
محمد تهامي
من إنسانٍ ينتظر العطاء… إلى إنسانٍ يشارك في صناعة مستقبله
هناك مشهدٌ يتكرر في عالم العمل الخيري حتى كاد يتحول إلى عادة لا يسأل أحد عن معناها. إنسانٌ فقير يقف في جهة… ومؤسسةٌ خيرية تقف في الجهة الأخرى… وبينهما سلة غذاء، أو كفالة، أو مساعدة مالية، أو مشروع صغير. ثم تُغلق الحكاية.
يُسلَّم العطاء، ويُوثَّق المستفيد، وتُرفع الصورة، ويُكتب التقرير، ويُقاس الإنجاز بعدد الأسر التي استفادت، أو بعدد السلال التي وُزعت، أو بعدد المشاريع التي افتُتحت. لكن السؤال الذي ظل يؤرقني كلما اقتربت أكثر من الميدان: هل انتهى العمل الإنساني عندما وصل العطاء إلى يد المحتاج؟ أم أن العمل الحقيقي يبدأ من تلك اللحظة؟
لقد آن الأوان أن نخرج بالمؤسسة الخيرية من صندوق الفقر. ليس المقصود أن نخرج الفقير من اهتمامها، بل أن نخرج من التصور الذي يجعل الفقر هو الهوية الوحيدة التي نرى الإنسان من خلالها. فالإنسان الذي يحتاج اليوم إلى مساعدة، قد يكون غدًا معلّمًا. والمرأة التي تقف اليوم في طابور المساعدة، قد تكون صاحبة مشروع غدًا. والطفل الذي يدخل مدرسة أنشأتها مؤسسة خيرية، قد يصبح الطبيب الذي يعالج أبناء قريته، أو المهندس الذي يبني مدينته، أو المعلم الذي يفتح باب العلم لجيل جديد. المشكلة ليست أن نساعد الإنسان حين يحتاج، وإنما أن نتركه محتاجًا بعد أن نساعده. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للقيادة الرشيدة في العمل الخيري.
من “المستفيد” إلى “الإنسان”
أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسة الخيرية أن تتحول كلمة “مستفيد” إلى هوية. فحين نقول: مستفيد، قد ننسى أن خلف الرقم إنسانًا له تاريخ، وقدرات، ومواهب، وكرامة، وأحلام. الأرقام ضرورية للإدارة، لكنها لا تكفي لفهم الإنسان. وقد كان عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس يلفت إلى أن الإنسان لا يمكن فهمه منفصلًا عن شبكات العلاقات التي يعيش داخلها. وهذه الفكرة، في رأيي، تصلح لتكون حجرًا أساسيًا في العمل الإنساني:
لا تعالج الإنسان منفردًا عن بيئته. فالفقير ليس دائمًا فقيرًا لأنه يفتقد المال وحده. قد يفتقد التعليم. وقد يفتقد الرعاية الصحية. وقد يعيش في منطقة بلا طرق. وقد لا يجد سوقًا لمنتجه. وقد تكون المرأة محاصرة بظروف اجتماعية تمنعها من العمل. وقد يكون الشاب متعلمًا لكنه لا يجد فرصة. وقد تكون القرية غنية بالطاقات، لكنها فقيرة في التنظيم. ولهذا فإن المؤسسة التي ترى الفقر في المال فقط، ستوزع المال. أما المؤسسة التي ترى الفقر باعتباره منظومة من الأسباب، فسوف تبحث عن جذور المشكلة. وهنا يتحول العمل الخيري إلى تنمية.
الفقر ليس عنوان الإنسان
قال الفيلسوف الهندي أمارتيا سن، في واحدة من أكثر الأفكار تأثيرًا في الفكر التنموي، إن التنمية ليست مجرد زيادة في الدخل، بل توسيع لقدرات الإنسان وحرياته. وهذه الفكرة تغيّر طريقة النظر إلى العمل الخيري بالكامل. فحين نعطي الفقير مالًا، نكون قد عالجنا حاجة. وحين نعلّمه حرفة، نكون قد فتحنا قدرة. وحين نوفر له سوقًا، نكون قد فتحنا فرصة. وحين نربط أبناءه بالتعليم، نكون قد فتحنا جيلًا. وحين نساعد المجتمع على بناء مؤسساته، نكون قد فتحنا مستقبلًا. الفرق بين العطاء والتنمية هو الفرق بين أن تطفئ نارًا، وأن تمنع النار من الاشتعال مرة أخرى. وليس في الإغاثة عيب. بل الإغاثة رحمة، وقد تكون في لحظة ما أعظم ما يمكن أن تقدمه. لكن المشكلة تبدأ حين تصبح الإغاثة نظامًا دائمًا لإدارة الاحتياج بدل أن تكون جسرًا للخروج منه.
