
محمد تهامي
ليست كل الدعوات إلى الغداء دعواتٍ إلى الطعام. بعضها دعوةٌ إلى البيت، وبعضها دعوةٌ إلى الذكريات، وبعضها دعوةٌ إلى صحبةٍ تُعيد ترتيب شيءٍ في القلب. وفي مساءٍ سبق الجمعة، جاء اتصال العزيز المهندس خالد ضيف، دعوةٌ واضحة، ونبرةٌ لا تترك مجالًا كبيرًا للاعتذار: الغداء عندنا يوم الجمعة في البيت بإذن الله. حاولت أن أثنيه، كما أفعل أحيانًا حين أشعر أن الكرام أثقلوا على أنفسهم من أجلنا، لكنه أصرّ. ثم اتفقنا أن يمرّ علينا لصلاة الجمعة، لنصلي معًا.
وجاء يوم الجمعة. وكان الموعد مع جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، ذلك الصرح الذي يحمل في أجوائه هيبة المكان وروح العبادة. وأُقيمت صلاة الجمعة، وكان حديث الخطبة عن صلة الرحم. وما أعجب الأقدار حين تختار للإنسان موضوع اليوم قبل أن تبدأ حكايته!
خرجنا من الصلاة، وكأن الخطبة لم تكن حديثًا سمعناه وانتهى، بل كانت مفتاحًا صغيرًا لما سيأتي بعد ذلك. انطلقنا إلى البيت. وكان معنا صاحبٌ كريم، وصحبٌ كرام، وحديثٌ رقيق عن الكنانة؛ عن مصر، وعن الأرض التي تختزن في ذاكرتها أجيالًا من الحكايات، وعن الناس حين تكون البلاد في القلب أكثر مما تكون على الخريطة.
حين يفتح البيت قلبه
وصلنا. وكان الاستقبال يحمل ذلك النوع من الحفاوة الذي لا يحتاج إلى كلمات كثيرة. فبعض البيوت حين تدخلها تشعر فورًا أنك لم تدخل بيتًا غريبًا. تشعر أنك دخلت إلى مساحةٍ من الألفة. كانت البداية مع مائدة التمور والمكسرات، ثم طبق الفاكهة المتنوعة. وهذه ليست مجرد مقدماتٍ للطعام. إنها في بيوت الكرام طريقة للقول: خذوا راحتكم… أنتم بين أهلكم. ثم جاءت المائدة الكبرى. صوانٍ من الكبسة، يتربع فوقها الخروف، وكأن المائدة أعلنت منذ لحظتها الأولى أنها لا تعرف الاقتصاد في المحبة. وكان معها اللبن، والماء، وأطباق الزيتون، وما يليق بمائدةٍ اجتمع حولها صحبٌ كرام.
لكن المشهد الذي استوقفني لم يكن حجم الطعام. كان المهندس خالد نفسه. فبدل أن يجلس صاحب البيت منتظرًا أن يخدمه الآخرون، أخذ يخدم الحضور بيده. يضع الطعام في الأطباق. يتفقد هذا. ويمدّ لذاك. وبين الفينة والأخرى يحمل اللحوم ويوزعها على الجالسين. وهنا تتغير صورة الكرم. فالكرم ليس أن تضع الطعام على المائدة فقط. الكرم أن تظل واقفًا على المائدة وقلبك واقفٌ مع ضيوفك. وقد قال حكيم عبارة أحبها: “حين يأكل صاحب البيت وحده، فهو صاحب مائدة؛ وحين يطعم ضيفه بيده، يصبح صاحب أثر.”
وهذا ما رأيناه. مائدةٌ تلد مائدة
وحين ظننا أن المائدة قد اكتملت، اكتشفنا أن الكرم لا يحب النهايات السريعة. جاء الشاي. ومعه البسبوسة من صناعة أهل البيت. وهنا دخلنا إلى فصلٍ آخر من الحكاية. فالحلوى المنزلية لها لغة مختلفة؛ لأنك لا تأكل فيها السكر والدقيق فقط، بل تأكل وقتًا بذلته يد، وحرصًا أراد أن يصل إليك في أجمل صورة. ثم جاءت مائدة أخرى. وصوانٍ أخرى. وأطباق فاكهة تتوزع أمامنا وكأننا انتقلنا فجأة من غرفة الطعام إلى بستان صغير. الشمام. والعنب. والكيوي. والمانجو. والبرقوق. ألوانٌ متعددة، وروائح متداخلة، ومشهد يقول إن المائدة حين تصنعها نفسٌ كريمة لا تعرف أين تتوقف.
الكرم الضيفي الشرقاوي
وكان في هذا الكرم شيءٌ من الضيفي الشرقاوي؛ ذلك الكرم الذي لا يتعامل مع الضيف باعتباره شخصًا جاء ليأكل، وإنما باعتباره فرصةً ليُظهر البيت ما فيه من محبة. وهنا حضرت مصر مرة أخرى. فالكرم المصري لا يسأل كثيرًا: هل تريد؟ بل يقول: خذ. ثم إذا أخذت، قال: لم تأخذ شيئًا! وإذا قلت شبعت، قال: هذا ليس أكلًا! وهكذا يصبح الشبع نفسه محل تفاوض. وكانت ضيافة م خالد تحمل هذه الروح الجميلة؛ روحًا فيها كرمٌ شرقاوي، ودفءٌ مصري، وأصالةُ بيتٍ يعرف قيمة الضيف.
