مجمع الوفاء… حين يقطع الخير خمسةً وسبعين كيلومترًا ليصل إلى القلوب

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في اليوم الثامن من رحلتنا إلى موزمبيق… واليوم الثالث في نامبولا

كان ضحى يوم الاثنين، الثالث من أغسطس عام 2026، يقترب بهدوء، وكانت شمس نامبولا ترتفع في السماء رويدًا، تنشر ضوءها على الطرق الممتدة بين القرى، بينما كنا نمضي في يومنا الثامن من رحلتنا إلى موزمبيق، واليوم الثالث من إقامتنا في مدينة نامبولا. لم يكن ذلك اليوم يومًا عاديًا في سجل الرحلة. فبعض الأيام تمر بنا فنحتفظ بتفاصيلها، وبعض الأيام تمر بنا فتحتفظ هي بشيءٍ منا. وهذا اليوم كان من الأيام التي لا يكتفي الإنسان فيها بأن يرى، بل يشعر… ولا يكتفي بأن يزور، بل يصغي إلى ما تقوله الوجوه، ويقرأ في العيون قصةً أكبر من الكلمات.

كانت وجهتنا قرية نماتيلي، حيث يقع مجمع الوفا، ذلك المشروع المبارك الذي امتد خيره في أرض بعيدة، لكنه وصل إلى أهلها قريبًا من قلوبهم، حاضرًا في صلاتهم، وتعليمهم، واجتماعهم، وأيامهم. وكانت المسافة بين مدينة نامبولا والقرية تقارب خمسةً وسبعين كيلومترًا. خمسة وسبعون كيلومترًا على الخريطة… لكنها في ميزان العطاء ليست مسافة. إنها طريقٌ سلكه الخير حتى وصل. وطريقٌ عبرته النية الصادقة حتى استقرت آثارها في قلوب الناس. وطريقٌ يذكّرنا بأن المال حين يخرج من يد صاحبه مخلصًا لله، لا يسأل عن بعد المكان، ولا عن اختلاف اللغة، ولا عن لون الأرض؛ لأنه يعرف طريقه إلى الإنسان.

وقد قال جبران خليل جبران: “إنك لا تعطي إلا القليل حين تعطي من مقتنياتك، ولكنك تعطي حقًّا حين تعطي من نفسك.” ولعل أجمل ما في العطاء أنه لا يُقاس بما خرج من اليد وحدها، بل بما دخل إلى حياة الناس. فقد تكون النفقة مالًا في بدايتها، لكنها تصبح مسجدًا حين تصل إلى الأرض، وتتحول إلى آية تُتلى، وطفلٍ يتعلم، وامرأةٍ تحفظ، وإمامٍ يجد مكانًا يعينه على أداء رسالته.

وصلنا متأخرين… لكن القلوب كانت قد وصلت قبلنا

تأخر وصولنا إلى القرية. كانت الدراسة قد بدأت منذ الساعة السابعة صباحًا، وكانت الحياة قد أخذت مكانها في أروقة المجمع، غير أننا عندما اقتربنا وجدنا أهل القرية في انتظارنا. لم يكن في استقبالنا تكلف. لم تكن هناك مظاهر مصطنعة. كان هناك شيء أبسط وأجمل وأصدق: وجوه تبتسم. نساء اجتمعن بفرح. أطفال ينظرون بفضول بريء. رجال وقفوا مرحبين. وقلوب تشعر أن من جاء ليزور المكان لم يأتِ غريبًا. كان الاستقبال يحمل تلك البشاشة التي لا تُصنع، وتلك الروح الطيبة التي لا تحتاج إلى كلمات كثيرة لتُفهم.

وفي بعض القرى، قد تشعر أن البيوت تستقبلك قبل أهلها. وفي نماتيلي، شعرنا أن الأرواح سبقت الأيدي إلى المصافحة. كانت الابتسامة لغةً مشتركة، رغم اختلاف الألسن. وكان الترحيب رسالةً لم تحتج إلى ترجمة. وقد قال مايا أنجيلو: “قد ينسى الناس ما قلته، وقد ينسون ما فعلته، لكنهم لن ينسوا أبدًا كيف جعلتهم يشعرون.”  وهذا ما بقي في النفس من ذلك الاستقبال. لم نتذكر فقط أننا وصلنا إلى مجمع. بل شعرنا أننا دخلنا بيتًا كبيرًا، يفتح أبوابه لأهله، ويجمعهم على المحبة، ويمنحهم مساحةً للصلاة والعلم والسكينة.

