، وأصوات الناس الذين التقاهم في رحلة الغربة. لكنه عاد يحمل سؤالًا لم يفارقه: كيف يمكن أن يتحول العلم إلى خدمةٍ حقيقية للمجتمع؟ فكانت عودته بداية فصلٍ جديد، إذ لم يعد طالبَ علمٍ يبحث عن المعرفة، بل أصبح حاملَ رسالةٍ يبحث عن موضعٍ يضع فيه ما تعلم، ليكون علمه نورًا للناس، وخبرته طريقًا لخدمة وطنه.

الشيخ أبو بكر وبداية العمل من مسجد حمزة

كان الشيخ أبو بكر، مؤسس المجلس الإسلامي، زوجًا لأخته، ورفيقًا في مسيرة العمل المجتمعي. وبعد العودة إلى موزمبيق، بدأت مرحلة جديدة من العمل. كانت البداية مع مسجد حمزة. لكن المسجد لم يكن في البداية مسجدًا كما نراه اليوم. كان المكان بيتًا مهجورًا، ارتبط في ذاكرة المنطقة بمرحلة الاستعمار البرتغالي، وقيل إن المواطنين – أهل البلاد – كانوا يستخدمونه للمبيت خلال تلك الفترة. وكان شقيق الشيخ يعمل في الحكومة، وكان البيت مهجورًا. ومع مرور الوقت، بدأت مجموعة من المسلمين في إحياء المكان، وإقامة الشعائر فيه.

كان أحد الأصدقاء القادمين من كينيا يبيت في المكان. وبدأت الفكرة تكبر. ثم اجتمع الإخوة، وكانوا خمسة رجال، وأربعة نساء بمشاركة الأسرة، وتعاونوا على شراء البيت وتحويله إلى مسجد. لم يكن المال هو أهم ما جمعهم… بل كانت الفكرة. أن يتحول بيتٌ مهجور إلى مكانٍ يجمع الناس. وأن تتحول ذاكرةٌ مثقلة بتاريخ الاستعمار إلى مساحةٍ للعبادة والعلم والتواصل. وسُمِّي المسجد باسم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عم رسول الله ﷺ وأحد كبار الصحابة. فأجمل التحولات أن يأخذ المكان معنىً جديدًا… فيصبح ما كان مهجورًا بيتًا للروح، وما كان شاهدًا على الخوف شاهدًا على الإيمان.

من حمزة الأول إلى حمزة الثاني

لم تتوقف القصة عند المسجد الأول. فمع اتساع العمل وزيادة الحاجة، أسهم شقيقه عبد الخالق في توسعة المسجد ودعم مسيرته. ثم تم شراء المنزل المجاور، وتوسعت المساحة، وانتقل النشاط إلى مرحلة جديدة عُرفت باسم حمزة الثاني. كانت رحلة بناءٍ متدرجة. بيت. ثم مسجد. ثم توسعة. ثم مركزٌ أكبر لخدمة المجتمع. وهكذا تنمو المبادرات الحقيقية: لا تبدأ دائمًا بخطةٍ ضخمة… بل بفكرةٍ صادقة، ومجموعةٍ تؤمن بها، وإرادةٍ لا تتوقف عند حدود الإمكانات المتاحة.

خمسمائة عام وجذورُ واقعٍ لم ينتهِ بعد

عندما انتقل الحوار إلى تاريخ المسلمين في موزمبيق، بدا صوت الشيخ أكثر عمقًا. تحدث عن قرون الاستعمار البرتغالي، وعن الآثار التي تركتها تلك المرحلة في المجتمع. وأشار إلى أن الوجود الإسلامي في موزمبيق سبق وصول البرتغاليين، وأن المسلمين كانوا جزءًا أصيلًا من تاريخ البلاد ومجتمعاتها. لكن مرحلة الاستعمار الطويلة تركت آثارًا كبيرة في الهوية والتعليم والواقع الاجتماعي. وتحدث عن محاولات إضعاف الوجود الإسلامي ونشر النصرانية، وعن التفاوت الكبير بين مناطق البلاد، ولا سيما المناطق الشمالية التي تعاني مستويات أعلى من الفقر والتخلف وضعف الخدمات.

وأشار إلى أن كثيرًا من المسلمين حملوا أسماءً غير إسلامية بسبب ظروف التسجيل المدني والإجراءات التي مرت بها البلاد خلال فترات تاريخية مختلفة. كانت هذه التفاصيل تفسر كثيرًا من المشاهد التي نراها اليوم. فالفقر لا يبدأ في يوم. والتراجع التعليمي لا ينشأ من سببٍ واحد. والتفاوت بين المناطق ليس رقمًا في تقرير. إنها نتائج تتراكم عبر التاريخ. فالواقع الذي نراه اليوم قد تكون جذوره مدفونةً في قرونٍ مضت.

