مائدةٌ لم تكن في برنامج الزيارة

محمد تهامي

محمد تهامي

حين تتحول مفاجأة الغداء إلى درسٍ في الكرم – مابوتو، موزمبيق

لم تكن المائدة في برنامجنا ذلك اليوم. الإثنين 10 أغسطس 2026، كنا في زيارةٍ للمدرسة التركية، نتنقل بين تفاصيل العمل، ونستمع إلى الشرح، ونقرأ المكان بعينٍ تبحث عما وراء المباني والصفوف والمرافق؛ فما يهمنا في الزيارات الميدانية ليس أن نرى المشروع فقط، وإنما أن نفهم الإنسان الذي يقف خلفه، والمجتمع الذي ينتفع به، والأثر الذي يمكن أن يبقى بعد أن تنته.

وخلال الزيارة، وبعد انتهائها، بادرنا الفاضل المحاسب بالدعوة إلى تناول وجبة الغداء، بل اصطحبنا بالفعل إلى صالة الطعام، وكأن الأمر قد استقر على ذلك. لكن الإنسان أحيانًا يخطط لشيء، ثم تأتي المودة لتكتب له برنامجًا آخر. وما إن هممنا بالمضي، حتى فاجأنا الفاضل م محمد خفاجي بابتسامته وكلماته البسيطة: “الغداء جاهز في البيت… لقد رتبنا الأمر. كانت جملة قصيرة، لكنها حملت من الكرم والمودة ما جعلها أكبر من مجرد دعوة إلى طعام؛ فقد كان البيت قد سبقنا إلى المائدة، وكانت المحبة قد سبقتنا إلى البيت.

توقفت للحظة. ليس لأن الدعوة غريبة، وإنما لأنني أعرف هذا النوع من الكرم؛ ذلك الكرم الذي يبدأ بجملة بسيطة، ثم تكتشف بعد قليل أن وراءها بيتًا تحرك، وأسرةً أعدت، وأمًا رتبت، وأبناءً انتظروا، ووقتًا بُذل، ومشاعر أرادت أن تقول للضيف: أنت بين أهلك.

من المدرسة إلى البيت… ومن برنامج الزيارة إلى مائدة القلب

اتجهنا إلى البيت. وفي الطريق لم أفكر كثيرًا في الطعام، بقدر ما كنت أفكر في معنى أن يفتح الإنسان بيته لمن كان قبل دقائق في موقع عمل. فالبيت شيء آخر. المؤسسة يمكن أن تستقبل الضيف وفق نظامها، أما البيت فيستقبله الإنسان كما هو. وهنا تذكرت معنى نادرًا في فهم الكرم:
أن الضيافة الحقيقية لا تبدأ حين يجلس الضيف إلى الطعام، بل حين يشعر صاحب البيت أن وجود الضيف في بيته أمرٌ طبيعي، لا عبءٌ إضافي. وصلنا. وكان في استقبالنا الأبناء الكرام: عبد الرحمن وعباد. وجوهٌ صغيرة في عمرها، كبيرة بما تحمل من أدب الاستقبال. ابتسامات، وترحيب، وحركة البيت التي تشعرك أنك لم تدخل مكانًا غريبًا. جلسنا. ثم جاءت اللحظة التي كشفت سر العبارة التي قالها محمد: الغداء جاهز.

المائدة التي انتقلت من اليمن إلى مابوتو

ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. كانت المائدة جاهزة بكامل تفاصيلها. في القلب طاجن كبير من المندي، والأرز الملون تحته وحوله، يعلوه الدجاج المحمر بلونه الذي يفتح الشهية قبل أن يصل إلى الفم. وكان المشهد وحده يحكي عن مطبخٍ يعرف كيف يصنع من الأرز والدجاج قصةً كاملة. ثم جاءت أطباق الدقوس، حاضرة بنكهتها التي لا تخطئها الذاكرة، بما يسمى السحوق اليمني؛ ذلك الذي لا يحتاج إلى كثير تعريف، فمجرد حضوره على المائدة يعلن أن النكهة اليمنية قد وصلت إلى مابوتو. ثم أطباق متنوعة من الكفتة، ومشروبات، وطبق الفلفل بالبسباس الخاص، والخبز المصنوع في البيت. وهنا تصبح كلمة “طعام” أقل من أن تصف ما أمامك. فالمائدة لم تكن مجموعة أطباق. كانت جغرافيا من المحبة. اليمن في المندي والسحوق، والكنانة في الكفتة والخبز، والكرم في المائدة، والأسرة في الاستقبال، ومابوتو في المكان. وكأن البيت قال لنا دون كلام: قد تختلف البلاد، لكن الطيبة لا تحتاج إلى ترجمة.

