مدرسةٌ بدأت من ظلّ شجرة

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

الذكرى ( 7)

في إحدى زياراته للقرية، مرَّ أحد الكرام بمشهدٍ ربما اعتاده المكان، لكنه لم يكن مشهدًا عاديًا لمن يرى بعين القلب.

أطفالٌ كثيرون…
يجلسون تحت شجرة.
كتبٌ بين أيديهم، ودرسٌ يمضي، ومعلمٌ يحاول أن يصنع من الظل فصلًا، ومن المكان مدرسة.

كانوا يتعلمون…
لكنهم لم يكونوا داخل مدرسة.
كانت الشجرة سقفهم.
وكانت الأرض مقاعدهم.
وكان الحلم أكبر بكثير من المكان الذي يحتضنه.

توقف الرجل.
لم يمر.
ربما كان يستطيع أن يرى المشهد، ويتأثر، ثم يكمل طريقه…
كما نفعل أحيانًا حين نرى احتياجًا أكبر من قدرتنا.
لكنه لم يفعل.

وقف يتأمل الأطفال، ثم خرجت منه كلمة تحولت فيما بعد إلى وعد:
لن يدرس هؤلاء الأطفال تحت الشجرة مرةً أخرى بإذن الله .

لم تكن جملةً عابرة.
كانت عهدًا.
والعهود الصادقة لا تحتاج إلى كثير من الكلام…
تحتاج إلى رجلٍ إذا قال فعل.

غادر المكان، لكن المشهد لم يغادره.
بقيت الشجرة في ذاكرته.
وبقي الأطفال تحتها.
وبقي السؤال:
كيف يمكن لطفلٍ أن يحلم بمستقبلٍ كبير، وهو يتعلم تحت سقفٍ لا يقيه شمسًا ولا مطرًا؟

ثم بدأت الحكاية.
تحركت الهمة.
وتتابعت الخطوات.

وتحول الوعد إلى مشروع.
وتحول المشروع إلى جدران…
ثم إلى فصول…
ثم إلى مدرسة.

وفي يومٍ من الأيام، لم تعد الشجرة هي المدرسة.
أصبح للأطفال مكانٌ يليق بأحلامهم.
دخلوا الفصول…
جلسوا على مقاعدهم…
فتحوا كتبهم…
وأصبح لهم سقفٌ فوق رؤوسهم، وجدرانٌ تحمي أحلامهم من الشمس والمطر.

لكنني حين رأيت المدرسة، لم أرَ الجدران وحدها.
رأيت شجرةً قديمة…
ورأيت تحتها أطفالًا كانوا ينتظرون.
ورأيت رجلًا لم يستطع أن يرى المشهد ثم ينساه.
ورأيت وعدًا صغيرًا حين قيل، ثم أصبح بناءً قائمًا يشهد أن الكلمة إذا خرجت من قلبٍ صادق، وجدت طريقها إلى الأرض.

وهنا تعلمت شيئًا من أجمل دروس العمل الإنساني:

ليست العبرة بمن يتأثر بالمشهد…
بل بمن يقرر ألا يتركه كما وجده.

فكم من شجرةٍ رأينا تحتها أطفالًا…
ثم مضينا؟
وكم من حاجةٍ لامست قلوبنا لحظةً، ثم أخذتنا عنها مشاغل الحياة؟
وكم من طفلٍ رأيناه يحلم، ثم اكتفينا بأن نقول: ما أحوجه إلى مدرسة!

لكن هذا الرجل لم يقل:
ما أحوجهم إلى مدرسة.
قال، بمعنى فعله:
سأجعل لهم مدرسة بإذن الله

وهنا تغير كل شيء.
لم تعد الشجرة مجرد شجرة…
أصبحت شاهدًا.
شاهدًا على أن الخير يبدأ أحيانًا من مشهدٍ صغير، وأن أعظم المشاريع قد تولد من لحظة توقف، ومن قلبٍ لم يحتمل أن يكمل الطريق.

وعندما مررتُ بالمكان…
شعرت أن المدرسة ليست مبنىً فقط.
إنها وفاءٌ لوعد.
وأن كل طفلٍ يدخل بابها، هو في الحقيقة يكتب سطرًا جديدًا في قصة ذلك الرجل الذي لم يرضَ أن يبقى التعليم تحت الشجرة.

ربما لن يعرف الأطفال يومًا من كان أول من تألم لمشهدهم…
وربما لن يعرفوا كم من الخطوات قطعت حتى أصبحت لهم مدرسة.

لكن الله يعرف.
ويكفي أن الله يعرف.

فكم من عملٍ صغير في أعين الناس… كبيرٌ عند الله.

وكم من وعدٍ قيل في لحظة…
ثم ظل أثره يمشي سنوات.

لهذا، كلما رأيت مدرسةً في قريةٍ بعيدة، لم أعد أرى جدرانًا وفصولًا فقط.
أبحث عن الشجرة…
عن تلك اللحظة الأولى…
عن ذلك القلب الذي قال:
لن يبقى طفلٌ هنا يتعلم تحت شجرة بإذن الله. ثم وفّى.

✦ ذكريات مسافر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top