بعد الاستقلال بقيت تحديات كثيرة

استقلت موزمبيق عام 1975. لكن الاستقلال السياسي لا يعني أن آثار الماضي تختفي في يوم واحد. تحدث الشيخ عن مرحلة النظام الاشتراكي، وعن الظروف التي مر بها المجتمع، وعن استمرار التحديات المتعلقة بالفقر والجهل وضعف الفرص. وأشار إلى أن المسلمين يمثلون نسبة كبيرة من سكان البلاد، إلا أن كثيرًا منهم يعانون تحديات في التعليم والدخل والوصول إلى الخدمات. وكان حديثه يحمل ألمًا ممزوجًا بالأمل. فهو لا ينظر إلى الواقع بوصفه قدرًا لا يتغير… بل بوصفه مسؤولية تحتاج إلى عمل طويل.

التعليم السؤال الذي يعود في كل حديث

حين وصل الحوار إلى التعليم، بدا أن القضية ليست مجرد اهتمامٍ مهني، بل همٌّ متجذر. تحدث الشيخ عن الحاجة إلى تطوير التعليم العصري، وعن أهمية بناء المدارس والمؤسسات التعليمية التي تجمع بين جودة التعليم، والقيم، والمهارات اللازمة لسوق العمل. وأشار إلى أن أعداد خريجي المرحلة الثانوية كبيرة، لكن فرص الالتحاق بالجامعات محدودة. فقد يتخرج نحو خمسة وثلاثين ألف طالب وطالبة من المرحلة الثانوية، بينما لا يجد إلا قرابة خمسة آلاف فرصةً للالتحاق بالتعليم الجامعي. وبين الرقمين فجوةٌ كبيرة. فماذا يفعل عشرات الآلاف؟ أين يذهبون؟ وكيف تتحول طاقاتهم إلى فرص؟ كان الجواب واضحًا: الحاجة ليست إلى الجامعات وحدها. بل إلى التعليم المهني. والمدارس الفنية. وبرامج التأهيل. ومسارات تفتح للشباب أبواب العمل والإنتاج. فحين لا يجد الشباب طريقًا إلى الجامعة، لا ينبغي أن يجدوا طريقًا إلى الفراغ؛ فالمهارة جامعةٌ أخرى، والعمل شهادةٌ تصنع المستقبل.

المدارس الخاصةبين الحاجة والفرصة

تحدث الشيخ كذلك عن أهمية المدارس الخاصة، وعن الحاجة إلى توسع مدروس في التعليم الأهلي، بما يوفر فرصًا تعليمية إضافية، ويخفف الضغط على المؤسسات الحكومية. وكانت الحاجة إلى أراضٍ مناسبة ومساحات واسعة من الموضوعات الحاضرة في الحوار، لأن التعليم لا يبدأ من بناء المدرسة وحده، بل من رؤيةٍ متكاملة للموقع، والمرافق، والتشغيل، والاستدامة. وكانت فكرة المدارس المهنية حاضرة بقوة. فليس كل طالب يحتاج إلى المسار الأكاديمي نفسه. وقد تكون المهنة طريقًا أسرع إلى الاستقلال الاقتصادي. وقد تكون المهارة بابًا لفرصةٍ لم يجدها التعليم التقليدي.

الصحة حين يصبح العلاج جزءًا من التنمية

لم يغب قطاع الصحة عن الحوار. فالمجتمع الذي يريد أن يتعلم ويعمل وينتج يحتاج إلى منظومة صحية قادرة على الوصول إلى الناس. والصحة ليست قطاعًا منفصلًا عن التعليم. فالطالب يحتاج إلى العافية ليواصل تعليمه. والعامل يحتاج إلى الصحة ليحافظ على إنتاجه. والأسرة تحتاج إلى الرعاية لتبقى مستقرة. ومن هنا، كان الحديث عن الصحة جزءًا من رؤية أوسع للتنمية الإنسانية. فلا يمكن أن نبني مستقبلًا بعقولٍ تتعلم، إذا تركنا الأجساد تواجه المرض وحدها.

الاستثمار حين تصبح الأرض فرصةً لا موردًا معطلًا

انتقل الحديث إلى الاقتصاد والاستثمار. تحدث الشيخ عن الأراضي الزراعية، وعن فرص الإنتاج، وعن التحديات التي تواجه المستثمرين والمزارعين. وذكر مثالًا لأحد المستثمرين الأتراك الذي يعمل في الزراعة على مساحة تقارب سبعين هكتارًا، لكنه يواجه صعوبات في تسويق الإنتاج والوصول إلى الأسواق. فالأرض قد تكون خصبة… لكن الإنتاج لا يكتمل دون سوق. وقد تكون المحاصيل وفيرة… لكن العائد لا يتحقق دون منظومةٍ تساعد على النقل والتخزين والتسويق. وكانت محاصيل مثل الكاجو والفول السوداني حاضرة في الحديث بوصفها من الفرص الاقتصادية المهمة التي يمكن تطوير سلاسل القيمة حولها. فالزراعة لا تنتهي عند الحصاد… فالمحصول الذي لا يجد طريقه إلى السوق يبقى فرصةً لم تكتمل.

