
محمد تهامي
فطيرٌ خرج من دفء البيت، فعاد بنا إلى ذاكرة الأمهات
في بعض الرحلات، تكون المواعيد كثيرة، والطرق طويلة، والارتباطات متلاحقة، حتى يظن الإنسان أن اليوم سيمضي بين زيارةٍ وأخرى، وأن ما بقي من الوقت لن يتسع إلا للراحة. لكن الله يخبئ في آخر الطريق أحيانًا لقاءً يبدد التعب، ومائدةً لا تُشبع الجسد وحده، بل تعيد إلى الروح شيئًا من دفء البيوت البعيدة. وهكذا بدأت حكاية مائدةٍ لم تكن في حساب الوقت، لكنها أصبحت من أجمل ما حفظته الذاكرة. كانت دعوةً كريمة من الفاضل م محمود مصباح – أبو حمزة.
قبل الموعد بيوم، وفي حديثٍ عابر بدا بسيطًا في كلماته، قال أبو حمزة: “إن شاء الله موعدنا غدًا على الغداء… فطير مشلتت من يد أهل البيت.” كانت العبارة قصيرة… لكنها حملت من المحبة ما جعلها أكبر من دعوة طعام. حاولنا أن نعتذر، فالبرنامج مزدحم، والزيارات متتابعة، والطرق في بعض المناطق لا تمنح المسافر وعدًا دقيقًا بالوصول. لكن أبا حمزة لم يترك للاعتذار بابًا. كان إصراره هادئًا، لكنه صادق. إصرار الصديق الذي لا يدعوك ليكمل عدد الحاضرين، بل لأنه يرى في حضورك تمام فرحته. وقد قال أحد الحكماء: “بعض الدعوات لا يكون الاعتذار عنها تواضعًا، لأن أصحابها لم يدعوك إلى الطعام… بل دعوك إلى مكانٍ محفوظٍ لك في قلوبهم.” فكان الموعد بعد صلاة الظهر.
حين تأخر الطريق… ولم تتأخر المودة
لكن اليوم لم يسر كما رُسم له. كانت هناك ارتباطات في سبيل الله، ولقاءات مع الأخت الفاضلة فوزية، وحديث عن مشروعاتها، وما تحمله من اهتمامٍ صادق بخدمة الإسلام والمسلمين والناس. ثم جاءت الطرق الوعرة. وتتابعت المواعيد. واستجدت ارتباطات لم تكن في الحسبان. وأصبح الوصول في الموعد أمرًا صعبًا. وكان معنا أخوان كريمان قد دُعيا إلى اللقاء، فاضطررنا إلى التواصل معهما أكثر من مرة، وتأجيل الموعد ثلاث مرات، بسبب ما طرأ من تغيرات وتأخر في الطريق. كان كل اتصال يحمل اعتذارًا. وكان كل تأجيل يرافقه شيء من الحرج. لكن ما أجمل أن يكون في الطرف الآخر أناسٌ يعرفون أن الطريق قد يطول، وأن العمل قد يستدعي صاحبه، وأن بعض التأخير لا يكون تقصيرًا، بل نتيجةً لمسؤوليات لا يمكن تجاوزها. ومضى الوقت…حتى وصلنا قبيل المغرب. كنا نظن أننا تأخرنا على الغداء. لكننا لم نكن نعلم أن المائدة لم تتأخر عن انتظارنا.
مفاجأةٌ عند الباب… كأن مصر جاءت إلى نامبولا
دخلنا… فكانت المفاجأة. ما شاء الله، ولا قوة إلا بالله. لم تكن مائدةً عادية. كانت مائدةً متكاملة، وكأن الريف المصري حمل حقائبه، وعبر المسافات، واستقر في بيتٍ كريم في نامبولا. كان المشهد يحمل روح البيوت المصرية القديمة: دفء الطعام… وتنوع الأطباق… والكرم الذي لا يسأل: كم سيأكل الضيف؟ بل يسأل: هل تركنا شيئًا يحبه ولم نقدمه؟ توقفت العين أمام المائدة قبل أن تمتد اليد. وللحظة، شعرت أن المسافات بين مصر وموزمبيق قد اختصرت. فبعض الأطعمة لا تُعرّف بوصفها. يكفي أن تراها، فتتذكر وطنًا، وبيتًا، وأمًّا، وجدّة، وأيامًا كانت المائدة فيها تجمع الأسرة قبل أن تجمع الأطباق.
