حين أرسلوا السيارة… كان الكرم قد سبقنا إلى الطريق

محمد تهامي

محمد تهامي

اليوم الرابع عشر في موزمبيق – مابوتو – الأحد 9 أغسطس 2026

هناك دعواتٌ تصل قبل موعدها إلى القلب. لا تحتاج إلى بطاقة، ولا إلى كلمات كثيرة، ولا إلى مائدة عامرة كي تعرف أنها دعوة مختلفة، يكفي أن تشعر أن صاحبها لم يدعُك إلى طعامه، وإنما دعاك إلى مساحة من قلبه.

وفي اليوم الرابع عشر من رحلتنا إلى موزمبيق، في مدينة مابوتو، جاءتنا دعوة كريمة من الفاضل م محمد، على الغداء، برفقة الضيف العزيز وزوجه الكريم. لكن أجمل ما في الدعوة أنها لم تبدأ عند باب البيت. لقد بدأت حين أرسل م محمد السيارة في الموعد. وكأن الرسالة الصامتة كانت تقول: لا تحملوا هم الطريق… فالطريق علينا.

كان ذلك بعد ظهر الأحد، والمدينة تبدو أكثر هدوءًا من عادتها. تحركت السيارة في شوارع مابوتو الهادئة، وكان الطريق يمتد بنا نحو أربعين دقيقة، لكنني شعرت أن المسافة أقصر من ذلك بكثير؛ لأن بعض الطرق لا تقاس بالكيلومترات، وإنما بما تحمله النفوس من شوق إلى اللقاء. كنت أتأمل المدينة من نافذة السيارة، وأتأمل في الوقت نفسه معنى أن يكون الإنسان بعيدًا عن وطنه، ثم يجد في بلدٍ آخر بيتًا يفتح له أبوابه وكأنه يعرفه منذ سنوات.

وهنا تذكرت معنى عميقًا عند ابن خلدون: أن الإنسان لا تستقيم حياته منفردًا، وأن الاجتماع البشري ليس ترفًا، وإنما هو من طبيعة الإنسان. ولعل أجمل صور الاجتماع الإنساني أن يلتقي غرباء في المكان، ثم لا يلبثون أن يكتشفوا أنهم ليسوا غرباء في المشاعر.

استقبالٌ يبدأ قبل الطعام

وصلنا. وكان في الاستقبال م محمد وأبناؤه الكرام: عمار، وعبد الرحمن، وعباد. وجوهٌ تستقبلك قبل أن تستقبلك الكلمات. وكانت التحيات حاضرة، ومن بينها تحياتنا للابن م علي في نامبولا، التي أوصلها الضيف العزيز، وكأن دوائر الرحلة تتصل ببعضها بعضًا: نامبولا بمابوتو، ومابوتو بمن سبقها، والناس ببعضهم، والقلوب ببعضها. ثم جاء الطبق الأول. فاكهة. لكن تسميتها فاكهة وحدها ظلمٌ للمشهد. كان الطبق أشبه ببستان صغير اجتمعت فيه ألوان الأرض وثمرها، وكأن صاحب البيت أراد أن يقول للضيف منذ اللحظة الأولى: خذ من خيرات الله قبل أن تأخذ من طعامنا. وما أجمل أن يبدأ الكرم بالفاكهة؛ فهي لا تحتاج إلى شرح، ولا إلى وصف، يكفي أن تراها لتعرف أن يدًا محبة رتبتها.

ثم جاءت المائدة التي لا تُنسى
دخلنا إلى المائدة، فإذا بها حكاية أخرى. طاجن كبير من الأرز، يعلوه اللحم المشوي، في مشهد يجمع بين سخاء الطعام وجمال تقديمه. وصوانٍ من البطاطس يعلوها الدجاج المحمر في الفرن، وأطباق السلطة التي بدت كأنها بستان خضروات مصغر، بكل ألوانه وحيويته.

ثم جاء الرقاق المحشو باللحم، ذلك الطعام الذي لا يأخذ قيمته من مكوناته وحدها، وإنما من اليد التي أعدته، والبيت الذي خرج منه، والنية التي حملته إلى المائدة. ومشروبات متنوعة، وبابا غنوج مصقول الطعم، ثم جاء الفلفل الأخضر الصغير، أو “البسباس”، حاضرًا ليعلن أن المائدة لا تعرف الخجل من النكهة.

كانت المائدة كاملة. لكن اكتمالها الحقيقي لم يكن في كثرة الأطباق. كان في روح صاحب البيت.

فكم من مائدة امتلأت حتى أطرافها، وبقيت ناقصة. وكم من مائدة كانت بسيطة، لكنها حين جلس الناس إليها شعروا أنهم جلسوا في رحاب المحبة. وقد قيل في معنى الكرم، في حكمة نادرة المعنى: “أجمل الضيافة أن يشعر الضيف أنه لم يأتِ من الخارج، بل عاد إلى مكانٍ يعرفه”. وهذا تحديدًا ما شعرنا به.