مجمع الوفا… حين يصبح الاسم رسالة

كان اسم المشروع وحده كافيًا ليوقظ في القلب معنى جميلًا: مجمع الوفا. والوفاء ليس كلمة تُكتب على لوحة. الوفاء أن يبقى الخير حاضرًا بعد أن يغيب صاحبه. الوفاء أن تتحول النية إلى أثر. الوفاء أن يخرج العطاء من مكانه، ويقطع البحار، ويصل إلى قرية بعيدة، ثم يبقى فيها يومًا بعد يوم، يخدم الناس، ويجمع القلوب، ويفتح أبواب العلم. وفي كل زاوية من زوايا هذا المجمع المبارك، كان هناك معنى من معاني الوفاء. مسجد يجمع القلوب على الصلاة. وغرف للدراسة تفتح أبواب القرآن والعلم. وبيت للإمام يعينه على أداء رسالته. ومرافق تخدم المصلين والدارسين. لم تكن هذه المكونات مباني متجاورة فحسب. كانت حلقات متصلة في منظومة واحدة. فالمسجد يربط الناس بالله. والتعليم يفتح عقولهم. وبيت الإمام يعين صاحب الرسالة على الاستقرار والعطاء. والمرافق تحفظ للمكان انتظامه وكرامته.

وهكذا يصبح المشروع أكثر من بناء. يصبح حياة. إن بعض المشروعات تُرى بالعين، لكن بعضها يُدرك بالقلب. ومجمع الوفا من تلك الأماكن التي لا يكفي أن تمر بين مرافقها، بل تحتاج أن تقف قليلًا لتفهم ما وراء الجدران. فكل حجر هنا يحمل نية. وكل باب يحمل فرصة. وكل غرفة قد تكون بداية قصة جديدة.

المسجد… حين تجتمع القلوب قبل الأجساد

دخلنا المسجد. وكان للمكان سكينة لا تُوصف. تلك السكينة التي لا تأتي من جمال البناء وحده، بل من كثرة الساجدين، ومن أصوات القرآن، ومن القلوب التي وجدت في هذا المكان مأمنًا لها. فالمسجد في القرى ليس مكانًا للصلاة فقط. إنه بيت للناس. مكان يجتمعون فيه. ويتعارفون. ويتدارسون. ويستمدون منه قوتهم الروحية. وقد كان من أجمل ما رأيناه أن المجمع لم يكتفِ بتوفير مكان للصلاة، بل احتضن برامج تعليمية وثقافية، جعلت من المسجد مركزًا حيًّا يخدم المجتمع. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للمسجد حين يكون منارةً للعبادة، ومنبعًا للعلم، ومركزًا للوعي، ومكانًا يجمع الأجيال. وقد قال الإمام الشافعي: من تعلّم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلّم في الفقه نما قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته.” وفي هذا المجمع، كان القرآن حاضرًا لا في المصاحف وحدها، بل في حركة الناس، وفي حرصهم على التعلم، وفي اجتماعهم حول حلقات العلم.

نساء وأطفال… يحملون شوقًا إلى المعرفة

وقفنا مرة أخرى أمام ذلك الإقبال اللافت. نساء. وأطفال. ورجال. وجوه جاءت لا لتملأ وقتًا، بل لتتعلم. كان في حضورهم رغبة صادقة في المعرفة، وحرص واضح على تعلم القرآن الكريم، وفهم المعلومات الشرعية، والارتباط بالعلم الذي ينير الطريق. لم يكن المشهد درسًا عاديًا. كان إعلانًا صامتًا أن الإنسان، مهما كانت ظروفه، يبقى محتاجًا إلى المعرفة. وأن القلب إذا أحب العلم، لم تمنعه المسافات. وأن من يجد بابًا مفتوحًا للتعلم، قد يغير به حياته وحياة من حوله. كانت النساء يجلسن في حلقات العلم بجدية واهتمام. وكان الأطفال ينصتون ببراءة، وكأن كل كلمة جديدة تفتح أمامهم نافذة.

وكان الرجال حاضرين في المشهد، يؤكدون أن العلم ليس شأنًا فرديًا، بل هو مسؤولية مجتمع كامل. وفي تلك اللحظة، أدركنا أن أعظم ما يمكن أن تقدمه المشروعات الإنسانية ليس الخدمة وحدها، بل إعادة الأمل إلى الإنسان بأنه قادر على أن يتعلم وينمو ويصنع مستقبلًا أفضل. وصدق من قال: “التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم.” لكننا رأينا في نماتيلي أن التعليم ليس سلاحًا فقط. إنه نور. وهو طريق. وهو وعدٌ بأن الغد يمكن أن يكون أجمل.