الفطير المشلتت… ذاكرةٌ تُؤكل
وفي قلب المائدة، كان الفطير المشلتت. لكنه لم يكن فطيرًا واحدًا. كانت أنواعًا متعددة، وكأن كل صنفٍ يحمل حكايةً خاصة. فطيرٌ بالجبن… وفطيرٌ باللحم… وفطيرٌ بالخضروات… وفطيرٌ سادة، يحتفظ ببساطته وأصالته، ويترك للعسل والقشطة أن يكملا الحكاية. كان الفطير جميلًا في شكله، شهيًا في رائحته، ودافئًا كأنه خرج لتوه من مطبخ بيتٍ مصري يعرف أن الطعام ليس وصفةً فقط، بل محبةٌ تُعجن مع الدقيق. وقد قال أحد الحكماء: “هناك طعامٌ تصنعه اليد، وهناك طعامٌ تصنعه الذاكرة، فإذا اجتمعت اليد والذاكرة، خرجت من المطبخ حكاية.” وكانت هذه الحكاية من يد الفاضلة أم حمزة. يدٌ أعدت الطعام، لكنها أرسلت معه شيئًا لا تكتبه المقادير: الاهتمام.
الحواوشي… حين تتعدد الأسماء ويبقى الطعم واحدًا
ثم جاءت أطباق الساندويتشات المحشوة باللحم. كانت قطع الحواوشي مرتبة، شهية، تحمل مذاق البيت، وتعلن أن المائدة لم تُعد على عجل. وكانت من صناعة أم حمزة، التي لم تكتف بالفطير، بل جعلت المائدة رحلةً بين أطباقٍ مصرية أصيلة. ففي كل طبق، كانت هناك لمسة. وفي كل لمسة، كانت هناك عناية.
العسل والقشطة… حين يعود الطعم إلى طفولته
ثم جاءت الأطباق التي جعلت الفطير يفتح أبوابًا أخرى. عسل النحل… وعسل أبيض… وعسل أسود امتزج بالطحينة… وأطباق من القشطة، بيضاء ناعمة، كأنها قطعة من سكينة الريف. كان الفطير يجاور العسل. والعسل يجاور القشطة. والنكهات تتبادل الأدوار في هدوء. وفي تلك اللحظة، لم تكن المائدة مجرد وجبة. كانت رحلةً إلى زمنٍ كانت فيه الأطعمة بسيطة، لكن طعمها عميق. وقد قال أحد الحكماء: “حين يعود الإنسان إلى طعامٍ أحبه في طفولته، لا يأكل بلسانه وحده… بل تأكل معه سنواته القديمة.”
المخللات… ألوانٌ تحفظ ذاكرة المائدة
وكان للمخللات حضورٌ لا يقل جمالًا. كرنبٌ مخلل… وباذنجانٌ مخلل… وبنجرٌ بلونه العميق… ثم طبق آخر من الخيار والزيتون. ألوانٌ مختلفة، ونكهاتٌ متباينة، لكنها اجتمعت لتمنح المائدة توازنها. وبجانبها أطباق الشيبسي، تضيف شيئًا من الخفة والبساطة. ومشروباتٌ وُضعت على المائدة لترافق الطعام، وكأن كل شيء قد حُسب له مكان.
المائدة الثانية… حديقةٌ من الفاكهة
وبعد أن اكتملت حكاية الفطير والحواوشي والعسل، انتقلنا إلى المائدة الثانية. طبقٌ كبير من الفاكهة المتنوعة. لكنه بدا كأنه حديقةٌ غنّاء صغرت حتى اتسعت فوق المائدة. ألوانٌ تبهج العين. وفاكهةٌ تتجاور كأنها تعرف بعضها منذ زمن. ثم جاءت المشروبات الطازجة، وكان للمانجو حضورٌ جميل، يخفف حرارة اليوم ويمنح الجلسة طعمًا صيفيًا لطيفًا. وبعدها الشاي… ذلك الرفيق الذي لا يعلن انتهاء المائدة، بل يفتح بابًا جديدًا للحديث. ثم جاءت أنواع متعددة من التمر. تمرٌ محشو بالمكسرات ومغطى بجوز الهند. وتمرٌ آخر يحتفظ بطعمه الأصيل وبساطته. وكأن المائدة كانت تقول: ” لا تستعجلوا… فما زال للصحبة حديث.”