أغرب ما في المائدة… أنه لم يكن فيها شيء غريب

كان كل شيء مألوفًا، ومع ذلك كان المشهد استثنائيًا. وهذه واحدة من أسرار البيوت الكريمة. فالكرم الحقيقي لا يحتاج إلى اختراع شيء مدهش؛ يكفي أن يأخذ الأشياء البسيطة ويقدمها بروح مختلفة. الأرز يصبح حكاية. والخبز يصبح رسالة. والفلفل يصبح ذكرى. والدقوس يصبح توقيعًا. والبيت كله يصبح مائدة. وقد قال حكيم: “الطعام الذي يُصنع للضيف يملأ معدته، أما الطعام الذي يُصنع من أجله فيملأ ذاكرته”. وهذا ما كان.

حين أكلنا الطعام… أكلنا الحديث أيضًا

لم تكن المائدة صامتة.  دار الحديث بهدوءٍ وألفة، وانتقلنا بين الأحداث والمستجدات، وما يجري في الساحة من حولنا، وتلك الأحاديث التي لا تُقال على عجل، وإنما تحتاج إلى مجلسٍ آمن وقلوبٍ مطمئنة. وكان الجميل أن الحديث لم يكن منفصلًا عن الطعام. فكما أن المائدة جمعت ألوانًا متعددة، جمعت الجلسة كذلك أفكارًا وتجارب وذكريات. وهذه هي المائدة التي أحبها. مائدةٌ لا تجعل الطعام هو الغاية، وإنما تجعله جسرًا بين العقول والقلوب. فالإنسان قد ينسى ماذا أكل في مجلسٍ ما، لكنه نادرًا ما ينسى كيف شعر وهو يجلس فيه.

ثم انتقلنا إلى مائدةٍ أخرى… حيث للشاي حكاية

وبعد أن هدأت المائدة الأولى، وانتقلت الأحاديث من الطعام إلى الذكريات، وجدنا أنفسنا أمام مائدةٍ أخرى، لكنها لم تكن أقل جمالًا؛ مائدة الشاي، ذلك الشاي الذي يشبه الشاي الغوري في هيبته ورائحته، وقد أُعدّ على الفحم بيدٍ تعرف كيف تمنح الأشياء البسيطة روحًا لا تتكرر. كان للجمر حضوره، وللدخان الخفيف حكايته، وللشاي نكهةٌ تشبه بيوت الزمن الجميل؛ حيث لا يُعجّل أحدٌ فنجانه، ولا يُقدَّم الشاي لمجرد الشرب، وإنما ليمنح المجلس فرصةً أخرى للحوار. وإلى جواره حضرت كيكَتان؛ لكل واحدةٍ منهما شخصيتها. الأولى كيكة بالشوكولاتة والكراميل، غنية المذاق، تتداخل فيها مرارة الشوكولاتة مع حلاوة الكراميل في تناغمٍ لطيف، وكأنها خُلقت لترافق فنجان الشاي ولا تزاحمه. والثانية كيكة بالفانيليا، هادئة وأنيقة، بنكهةٍ ناعمة تذكّر بأجمل ما في الحلويات البيتية: أن جمالها لا يحتاج إلى مبالغة. وهكذا لم يكن الشاي خاتمة المائدة، بل كان استراحةً جميلة قبل أن تستأنف الأرواح حديثها؛ فبعض المجالس تبدأ بالطعام، لكنها لا تكتمل إلا بفنجان شايٍ يُمسك به الإنسان، ويترك للحديث أن يأخذ طريقه.

عبد الرحمن وعباد… حين يكون الأبناء جزءًا من الضيافة

وكان حضور الأبناء جميلًا في المشهد. عبد الرحمن وعباد لم يكونا مجرد أبناء صاحب البيت، بل كانا جزءًا من الصورة التي اكتملت بها المائدة. فالبيت الذي يُحسن أبناءه استقبال الضيف لا يقدم طعامًا فقط؛ إنه يقدم تربيةً مرئية. وهنا يكمن معنى عظيم لا ينتبه إليه كثيرون: الأب لا يربي أبناءه بما يقوله لهم فقط، وإنما بما يرونه منه. حين يرون أباهم يكرم ضيفًا، يتعلمون الكرم. وحين يرونه يحترم كبيرًا، يتعلمون الاحترام. وحين يرونه يفرح بخدمة الناس، يتعلمون أن الحياة ليست ما نأخذه فقط، وإنما ما نعطيه أيضًا. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يتركه الأب لأبنائه ليس مالًا كثيرًا، وإنما سيرةً يستطيعون أن يعيشوا تحت ظلها دون خجل.