بيت الإمام… حين يجد صاحب الرسالة من يعينه على رسالته

ومن مرافق المجمع، كان بيت الإمام. وقد يبدو بيت الإمام تفصيلًا صغيرًا لمن ينظر إلى المشروع من بعيد، لكنه في الحقيقة جزء أساسي من استدامة الرسالة. فالإمام الذي يحمل مسؤولية الصلاة، والتعليم، والتوجيه، وجمع الناس، يحتاج إلى الاستقرار. وحين يجد بيتًا يأويه، يصبح أكثر قدرة على أداء رسالته، وأكثر قربًا من المجتمع الذي يخدمه. إن العناية بحامل الرسالة هي عناية بالرسالة نفسها. ولهذا، لم يكن بيت الإمام مبنى إضافيًا، بل كان ركنًا من أركان منظومة الوفاء. إن الخير الذي يبني مسجدًا ثم يهتم بمن يقوم على رسالته، هو خير ينظر إلى المستقبل. فالمبنى يحتاج إلى من يحييه. والمسجد يحتاج إلى من يعمره. والعلم يحتاج إلى من يحمله.

حين غنّت الدارسات… صار الفرح لغةً لا تحتاج إلى ترجمة

لكن رحلة اليوم لم تنتهِ عند جولة في مرافق مجمع الوفا. كانت هناك لحظة أخرى انتظرتنا. لحظة خرج فيها أثر المشروع من الجدران، وأخذ صوتًا. أقيم حفل طيب شاركت فيه الدارسات. وقفن وقدمن أناشيد جميلة تسر النفوس، وتلاوات عطرة من القرآن الكريم، وفقرات متنوعة حملت في مضمونها وعيًا، وأظهرت ما يصنعه التعليم حين يجد مكانًا يحتضنه، ومشروعًا يؤمن باستمراره. كانت الأصوات تخرج من القلوب. وكان الفرح يملأ المكان. ولم تكن الأناشيد مجرد فقرات احتفالية. كانت رسالة. رسالة تقول إن المشروع حي. وأن ما يُزرع في هذه الغرف بدأ يؤتي ثماره. وأن التعليم لا يُقاس بعدد المقاعد، بل بما يظهر في شخصية المتعلم، وثقته، ووعيه، وقدرته على التعبير.

أما تلاوات القرآن، فكانت لحظة سكينة. كأن الكلمات تصعد من القرية إلى السماء، ثم تعود طمأنينةً على المكان. وفي تلك اللحظة، لم نعد نشعر أننا في زيارة رسمية. كنا جزءًا من مشهد إنساني دافئ. نستمع. ونبتسم. ونتأمل. ونحمد الله أن الخير حين يجد أرضًا طيبة، لا يبقى أثره محصورًا في لحظة الإنفاق، بل ينمو ويتجدد ويثمر.

إلى الحاجة مريم أم محمد… من قرية بعيدة وصل إليها دعاؤك قبل عطائك

وفي ختام الزيارة، لم يسعني إلا أن أقف بكل تقدير وإجلال أمام الفاضلة الكريمة، الحاجة مريم أم محمد. فما رأيناه في قرية نماتيلي لم يكن مشروعًا عابرًا. كان جودًا تحول إلى واقع. وكان عطاءً عم أهل المنطقة بالخير. وكانت نية صالحة أصبحت مسجدًا، وتعليمًا، وحلقات قرآن، ومكانًا يجمع الناس على الخير.

يا حاجة مريم أم محمد… ربما كانت المسافة بينك وبين نماتيلي طويلة. وربما لم تسمعي في تلك اللحظة أصوات الأطفال وهم يقرؤون. وربما لم تري ابتسامات النساء وهن يستقبلن الزائرين. لكن أثرك كان حاضرًا. كان في المسجد. وفي غرف الدراسة. وفي بيت الإمام. وفي أصوات الدارسات. وفي كل قلب وجد في هذا المكان بابًا إلى الله والعلم. فما أجمل أن يزرع الإنسان شجرة في أرض بعيدة، ثم تأتيه ثمارها دعواتٍ من قلوب لا يعرف أسماء أصحابها.

