
محمد تهامي
كانت ليلة الأربعاء، التاسع من سبتمبر 2026. كنت برفقة العزيز أحمد نادي، نقضي بعض المشاوير، ثم أوصلني إلى مقر إقامتي. اعتذر بلطف أن لديه مستجدًا يمنعه من الصعود معي لتناول العشاء. لم أفكر كثيرًا في الأمر. صعدت. أنجزت ما بقي من أعمالي، ثم فتحت الحقيبة التي كانت معي… فإذا بي أمام مائدة صغيرة تخفي قلبًا كبيرًا. طبق من السمك المشوي بالردة، على الطريقة المصرية. وطبق ممتلئ بالسمك البربور الأحمر، أو ما يعرف في بعض البلاد بـ “السلطان إبراهيم”. وطبق من الأرز الصيادية. ومسحوق الصلصة الحارة الذي يسميه أهل اليمن “السحّوق”. كانت وجبة دسمة كريمة، تكفي لأن أقول في نفسي: سأفطر بما يتبقى منها غدًا بإذن الله. لكنني لم أكن أعرف أن هذه ليست نهاية الحكاية. كانت تلك…مجرد مقدمة.
بعض الموائد تبدأ بعد أن نظن أنها انتهت
جاء يوم الخميس. ومضى النهار. وبعد المغرب، رن هاتفي. رقم لم يكن مسجلًا لدي. ترددت لحظة في الرد. ثم أجبت. فإذا بصوت شاب عزيز يناديني: “عمو… حضرتك موجود في مقر الإقامة؟” رحبت به. ثم قلت له ما بيني وبينه، بمحبة: “أهلًا بك، لكن أرجوك… لا تحمل شيئًا من البيت.” فجاءت الإجابة التي أحرجتني من شدّة جمالها: “عمو… هذه هدية من الوالدة الغالية” هنا… سكت شيءٌ في داخلي. لأن بعض الكلمات لا تحتاج إلى جواب. حين تعجز الكلمات عن مجاراة الكرم حاولت أن أقول ما أشعر به. وحاولت أن أشرح لأبي فارس نادي كم أحرجني هذا الكرم. لكن المشاعر أحيانًا لا تعرف كيف تتحول إلى كلام. وأصرّ هو. وأصررت. ثم انتصر كرم البيت. وقبلت. ليس لأنني كنت بحاجة إلى الطعام… بل لأنني لم أستطع أن أرد قلبًا جاءني بهذه الصورة. ثم جاء نادي… ولم يكن يحمل حقيبة عادية. كانت حقيبة تحتاج إلى يدين. غادر. وبقيت أنا أمام “المائدة”. لا، لم تكن مائدة. كانت شيئًا آخر. كانت بيتًا متنقلًا.
هذه المرة… جاء البيت كله
فتحت الحقيبة. فإذا بي أمام مائدة من مطبخ بيتٍ عريق، من كرم آل راغب وآل الشيخ طه، مائدة لا تستطيع أن تنظر إليها بعين الطعام فقط. صينية كبيرة من المحشي. ورق عنب. وباذنجان. وكوسة. وكرنب. وإناء من شوربة لسان العصفور. وإناء من الملوخية الخضراء. وطبق دجاج محمر. ولحم مسلوق. وطبق من الرقاق الحلو… “الكولاش»” المبروم. تأملت المشهد. وضَحِكت. وقلت في نفسي: كيف يستطيع بيتٌ أن يضع كل هذا الحب داخل حقيبة؟ لم تكن أم جنة تطبخ طعامًا… كانت تطبخ رسالة وهنا تتغير الحكاية. فالطعام يمكن أن يُشترى. لكن المائدة لا تُشترى. المائدة تبدأ قبل المطبخ. تبدأ حين تفكر الأم: “هذا الرجل بعيد عن بيته… ماذا يأكل؟” ثم تبدأ الأيدي. يد تقطع. ويد تطهو. ويد ترتب. ويد تغلف. ثم يأتي الابن. يحمل. ثم تصل المائدة إلى رجلٍ بعيد. هكذا يصبح الطعام لغة. لغة لا تقول: كل. بل تقول: نحن نفكر فيك.
هناك فرق بين أن تطعم إنسانًا… وأن تطمئنه
قد يأكل الإنسان في أفخم المطاعم. وقد يجد على مائدته ما يشتهي. لكن ذلك لا يعني أنه شعر بالبيت. هناك طعام يشبع المعدة. وهناك طعام يشبع الغربة. وهناك فرق هائل. فالإنسان حين يكون بعيدًا عن أهله لا يحتاج دائمًا إلى الطعام. أحيانًا يحتاج إلى شيء أبسط: أن يشعر أن هناك بيتًا ما… فتح له بابه دون أن يطلب. “أنت بين أهلك” لا تُقال دائمًا بالكلمات أحيانًا يقولها لك شخص. وأحيانًا يقولها لك كوب شاي. وأحيانًا طبق محشي. وأحيانًا ملوخية خضراء. وأحيانًا سمكة مشوية بالردة. وأحيانًا حقيبة يحملها شاب إلى باب غرفتك. فتفهم الرسالة دون أن يقول أحد شيئًا: أنت لست وحدك.