محمد… بعض الناس يختصرون المسافة بين الغريب والقريب

كان بإمكان محمد أن يقول: الغداء في الخارج. وكان بإمكانه أن يكتفي بالترتيب المعتاد. لكنه اختار البيت. وهذه وحدها تحمل معنى. لأن البيت حين يفتح أبوابه، فإنه لا يقدم الطعام فقط؛ إنه يمنح الضيف جزءًا من خصوصيته، ويقول له بطريقة غير مباشرة: نحن لا نراك عابرًا. وهذه من أرفع درجات الكرم. ليس الكرم أن تعطي مما لديك. الكرم الأعمق أن تُشعر من تعطيه أنه عزيز عليك. وقد قال أحد الحكماء: “ليس أكرم الناس من ملأ مائدته، وإنما من وسّع مكان الضيف في قلبه حتى قبل أن يوسّع له مكانًا على المائدة”.  وكم كان هذا المعنى حاضرًا في ذلك اليوم.

المائدة التي بدأت في مدرسة… وانتهت في ذاكرة

حين غادرنا المدرسة التركية، ظننا أننا غادرنا موقعًا من مواقع الزيارة. لكننا اكتشفنا أن أجمل ما في ذلك اليوم لم يكن في المدرسة وحدها. كان في البيت. وفي المائدة. وفي الأبناء. وفي الحديث. وفي تلك المفاجأة الصغيرة التي قالها محمد بكل بساطة: الغداء جاهز في البيت. وهكذا تعلمنا مرة أخرى أن العمل الإنساني لا يُقاس فقط بما نراه في المشاريع. فالإنسان الذي يبني مدرسة يمكن أن يبني معها علاقة. والذي يخدم المجتمع يمكن أن يخدم ضيفه. والذي يفكر في أثر المشروع يستطيع أن يجعل بيته نفسه مساحةً للأثر. وهذه هي الإنسانية حين تصبح سلوكًا يوميًا، لا شعارًا يُكتب في الوثائق.

دعاءٌ لبيتٍ جعل المائدة بابًا للمحبة

اللهم بارك لأخينا العزيز محمد أبو علي في عمره وصحته وعمله وأهله، وبارك له في قلبه الذي عرف معنى الكرم، وفي يده التي امتدت بالخير. اللهم بارك في زوجته الكريمة أم علي، واجزها عن إعدادها وعطائها وإكرامها خير الجزاء، واجعل كل ما صنعته يدها للضيف في ميزان حسناتها. اللهم احفظ أبناءهم: علي، وعمار، وعبد الرحمن، وعباد، وأنبتهم نباتًا حسنًا، واجعلهم قرة عينٍ لوالديهم، وارزقهم العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق الرفيعة، والصحبة الطيبة. اللهم اجعل هذا البيت بيت تقوى وإيمان، وبيت علمٍ وخلق، وبيتًا تتنزل فيه السكينة، وتحفه الملائكة، وتُفتح لأهله أبواب البركة. اللهم كما أكرمونا في غربتنا، فأكرمهم في حاضرهم ومستقبلهم، وكما جعلوا لنا في بيتهم مكانًا، فاجعل لهم في قلوب عبادك محبةً ومكانة.

وفي النهاية… بقي شيء واحد

غادرنا البيت. لكن المائدة لم تغادرنا. بقيت رائحة المندي في الذاكرة، وبقي السحوق اليمني يذكّرنا بنكهةٍ عبرت الحدود، وبقي الخبز البيتي يقول لنا إن بعض الأطعمة لا تُخبز بالدقيق وحده؛ بل تُخبز بالمحبة. وبقي محمد وأسرته في صفحة أخرى من صفحات الرحلة. صفحة تقول إن أجمل ما في السفر ليس عدد المدن التي نزورها، ولا عدد المشاريع التي نراها، وإنما عدد القلوب التي نعود منها ونحن نحملها معنا. وفي ذلك اليوم، لم تكن لدينا مائدة في برنامج الرحلة. لكن كان لنا موعد مع مائدةٍ لم تكن في البرنامج أصلًا… فكانت هي التي تستحق أن تُكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top