القيادة التي تخرج من الصندوق
وهنا تظهر القيادة الاحترافية. القيادة التقليدية تسأل: كم لدينا من المال؟ كم مشروعًا نستطيع أن ننفذ؟ كم مستفيدًا نستطيع أن نخدم؟ أما القيادة التي خرجت من صندوق الفقر فتسأل: لماذا ما زال هؤلاء يحتاجون إلى المساعدة بعد كل ما أنفقناه؟ هذا السؤال وحده قادر على تغيير مؤسسة بأكملها. لأن الإجابة ستقودها إلى التعليم، والصحة، والاقتصاد، والتمكين، وسوق العمل، والبنية التحتية، والشراكات، والسياسات العامة، وبناء القدرات. ستكتشف أن المؤسسة الخيرية ليست جزيرة. وأنها لا تستطيع وحدها أن تصنع التنمية. وهنا لا تعود الحكومة خصمًا أو مجرد جهة ترخيص. ولا يصبح القطاع الخاص مجرد ممول. ولا تكون الجامعة مجرد جهة أكاديمية. ولا يكون المجتمع مجرد مستفيد. بل يتحول الجميع إلى شركاء في صناعة الحل.
الميدان… حيث تسقط الأوهام
ومن هنا فهمت شيئًا لم أتعلمه من التقارير. الميدان يصحح غرور الورق. قد تقرأ أن مشروعًا ناجح. ثم تصل إليه فتكتشف أن البناء قائم، لكن التشغيل ضعيف. وقد تجد مدرسة تستوعب آلاف الطلاب، فتفرح بحجم الوصول، ثم تكتشف أن البيئة التعليمية تحتاج إلى مزيد من العناية. وقد ترى مستوصفًا مزدحمًا، فتدرك أن نجاحه في الوصول إلى الناس خلق احتياجًا جديدًا للتطوير والتوسعة. وقد تجد مشروعًا جميلًا في صور الافتتاح، لكنه يحتاج بعد سنوات إلى صيانة ومتابعة وإدارة. وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: من المخطئ؟ بل: كيف نحمي الأثر؟ فالمال الذي أنفقه المحسن ليس رقمًا في ميزانية. إنه ثقة. والثقة أمانة. والمشروع الذي بُني من أموال الخير لا ينبغي أن يكون نهاية الرحلة، بل بداية دورة جديدة من الرعاية والتشغيل والتقييم والتطوير.
من صورة الفقير إلى صورة المجتمع
المؤسسة الناضجة لا تصور المجتمع من خلال ضعفه فقط. إنها تبحث عن قوته أيضًا. في كل قرية امرأة تعرف كيف تخيط. وفي كل حي شاب يستطيع أن يتعلم مهنة. وفي كل مدرسة معلم يحمل حلمًا. وفي كل مجتمع تجار وأصحاب أعمال، وأطباء ومهندسون ومثقفون. وقد عبّر الاقتصادي إرنست شوماخر عن فكرة عميقة حين جعل التنمية الحقيقية مرتبطة بقدرة الناس على المشاركة في بناء حياتهم، لا بمجرد تقديم الموارد إليهم. وهنا تصبح مهمة المؤسسة: أن تبحث عن القوة المختبئة خلف الحاجة. أن تسأل المرأة: ماذا تستطيعين؟ بدل أن تسألها فقط: ماذا تحتاجين؟ أن تسأل الشاب: ماذا يمكن أن تصبح؟ بدل أن تسأله فقط: كم تحتاج؟ أن تسأل القرية: ما الذي تستطيع أن تفعله بنفسها؟ ثم تأتي المؤسسة بما ينقصها. هذه هي الشراكة.
المشروع الذي ينتهي… والمشروع الذي يبدأ
هناك مشاريع تنتهي عند الافتتاح. وهناك مشاريع تبدأ يوم الافتتاح. الأول يحتفل بالمبنى. والثاني يراقب الأثر. الأول يسأل: هل اكتمل البناء؟ والثاني يسأل: هل تغيرت حياة الناس؟ الأول يكتب تقرير الإنجاز. والثاني يكتب تقرير الأثر. ولهذا فإن المؤسسة الاحترافية تحتاج إلى أن تنتقل من إدارة المشاريع إلى إدارة دورة حياة الأثر. من دراسة الاحتياج… إلى تصميم التدخل… إلى التنفيذ… إلى التشغيل… إلى المتابعة… إلى قياس النتائج… إلى التعلم… ثم إعادة التصميم. إنها دائرة لا تنتهي.