اللهم يا واسع الفضل، يا كريم العطاء، يا من لا يضيع عنده عمل صالح… اجعل ما قدمته الحاجة مريم أم محمد نورًا يسعى بين يديها، وبركةً في عمرها، وصحتها، وأهلها، وذريتها. اللهم اجعل كل سجدة تُقام في مسجد الوفاء في ميزان حسناتها. وكل آية تُتلى، وكل حرف يُحفظ، وكل درس يُلقى، وكل طفل يتعلم، وكل امرأة تهتدي إلى علم نافع، وكل قلب يجد في هذا المكان سكينة… اجعله يا رب مضاعفًا في صحيفة أعمالها.

اللهم أدم عليها نعمة العطاء، ولا تحرمها لذة رؤية ثمار الخير. وألبسها لباس العافية، وأكرمها بسعة الصدر، وطمأنينة القلب، وحسن الخاتمة. واجعل ما زرعته في هذه الأرض البعيدة شجرةً طيبة، أصلها ثابت، وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذنك. اللهم كما أدخلت السرور على قلوب أهل نماتيلي، فأدخل السرور على قلبها، وأبدل كل نفقة بركة، وكل إحسان نورًا، وكل خطوة رفعة، وكل دعوة صادقة رحمةً ومغفرة. اللهم اجعل بينها وبين هذا المجمع عهدًا لا ينقطع؛ كلما ارتفع فيه أذان، أو فُتحت فيه صفحة من القرآن، أو اجتمع فيه طالب علم، أو خرج منه إنسان أكثر وعيًا وإيمانًا… وصل إليها من الأجر ما لا يخطر على قلب بشر.

مجمع الوفا… حين يبقى الاسم شاهدًا على صاحبه

غادرنا قرية نماتيلي. وعادت الطريق تمتد أمامنا نحو نامبولا. خمسة وسبعون كيلومترًا مرة أخرى. لكننا لم نعد كما جئنا. تركنا خلفنا قرية صغيرة، لكننا حملنا معنا معنى كبيرًا. رأينا مسجدًا، لكننا رأينا معه قلوبًا تجتمع. ورأينا غرفًا للدراسة، لكننا رأينا مستقبلًا يتشكل. ورأينا بيتًا للإمام، لكننا رأينا رسالة تجد من يعينها. واستمعنا إلى أناشيد وتلاوات، لكننا سمعنا في أصوات الدارسات قصة مشروع بدأ بالعطاء، واستمر بالعلم، وأثمر وعيًا وفرحًا. وهنا فهمنا أن اسم مجمع الوفاء لم يكن اختيارًا عابرًا. فالوفاء أن يبقى أثر الإنسان بعد أن يغادر. والوفاء أن تتحول النية إلى بناء. والوفاء أن يعبر الخير المسافات، ثم يستقر في حياة الناس. والوفاء أن يظل المسجد عامرًا، وحلقات العلم قائمة، والأطفال يتعلمون، والنساء يحفظن، والقرية تجد في المشروع جزءًا من حياتها.

إن بعض المشروعات تُفتتح ثم تُغلق صفحاتها. لكن بعض المشروعات تظل تُكتب كل يوم. تُكتب بصوت مؤذن. وبتلاوة طفل. وبدعاء أم. وبابتسامة دارسة. وبخطوة إمام يمضي إلى رسالته. وهكذا كان مجمع الوفاء… ليس مجرد مبنى في قرية نماتيلي. بل صفحة مضيئة من كتاب الخير. ولم يكن مجرد مشروع حمل اسم الوفاء… بل كان وفاءً تحوّل إلى مسجد، وعلمًا، وقرآنًا، وقلوبًا تنبض بالدعاء. وفي نهاية الطريق، بقيت صورة واحدة لا تغادر القلب: أطفال يبتسمون… ونساء يتعلمن… وقرآن يُتلى… ومسجد يجمع الناس… وفي مكان بعيد، قلب كريم اسمه الحجة مريم أم محمد، أرسل عطاءه، فصار في قرية نماتيلي حياة.

سلامٌ على كل يدٍ أعطت ولم تنتظر شكرًا… وسلامٌ على كل قلبٍ زرع الخير في أرضٍ بعيدة…
وسلامٌ على مجمع الوفاء، ما دام فيه أذانٌ يرتفع، وقرآنٌ يُتلى، وعلمٌ يُنير، ودعاءٌ يصعد إلى السماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top