
محمد تهامي
الخميس 14 ربيع الأول 1441هـ | 27 أغسطس 2026 | الدوحة
بعض الاتصالات تأتيك لتسأل عن حالك، وبعضها يأتيك محمّلًا بحالٍ كامل. وفي مساء الخميس، وقبل المغرب بقليل، جاء اتصال العزيز أبو جَنّة. ويعرف أن ساعة المغرب للصائم ليست مجرد ساعةٍ على عقارب الساعة، بل موعدٌ مع دعاءٍ ورجاءٍ وانتظار. لكن الاتصال جاءني متأخرًا، فلم أره في وقته. وحين اطلعت عليه، بادرت بالتواصل معه. قال لي ببساطته التي لا تعرف التكلف: كنت مستعدًا أن آتي لأصلي المغرب معكم، ومعي وجبة من السمك المشوي.
وهنا ابتسم القلب قبل الوجه. فهو يعرف أن للسمك البلطي عندي حكاية، وأن بعض الأطعمة لا تكون طعامًا حين تأتي من يدٍ تحبك؛ تصبح رسالةً بلغةٍ أخرى. وسألته عن الأهل، فعلمت أن الغالية أم جنة غير موجودة، حيث تقوم بواجب اجتماعي عائلي. فقلت له: خذ راحتك يا أبا جَنّة، أنتظرك بإذن الله. لم يكن في الأمر تكلف، ولا ترتيب مسبق، ولا دعوة رسمية. كان مجرد خاطرٍ طيب تحرك في قلب رجلٍ طيب.
ثم جاء وقت العشاء، واتصل بي العزيز أبو جَنّة، فقلت له: نتقابل في المصلى. وكان اللقاء. صلينا، ثم عدنا، وبدأ بيننا حديثٌ هادئ، كأن الليل كان يريد أن يمنحنا دقائق إضافية من الصحبة. وفي أثناء الحديث كان إصراره على تناول الطعام واضحًا. قلت في نفسي: لعلها وجبة بسيطة. فبعض الناس إذا قالوا: “معي شيء بسيط”، كنت تتوقع طبقًا صغيرًا. لكن مع أبي جَنّة… البساطة لها تعريف آخر. فتحت الحقيبة.
وهنا بدأت الحكاية. كان في الحقيبة طبق من السمك البلطي المشوي بالردة؛ ذلك السمك الذي لا يحتاج إلى تعريف، فقد كانت رائحته وحدها تقول إن وراءه يدًا وقفت طويلًا من أجله. وبجانبه سمك البربور المقلي، جميل اللون، مقرمش الأطراف، كأنه خرج لتوه من ذاكرة مطبخ يعرف كيف يجعل البحر قريبًا من المائدة. ثم طبق من السلطة، بتلك الروح التي يصعب أن تنسبها إلى مدرسة واحدة؛ بين الغزاوية والشرقاوية والههياوية، لكنها في النهاية تحمل توقيعًا واحدًا: توقيع أبي جَنّة. ثم جاء أرز الصيادية، ليكمل الحكاية ويضع للمائدة عنوانها الأخير.
وسألت عن السمك. فعلمت أن أبا جَنّة لم يشترِه ثم يكتفِ بحمله. بل ذهب، واشترى السمك، ونظفه بيده، وشارك أهل البيت في إعداده، ثم أكمل ما يحتاج إليه من تجهيز، واستعان بأحد المطاعم فيما يلزم، ثم حمله وجاء. وهنا يتغير معنى الطعام. فالطبق الذي يصل إليك جاهزًا قد يشبعك. أما الطبق الذي قطعت من أجله مسافة، وبُذل فيه وقت، وتحركت لأجله يد، وشاركت فيه أسرة، وتذكرك صاحبه أثناء كل خطوة… فهذا لا يشبع المعدة فقط؛ هذا يطعم القلب. وقد قيل في حكمة لا تكاد تُروى: “ ليس الكريم من ملأ يدك، وإنما الكريم من ترك في يدك أثرًا لا تستطيع الأيام محوه.” وهذا بالضبط ما فعله أبو جَنّة.
ثلاث وجبات… وربما أربع
ولهذا تأخرت في الكتابة عن هذه المائدة. فكلما هممت أن أكتب قلت: هذه ليست وجبة واحدة! لقد كانت الحكاية، إن شئت الدقة، ثلاث وجبات… وربما أربعًا. إفطار الأمس. وسحور اليوم. وإفطار اليوم. ثم بقي منها ما يكفي للغد بإذن الله. وكأن أبا جَنّة لم يحمل حقيبة طعام؛ حمل معه وقتًا ممتدًا من الكرم. وهذه من أجمل صور العطاء؛ أن يعطيك الإنسان شيئًا، ثم يكتشف بعد ذلك أن ما أعطاك إياه لم ينتهِ بانتهاء اللحظة. فالكرم الحقيقي لا يُقاس بحجم الطبق، وإنما بعدد الأيام التي يظل أثره فيها حاضرًا.