الكرامة… المعيار الذي لا يظهر في الجداول
يمكن أن تقيس المؤسسة عدد المستفيدين. وعدد المشاريع. والتكلفة. ونسبة الإنجاز. لكن هناك شيئًا لا يظهر بسهولة في الجداول: هل شعر الإنسان بكرامته؟ حين تقف أم تحمل طفلها في طابور طويل أمام مستوصف، فإن الأرقام قد تقول: “تم تقديم الخدمة إلى 250 مريضًا”. لكن قلب الميدان يقول شيئًا آخر: هناك 250 قصة. هناك أمهات. وأطفال. وكبار سن. وهناك إنسان ينتظر. والإدارة الاحترافية لا تكتفي بأن تقول: “الخدمة وصلت”. بل تسأل: هل وصلت بطريقة تحفظ كرامة الإنسان؟ هل كانت بيئة الانتظار مناسبة؟ هل كان التعامل رحيمًا؟ هل الوقت مناسب؟ هل الخدمة آمنة؟ هل يمكن أن نجعل التجربة الإنسانية أفضل؟ هنا تتحول الجودة من مفهوم إداري إلى قيمة أخلاقية.
لا نريد مؤسسةً توزع الخير فقط
العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المؤسسات التي تعرف فقط كيف توزع. إنه يحتاج إلى مؤسسات تعرف كيف تُحدث تحولًا. مؤسسات تملك الجرأة على مراجعة نفسها. تسمع للميدان. تستمع للمستفيد. تراجع نتائجها. تعترف بما يحتاج إلى تحسين. وتتعلم. وتبني الشراكات. وتستثمر في الإنسان قبل المبنى. وتعرف أن أفضل مشروع خيري هو ذلك الذي يقلل الحاجة إلى المشروع نفسه مع مرور الوقت. فإذا ظل المجتمع محتاجًا إلى التدخل ذاته بالطريقة ذاتها بعد عشر سنوات، فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا تعلمنا؟ وماذا تغير؟وأين الأثر؟
الخروج من الصندوق
ربما آن الأوان أن نعيد تعريف العمل الخيري. ليس: مانحًا يعطي، ومحتاجًا يأخذ. بل:
إنسانًا يساعد إنسانًا حتى يستطيع أن يقف. ليس: مؤسسة تتحدث باسم المجتمع. بل: مؤسسة تصغي للمجتمع وتعمل معه. ليس: مشروعًا يُفتتح ثم يُنسى. بل:أثرًا يُبنى ويُرعى ويُقاس ويتطور. وليس: فقيرًا نراه من خلال حاجته. بل: إنسانًا نراه من خلال كامل إمكاناته. وهنا فقط تخرج المؤسسة الخيرية من صندوق الفقر. لا لتبتعد عن الفقير… بل لتقترب منه أكثر. لا لتتوقف عن إعطائه… بل لتعطيه ما هو أبقى من المال: المعرفة، والقدرة، والفرصة، والكرامة، والشراكة، والأمل.
وفي نهاية الطريق، ربما لا يكون أعظم نجاح للمؤسسة أن تقول: “قد ساعدنا مليون إنسان.” بل أن تستطيع أن تقول: ” لقد ساعدنا الإنسان حتى لم يعد يرى نفسه محتاجًا إلى من ينقذه، بل قادرًا على أن يصنع مستقبله، ويعين غيره، ويقف إلى جوار من كان يومًا يقف في مكانه.” عندها فقط… لا تكون المؤسسة قد أدارت الفقر. بل تكون قد واجهت أسبابه. ولا تكون قد وزعت الخير. بل تكون قد صنعت أثرًا. ولا تكون قد خدمت مجتمعًا من موقع الوصاية… بل تكون قد مشت معه، واستمعت إليه، وتعلمت منه، ثم ساعدته على أن ينهض بقدميه. فالخير الحقيقي ليس أن تجعل الإنسان محتاجًا إلى يدك كل يوم… بل أن تساعده حتى تصبح يده يومًا ممدودةً إلى إنسانٍ آخر.