المائدة التي لم تكن على الطاولة
بعد الطعام، اكتشفنا أن هناك مائدة أخرى لم تكن فوق الطاولة. كانت في الحديث. جلسنا نتبادل الأحاديث، وانتقل الكلام إلى الجد “بابا” وإلى الذكريات، وإلى تلك الشخصيات الربانية التي لا تحتاج إلى منصب كي تترك أثرًا، ولا إلى كثرة الكلام كي تُعرف.

وتحدثنا عن الربانية، وعن أثرها في حياة الإنسان. وما أجمل هذا الحديث في زمنٍ أصبح فيه كثير من الناس مشغولين بكيف يظهرون أمام الآخرين، بينما الإنسان الرباني مشغول بما يتركه فيهم.

الربانية ليست كثرة مواعظ. هي أن يصبح حضور الإنسان نفسه موعظة. أن يخرج الناس من مجلسه وهم أفضل حالًا مما كانوا عليه حين دخلوا. أن يكون في البيت أبًا، وفي المجتمع قدوة، وفي العمل أمينًا، وفي علاقاته وفيًا، وفي عطائه مستترًا عن أعين الناس. وهنا بدا الحديث عن المشروع في حياة الإنسان أكثر عمقًا.

فالمشروع الحقيقي ليس ما نبنيه من حجر، وإنما ما نبنيه من بشر. وليس أعظم ما يتركه الإنسان خلفه عدد المباني التي شيدها، وإنما عدد القلوب التي جعلها أكثر قدرة على العطاء. ولعل من أجمل المعاني التي يمكن أن نقر بها أن العمران لا يقوم على الحجر وحده، وإنما على الإنسان والعلاقات والقيم والتعاون. فإذا صلحت النفوس، أمكن للعمران أن يعيش. وإذا فسدت النفوس، فقد تبقى المباني، لكن يرحل العمران.

شايٌ على الجمر… وكأن الزمن عاد بنا إلى البيت الأول

ثم جاءت المائدة الأخرى. وهذه المرة لم تكن بحاجة إلى أطباق كثيرة. جاء الشاي العربي الأصيل، الشاي الغوري الذي أُعد على الفحم. يا لهذا الشاي! حين يكون الشاي على الجمر، لا يعود مجرد مشروب. تصبح له رائحة المكان. ويصبح لصوت الفحم وهو يشتعل حديثٌ خاص. وتصبح الجلسة كلها أقرب إلى ذاكرة قديمة؛ إلى بيتٍ كانت فيه الأشياء تصنع ببطء، وتُقدَّم بمحبة، ولا يعرف أصحابها شيئًا اسمه “الاستعجال”

وكانت إلى جواره صينية البسبوسة. وكأن البسبوسة جاءت لتختم الحكاية بجملة حلوة. فبعض البيوت تعرف كيف تبدأ الضيافة، وبعضها يعرف كيف ينهيها، أما البيوت النادرة فهي التي لا تجعل للضيافة نهاية.

حين دخل الجد في الحديث… دخلت معه البركة

عاد الحديث مرة أخرى إلى الجد “بابا” وهنا تتغير نبرة المجالس. حين يأتي ذكر الآباء والأجداد، لا يبقى الكلام مجرد حديث عن أشخاص غابوا، وإنما يصبح حديثًا عن الجذور. فالإنسان الذي لا يعرف من أين جاء، قد لا يعرف إلى أين يمضي. والأب الذي يزرع في أبنائه قيمةً صالحة، قد لا يرى شجرتها كاملة، لكنه يملك أعظم فضيلة: أنه زرع شيئًا يستمر بعده. وهذا هو معنى الأثر. أن تنتهي حياة الإنسان، ولا ينتهي ما علّمه. أن يغيب صوته، ويبقى صداه. أن يرحل جسده، وتظل سيرته تقول لأبنائه: كونوا كما كنت أتمنى أن أراكم. ومن هنا كان الحديث عن أثر المشروع في حياة الإنسان حديثًا يتجاوز المؤسسات. فكل أب لديه مشروع. وكل أم لديها مشروع. وكل إنسان يستطيع أن يترك شيئًا. لكن السؤال ليس: ماذا امتلكت؟ السؤال الأعمق: ماذا تركت؟

بين سورة الجمعة وسكينة المغرب

ثم جاء وقت الصلاة. فصلينا المغرب، وكانت سورة الجمعة حاضرة في التلاوة، وكأن للآيات في ذلك المجلس معنى إضافيًا. فالجمعة تجمع. والصلاة تجمع. والرحم تجمع. والصحبة تجمع. وما أجمل أن تكتشف بعد سنوات من السفر والعمل أن أعظم ما جمعك بالناس لم يكن مشروعًا ولا اجتماعًا ولا ورقة اتفاق، وإنما موقف صادق.