أبو جَنّة… حين تصبح المحبة فعلًا
هناك أناس يقولون: “إذا احتجت شيئًا فأخبرني.” زهناك أناس لا ينتظرون أن تخبرهم. وهناك قلة نادرة تقول قلوبهم قبل ألسنتهم: “عرفت أنك تحتاج… فجئت“ وأبو جَنّة من الصنف الأخير. لم يحتج إلى مناسبة. لم ينتظر دعوة. لم يقل: هل سيعجبك الطعام؟ هو يعرف. ولذلك اختار السمك الذي يعرف أنني أحبه. وهذه واحدة من أرقى درجات المعرفة بالإنسان: أن تحفظ ما يحب، دون أن يطلبه.
ولعل الرافعي كان قريبًا من هذا المعنى حين جعل جمال العلاقات الإنسانية قائمًا على ما وراء الألفاظ؛ فليست المودة في كثرة الكلام، وإنما في أن يشعر الإنسان أن هناك قلبًا ينتبه له. وأبو جَنّة انتبه. انتبه إلى الصيام. وانتبه إلى حبي للسمك. وانتبه إلى الوقت. وانتبه إلى أن يأتي بنفسه. وانتبه إلى أن يجهز الطعام. وانتبه إلى أن يجعل في الحقيبة ما يكفي لأكثر من يوم. فأي كرم هذا الذي يتسلل إلى التفاصيل دون أن يعلن عن نفسه؟
البيوت التي تُخرج أمثال هؤلاء
وحين ترى هذا السلوك، لا تستطيع أن تفصل الرجل عن بيته. وراء هذه اليد التي تنظف السمك، وتجهزه، وتحمله، بيتٌ شارك في المحبة. وراء هذا الرجل أسرة. وراءه زوجة كريمة. وراءه أبناء يتعلمون، قبل أن يتعلموا بالكلام، أن البيت الذي يعيش فيه الكرم لا يحتاج إلى دروس كثيرة في الكرم. ولذلك تظل الأسرة حاضرة في الدعاء، حتى إن غابت عن المشهد. اللهم بارك لأبي جَنّة، وللغالية أم جَنّة، وبارك في جَنّة ونادي، وحفصة، وعبيدة، وخديجة. اللهم اجعل بيتهم بيت تقوى ورضا، وبيت مودة ورحمة، وبيتًا إذا ذُكر فيه الخير حضر، وإذا دُعي فيه الدعاء صعد، وإذا طرقه محتاج وجد فيه قلبًا قبل أن يجد يدًا.
اللهم احفظهم جميعًا بعينك التي لا تنام. اللهم ارزق أبا جَنّة وأم جَنّة الصحة والعافية وراحة البال، وبارك لهما في أبنائهما، واجعلهم قرة عين لهما، وألبس أبناءهما ثوب الصلاح والعافية، واحفظ جَنّة ونادي وحفصة وعبيدة وخديجة من كل سوء. اللهم اجعل لهم في كل طريقٍ سلامة، وفي كل خطوةٍ بركة، وفي كل يومٍ رزقًا، وفي كل دعاءٍ قبولًا. اللهم كما أطعمونا من طيب ما رزقتهم، فأطعم قلوبهم من طمأنينتك، واسقهم من رحمتك، وأكرمهم من واسع فضلك.
وفي آخر الحكاية… لم يبقَ السمك وحده
في آخر الليل، وبعد أن هدأت تفاصيل اليوم، أدركت أن الذي بقي في المكان لم يكن رائحة السمك، ولا جمال الأرز، ولا طعم السلطة. الذي بقي هو الموقف. أن يتصل بك رجل لأنه تذكرك وأنت صائم. أن يستعد ليأتيك. أن يعرف ما تحب. أن يشتريه. أن ينظفه بيده. أن يشارك أهله في إعداده. أن يحمله إليك. ثم يجلس أمامك وكأن الأمر كله عادي. هذه هي المشكلة الجميلة في أهل القلوب الكبيرة: يفعلون أشياء عظيمة، ثم يتصرفون كأنهم لم يفعلوا شيئًا.
يا أبا جَنّة… جزاك الله عن هذه المودة خير الجزاء. ما قدمته لم يكن سمكًا مشويًا، ولا بربورًا مقليًا، ولا أرز صيادية، ولا سلطة. لقد قدمت شيئًا أندر: قدمت اهتمامًا. والاهتمام، في زمنٍ أصبح فيه الناس مشغولين عن بعضهم، صورة من صور الوفاء النادرة. لذلك ستبقى هذه المائدة في الذاكرة. ليس لأنها كانت مائدةً عامرة… بل لأنها جاءت من قلبٍ عامر. وما أجمل أن ينتهي يوم الخميس، ويبقى في النفس يقين صغير: أن الدنيا، مهما ازدحمت، ما زالت بخير… ما دام فيها أبو جَنّة وأمثاله.
اللهم احفظ أبا جَنّة وأم جَنّة وأبناءهما، واجعل بيتهم في تقوى ومحبة، وارزقهم الذرية الصالحة، وبارك في أعمارهم وأعمالهم وأيامهم، ورد إليهم كل خيرٍ قدموه مضاعفًا رحمةً ورضوانًا وسعادة.
اللهم اجعل مودتنا خالصة لوجهك، وصحبتنا عونًا على الخير، واجمعنا دائمًا على طاعتك، وفي رحمتك، وتحت لواء حبيبك المصطفى ﷺ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.