أبو حمزة وأم حمزة… حين يكون الكرم حياةً يومية
لم يكن أجمل ما في هذه المائدة تنوع أطباقها. كان أجمل ما فيها أنها خرجت من بيتٍ كريم. بيتٌ يعرف أن الضيف لا يُستقبل عند الباب فقط، بل يُستقبل بالتفكير فيه قبل وصوله. بيتٌ اجتمع فيه أبو حمزة وأم حمزة على عملٍ واحد: أن يشعر الضيوف بأنهم بين أهلهم. وكان واضحًا أن أبا حمزة لم يكن ينظم دعوةً عابرة. كان يشاركنا جزءًا من بيته، ووقته، وذكرياته. أما أم حمزة، فقد وضعت في كل طبق لمسةً من روحها. وهنا تذكرت قولًا جميلًا: “البيت الذي تُعد فيه المائدة بالمحبة، لا يطعم ضيوفه… بل يمنحهم شعورًا بأن لهم فيه أهلًا.”
ولم تنته الحكاية عند المائدة
وحين حان وقت المغادرة، ظننا أن المائدة قد أدت رسالتها. لكن المفاجأة كانت أن الكرم لم ينته. فنظرًا لارتباطنا بمواعيد أخرى، وعدم قدرتنا على إطالة الجلوس، حملنا أبو حمزة حقيبةً من الخيرات. حقيبةٌ متنقلة… كأن المائدة رفضت أن تبقى في مكانها. أرادت أن ترافقنا في الطريق. لم تكن حقيبة طعامٍ فقط. كانت رسالةً تقول: “إذا ضاق الوقت عن الجلوس، فليذهب شيءٌ من البيت معكم.” وكم في هذه اللفتة من معنى. فالكرم لا يقف عند حدود ما تأكله. بل يمتد إلى ما تحمله معك. وقد قال أحد الحكماء:”أكرم الناس من يجعل ضيفه يشعر، بعد أن يغادر، أن البيت ما زال يرافقه.”
دعاءٌ لبيتٍ صنع من الطعام ذكرى
اللهم بارك للفاضل م محمود مصباح – أبو حمزة، وبارك له في عمره وصحته وأهله وماله وعمله، واجزه عنا خير الجزاء على ما أحاطنا به من كرمٍ ومودةٍ وصدق صحبة. اللهم بارك للفاضلة أم حمزة، واجعل كل يدٍ امتدت لإعداد الطعام في ميزان حسناتها، وكل جهدٍ بذلته راحةً في قلبها، وبركةً في بيتها، وسعةً في رزقها. اللهم اجعل بيتهما عامرًا بالمحبة والسكينة، واجعل ما جمعهما من مودةٍ ورحمةٍ ممتدًا ما امتدت الأعمار.
اللهم احفظ لهما حمزة، واجعله قرة عينٍ لهما، وأنبته نباتًا حسنًا، وبارك لهما فيما رزقتهما، وارزقهما من الذرية الصالحة ما تقر به الأعين وتطمئن به القلوب. اللهم اجعل هذا البيت بيتًا على التقوى، واجعل أبوابه مفتوحةً للخير، وموائده عامرةً بالمحبة، وأيامه مملوءةً بالعافية والرضا. اللهم بارك في الصحبة التي جمعتنا، واجعل لقاءاتنا خالصةً لوجهك، واجعل ما بيننا من مودةٍ عونًا على الخير، واجمعنا دائمًا على طاعتك، ولا تحرمنا جمال القلوب التي تعرف كيف تُكرم دون تكلف، وكيف تُحب دون انتظار مقابل.
لم يكن فطيرًا فقط
عدنا من المائدة… لكن شيئًا منها بقي معنا. بقيت رائحة الفطير. وبقي طعم العسل والقشطة. وبقيت حكاية الحواوشي. وبقيت ألوان المخللات والفاكهة. وبقيت الحقيبة التي حملت معنا جزءًا من كرم البيت. لكن الأجمل من كل ذلك، بقي شعورٌ لا يُوضع في طبق: أننا كنا بين أهل. وأن المسافات لا تستطيع أن تُبعد إنسانًا عن وطنه، إذا وجد في الطريق قلوبًا تحمل إليه دفء البيوت. لم ينتقل الريف المصري إلى نامبولا بطائرة. لم تحمله الخرائط. بل حملته يدٌ كريمة، وعجنه قلبٌ محب، ثم قُدم على مائدةٍ قالت دون كلمات: “أهلًا بكم… لقد وصلتم إلى بيتكم.”
وهكذا لم تكن مائدة الفطير المشلتت وجبةً في يومٍ من أيام الرحلة. كانت ذكرى… وذكرى من نوعٍ خاص. ذكرى لا تنتهي حين تُرفع الأطباق. بل تبدأ بعد المغادرة. لأن بعض الموائد تُشبع الجسد… أما موائد المحبة، فتبقى تُطعم الذاكرة كلما مرّ عليها الزمن.