الغازثروةٌ تحت الأرض وأسئلةٌ فوقها

تحدث الشيخ عن الثروات الطبيعية التي تمتلكها موزمبيق، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي. فالأرض تحمل موارد كبيرة. لكن السؤال ليس: ماذا نملك؟ بل: كيف تتحول الثروة إلى تعليم؟ وكيف تصبح فرصةً للصحة؟ وكيف تنعكس على حياة الناس؟ فالثروة الطبيعية لا تصنع التنمية وحدها. إنها تحتاج إلى إدارة. وحوكمة. واستثمارٍ عادل. ورؤيةٍ تجعل الإنسان أول المستفيدين. فليست قيمة الثروة فيما تخبئه الأرض… بل فيما تضيفه إلى حياة الإنسان فوقها.

المسلمون بين الحضور والحاجة

كان الشيخ يتحدث عن المسلمين في موزمبيق بروح المسؤولية. فهم حاضرون في المجتمع. وتوجد شخصيات مسلمة في مواقع مختلفة. وتتحسن أوضاعهم تدريجيًا في بعض المجالات. لكن الاحتياجات ما زالت كبيرة. المدارس تحتاج إلى دعم. والمنح الدراسية مطلوبة. والخدمات الصحية تحتاج إلى توسع. والأسر تواجه تحديات مستمرة. وكانت عبارة “الرغيف” حاضرة في الحديث، بوصفها رمزًا للحاجة اليومية التي لا تنتظر الخطط طويلة المدى. فالتنمية تحتاج إلى رؤية بعيدة… لكن الإنسان يحتاج أيضًا إلى ما يسنده اليوم. فلا يكفي أن نرسم للإنسان مستقبلًا جميلًا… إذا تركناه يواجه حاجته اليومية وحده.

مجلسٌ بدأ بسيرة وانتهى بخريطة مسؤولية

امتد الحوار. تنقلنا بين الطفولة والسفر. وبين باكستان والمدينة المنورة والبرازيل. وبين الاستعمار والاستقلال. وبين المساجد، والتعليم، والصحة، والاستثمار. كانت قصة الشيخ أمين الدين، في كثير من تفاصيلها، صورةً مكثفة لتاريخ مجتمع. طفلٌ يسافر في الثانية عشرة. طالبٌ يقضي سنواتٍ طويلة في طلب العلم. عالمٌ يعود إلى وطنه رغم صعوبة الظروف. داعيةٌ يشارك في تحويل بيتٍ مهجور إلى مسجد. وقائدٌ مجتمعي يحمل همَّ التعليم والصحة والتنمية. وفي نهاية اللقاء، شعرت أنني لم أستمع إلى سيرة رجلٍ فقط… بل استمعت إلى وطنٍ يتحدث بلسان أحد أبنائه.

ما كتبته في مذكرتي

غادرنا مجلس الشيخ… لكن كلماته بقيت معنا. وفي مذكرتي كتبت: “ركب البحر طفلًا يبحث عن العلم، فعاد رجلًا يحمل في قلبه بحرًا من المسؤولية” ثم أضفت: “لم تكن رحلته من موزمبيق إلى باكستان، ثم إلى المدينة والبرازيل، انتقالًا بين البلدان… بل كانت رحلةً لجمع العلم والخبرة، ثم إعادتهما إلى المكان الذي بدأ منه”. وتوقفت عند معنى آخر: ” بعض الناس يسافرون ليصنعوا مستقبلهم، وبعضهم يعودون ليصنعوا مستقبل الآخرين”.

الخاتمة…حين يصبح العلم طريقًا للوفاء

كانت زيارة الشيخ أمين الدين محمد واحدة من المحطات التي لا تُقاس بطول الوقت. ففي مجلسه، اجتمعت ذاكرة الطفولة، وتجربة الغربة، وعمق العلم، وهموم الوطن. رأينا في حديثه أن طلب العلم قد يبدأ بطفلٍ يركب البحر… لكنه قد ينتهي بمؤسسات، ومدارس، ومساجد، وأجيالٍ تستفيد مما حمله ذلك الطفل معه. ورأينا أن العالم الحقيقي لا يقف عند ما تعلمه… بل يسأل: كيف أنفع الناس بما تعلمت؟ لقد بدأ الشيخ رحلته في الثانية عشرة… لكن رحلته لم تنتهِ. فما زال يكتب في معاني القرآن. وما زال يتحدث عن التعليم. ويبحث في فرص الاستثمار. ويحمل همَّ الصحة. ويرى في الشباب مستقبلًا يحتاج إلى فرصة. وحين غادرنا منزله، لم يكن في ذاكرتنا مجلسٌ وضيافةٌ وحديثٌ فقط… بل صورة إنسانٍ اختار أن يجعل من العلم عهدًا، ومن العودة وفاءً، ومن خدمة المجتمع رسالة. الشيخ أمين الدين محمد… طفلٌ ركب البحر طلبًا للعلم… فعاد يحمل في قلبه وطنًا، وفي يديه رسالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top