ولم أعد أرى الرحلات التي أقطعها بالطريقة نفسها. ففي بداية الرحلة كنت أظن أنني أذهب لأرى المشاريع. ثم اكتشفت أنني أذهب لأرى الإنسان خلف المشروع. وأرى البيت خلف المؤسسة. وأرى الأم خلف الطعام. وأرى الأب خلف التربية. وأرى الابن خلف المستقبل. وأرى الدعاء خلف كل جهد. وهنا تكمن قيمة الرحلات الإنسانية.

مابوتو لا تقدم لنا الطعام… بل تقدم لنا دروسًا في الإنسان

في هذا اليوم الرابع عشر، لم تكن مائدة م محمد مجرد محطة في برنامج الرحلة. كانت درسًا. درسًا في أن الكرم لا يحتاج إلى إعلان. وأن صاحب البيت الكريم لا يسأل ضيفه: ماذا تريد؟ بل يحاول أن يعرف ما الذي يسرّه. وأن إرسال السيارة قبل الوصول ليس مجرد ترتيب لوجستي؛ إنه صورة من صور الاعتناء. وأن ترتيب الفاكهة، وإعداد الطعام، واختيار الأطباق، وإحضار الشاي على الفحم، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها حين تجتمع تصبح لغة حب كاملة.

وهذا ما يجعل بعض الموائد تعيش أطول من الطعام الذي عليها. فالطعام ينتهي. أما الإحساس الذي تركته المائدة في النفس، فقد يبقى سنوات. قال الرافعي، في معنى قريب من روح الأدب الإنساني، إن قيمة الإنسان ليست في مظهره، وإنما في أثره الذي يتركه في النفوس. وهذا ما يجعلني أؤمن أن بعض الناس يكتبون أسماءهم في سجلات المؤسسات، بينما يكتب آخرون أسماءهم في ذاكرة القلوب. والثانية أبقى.

دعاءٌ لمن جعلوا البيت بابًا للخير

اللهم بارك للمهندس محمد ” أبي علي” في عمره وعمله وأهله وبيته، واجعل هذا البيت بيت سكينة، وبركة وقرآن وطمأنينة. اللهم بارك في الفاضلة الكريمة ” أم علي”، وفي أبنائه على وعمار وعبد الرحمن وعباد، واحفظهم بعينك التي لا تنام، وأنبتهم نباتًا حسنًا، وافتح لهم أبواب الخير والعلم والعمل الصالح. اللهم اجعل ما قدموه لنا في ميزان حسناتهم، وما بذلوه من وقت وجهد وطعام واهتمام صدقةً جارية لا تنقطع آثارها.

اللهم بارك لنا في الجد “بابا” وفي سيرته وذكراه، واجعل ما تركه من خير في ذريته وأحبته نورًا ممتدًا. اللهم اجعل بيوتهم عامرة بالمودة، وأيامهم عامرة بالعافية، وأرزاقهم واسعة مباركة، وقلوبهم مطمئنة. اللهم كما أكرمونا في الغربة، فأكرمهم في أوطانهم وديارهم، وكما فتحوا لنا باب بيتهم، فافتح لهم أبواب رحمتك وفضلك ورضوانك. واجعل كل مائدة أعدوها، وكل ضيف أكرموه، وكل كلمة طيبة قالوها، وكل دعاء خرج من مجلسهم، شاهدًا لهم لا عليهم.

وفي آخر الطريق… بقيت المائدة

انتهى الغداء. وانتهى الشاي. وانتهت البسبوسة. وحان وقت المغادرة. لكنني أدركت أن المائدة لم تنتهِ. فبعض الموائد لا تنتهي عندما نقوم من حولها. إنها تنتقل معنا. تدخل السيارة. تسافر معنا في الطريق. تجلس معنا في الفندق. ثم تستقر في الذاكرة. وقد يأتي يوم، بعد سنوات، لا نتذكر فيه شكل الطاجن، ولا عدد الأطباق، ولا نوع الأرز، ولا تفاصيل البسبوسة…

لكننا سنتذكر شيئًا واحدًا: أن هناك بيتًا في مابوتو فتح لنا بابه، وأرسل لنا سيارته، واستقبلنا بالفاكهة، وأطعمنا من يده، ثم جلس معنا يحدثنا عن الجد والربانية والأثر.

وعندها سنعرف أن أعظم ما كان على تلك المائدة لم يكن اللحم المشوي، ولا الدجاج، ولا الرقاق، ولا بابا غنوج، ولا الشاي الغوري على الفحم. كان هناك شيء آخر… كان هناك قلب. وهذا هو الطعام الذي لا يشبع منه الإنسان أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top