حين يصبح الحوار مائدةً أخرى
وبعد الطعام، لم يكن هناك استعجال للانصراف. كان الحوار لطيفًا. حديثٌ عن القيم، وعن معناها حين تتحول من كلماتٍ جميلة إلى سلوك يومي. فالإنسان قد يتحدث طويلًا عن الكرم، ثم تأتي مائدةٌ واحدة لتشرح الكرم دون محاضرة. وقد يتحدث عن التواضع، ثم ترى صاحب البيت يحمل الطعام بيده. وقد يتحدث عن صلة الرحم، ثم تجد أن أجمل صلة ليست بالدم وحده، وإنما بتلك الروابط التي تصنعها الأيام والقلوب. وخلال الجلسة كان هناك اتصالٌ بأحد الأصدقاء والأساتذة من أهل البلاد، وكان في الاتصال معنى آخر من معاني الامتداد الروحي؛ فالعلاقات الجميلة لا تعيش في المكان وحده، وإنما تمتد عبر الهاتف، وعبر الذكر، وعبر الدعاء، وعبر سؤالٍ صادق عن إنسان غائب. وهكذا اكتشفت أن مائدة ذلك اليوم كانت في الحقيقة عدة موائد: مائدة طعام. ومائدة صحبة. ومائدة قيم. ومائدة ذكريات. ومائدة قلوب.
إلى خالد… صاحب البيت الذي خدم ضيوفه، يا مهندس خالد…
شكرًا لا تكفي. فما رأيناه لم يكن كثرة أطباق، وإن كانت كثيرة. ولم يكن خروفًا يتربع فوق الكبسة، وإن كان حضوره يليق بمائدةٍ كبيرة. ولم يكن بستان الفاكهة الذي جاء بعده، وإن كان جميلًا. ما بقي في النفس هو صاحب المائدة. ذلك الرجل الذي دعا، ثم انتظر، ثم استقبل، ثم خدم، ثم وزع، ثم جلس للحوار، وكأنه يريد أن يقول لنا دون أن يقول: أنتم لستم ضيوفًا… أنتم أهل. وهذه وحدها منزلة لا تُشترى.
دعاءٌ لأهل البيت
اللهم بارك للعزيز م خالد في عمره وعمله، ورزقه، وبيته، وأهله. اللهم اجزه عن كرم الضيافة، وحسن الاستقبال، وطيب الصحبة، وعن كل لقمةٍ قدمها، وكل يدٍ امتدت بالطعام، وكل خاطرٍ أسعده، خير الجزاء. اللهم بارك له في الغالية أم عبد الرحمن، والغاليين جهاد، وعبد الرحمن وعمر ومحمد، واجعلهم جميعًا قرة عينٍ له، واحفظهم بحفظك، وأنبتهم نباتًا حسنًا، واكتب لهم من الخير أجمله ومن العافية أكملها.
اللهم اجعل بيتهم بيت سكينة ورحمة، وبيتًا تفتح أبوابه على الخير، وتغلق أبوابه عن الحزن والمرض والهم. اللهم بارك لهم، وأدم بينهم المودة، واحفظ لهم أحبتهم، وارزقهم بر الأبناء وصلاحهم ونجاحهم. اللهم كما أكرمونا في بيتهم، فأكرمهم في بيوتهم وقلوبهم وأيامهم. اللهم ارزقهم رزقًا واسعًا طيبًا مباركًا، وراحةً لا تنقطع، وصحةً لا تزول، وذريةً صالحةً تمتد بها أفراحهم جيلًا بعد جيل. اللهم اجعل ما قدموه لنا نورًا لهم يوم يلقونك، واجعل هذه الصحبة خالصةً لوجهك، واجمعنا دائمًا على الخير، وفي الخير، وإلى الخير.
وما بقي من الجمعة
في تلك الجمعة، خرجنا من المسجد بعد خطبةٍ تتحدث عن صلة الرحم. ثم دخلنا بيتًا يشرح صلة الرحم والمودة بالسلوك قبل الكلام. وكانت الكبسة ساخنة، والخروف يتربع على المائدة، والفاكهة تشبه البستان، والبسبوسة تحمل رائحة البيت، والشاي يجمع أطراف الحديث. لكن أجمل ما في اليوم كله لم يكن على طبق. كان في يد المهندس خالد وهي تقدم الطعام لضيوفه. وهنا فهمت شيئًا: قد تكون المائدة كبيرة، لكن صاحبها هو الذي يمنحها قيمتها. وقد تكون الأطباق كثيرة، لكن لقمةً واحدة من يدٍ محبة قد تساوي مائدةً كاملة.
ولهذا حين غادرنا، لم أشعر أننا غادرنا منزلًا تناولنا فيه الغداء. شعرت أننا خرجنا من بيتٍ ترك في القلب شيئًا منه. وكانت تلك الجمعة تقول لنا، بهدوءٍ يشبه الحكمة: إن صلة الرحم ليست دائمًا أن تكون من الرحم… أحيانًا يكفي أن تكون من الرحمة. وما أجمل أن يفتح الإنسان بيته للناس… ثم يكتشف بعد سنوات أن أجمل ما بناه في حياته لم يكن بيتًا من حجر، بل بيوتًا من المودة في قلوب الآخرين.