المائدة المتنقلة
منذ تلك الليلة، فكرت في التعبير: المائدة المتنقلة. ما أجمله! لأن المائدة لم تكن ثابتة في بيت أحمد نادي. لقد تحركت. خرجت من البيت. وحملت معها رائحة المطبخ. وذاكرة الأم. وكرم الأب. ومحبة الأبناء. ووصلت إلى مكان إقامتي. ثم فتحت الحقيبة… فخرج البيت كله. الكرم الذي يُحرج القلب، هناك كرم يجعلك تقول: “شكرًا.” وهناك كرم يجعلك تعجز حتى عن الشكر. هذا النوع الثاني هو الذي لا تعرف كيف ترده. لأنك حين تحاول أن تشكره، تشعر أنك تصغر أمام ما فُعل. ولذلك لم أجد في تلك اللحظة إلا الدعاء. فبعض الجميل أكبر من قدرة الكلمات على ردّه.
أم جنة… صنعت من المطبخ جسرًا
قد لا تعرف الغالية أم جنة ماذا فعلت تلك المائدة في نفس إنسان بعيد عن بيته. ربما كانت بالنسبة إليها: “أطباقًا نرسلها لعمو.” لكنها بالنسبة إليّ كانت أكثر. كانت رسالة. وكانت لوحة إبداعية. وكانت تذكيرًا بأن الخير لا يزال له بيوت. وأن الكرم لا يزال له أهل. وأن الأم تستطيع، أحيانًا، أن ترسل مودة إلى رجلٍ بعيد دون أن تراه. فالأخوة لا تحتاج إلى حضور الجسد.
ونادي… كان رسول المائدة
أما أبو فارس نادي، فلم يكن مجرد شخص أوصل طعامًا. كان يحمل أمانة بيت. كان يستطيع أن يقول: “الوالدة أرسلت لكم شيئًا.” وينتهي الأمر. لكنه أصر. وتابع.. ثم جاء بنفسه وكأن الرسالة تقول: هذا البيت لا يترك ضيفه ينام بعيدًا عن مائدته.
أجمل البيوت ليست الأكبر… بل الأوسع قلبًا
لا أعرف مساحة بيت آل نادي. ولا عدد غرفه. ولا حجم مطبخه. لكنني أعرف شيئًا: أنه يتسع لإنسان بعيد عن بيته. وهذه هي المساحة التي تهمني. فقد يكون البيت كبيرًا ولا يتسع لأحد. وقد يكون صغيرًا، لكنك حين تدخله تشعر أن العالم كله صار أهدأ. سعة البيت لا تقاس بالجدران. تقاس بعدد القلوب التي تستطيع أن تستريح فيه.
من السمك إلى المحشي… قصة ليست عن الطعام
قد يقرأ أحدهم هذه القصة فيظن أننا نتحدث عن أصناف الطعام. لا. نحن نتحدث عن المعنى الذي وضعه الناس داخل الطعام. السمك لم يكن سمكًا فقط. والملوخية لم تكن ملوخية. والمحشي لم يكن محشيًا. والكولاش لم يكن حلوى. كل طبق كان يقول: “تذكرناك.” وكل صنف كان يحمل جزءًا من البيت. ولهذا كانت المائدة ثقيلة… لا بالطعام. بالمحبة.
في زمن السرعة… ما زال هناك من يصنع الطعام ببطء
نعيش في عالم تستطيع فيه أن تطلب وجبتك بضغطة زر. تختار. وتدفع. وتصل. لكن هناك وجبات لا تستطيع التطبيقات أن توصلها. لأنها لا تُطبخ في المطبخ فقط. تُطبخ في القلب. وهذه المائدة واحدة منها. قد تستطيع أن تطلب “محشيًا”من أي مكان. لكن لا تستطيع أن تطلب: محشيًا صنعته أمٌّ لأنها تذكرتك. هذه هي الضيافة حين تتحول إلى قيمة الضيافة ليست أن يكون عندك طعام زائد. الضيافة أن يكون عندك قلب زائد. أن تشعر أن القادم إليك لم يأتِ ليستهلك مكانًا على مائدتك. بل جاء ليأخذ مكانًا في قلبك. ولهذا فإن البيوت الكريمة لا تسأل كثيرًا: “ماذا يحتاج؟” تقول: “ماذا نستطيع أن نفعل؟”
ثم تفعل.
أجمل ما في الكرم… أنه لا ينتظر المناسبة
لم تكن هناك مناسبة. ولا دعوة رسمية. ولا احتفال. ولا موعد معدّ مسبقًا. كان هناك فقط: إنسان بعيد عن بيته. وهذا كان كافيًا. وهذه من أجمل علامات الكرم: ألا يحتاج إلى مناسبة.
المائدة التي تُربي أبناءها
وفي هذه القصة درس للأبناء أيضًا. نادي لم يحمل الطعام فقط. حمل قيمة. تعلمها في البيت. وعندما يحمل الابن مائدة أمه إلى رجلٍ بعيد، فهو لا ينقل الطعام فقط. ينقل تربية البيت. وهنا أفهم لماذا لا تموت بعض البيوت بعد أصحابها. لأن أبناءها يحملون أخلاقها إلى الخارج. بعض البيوت تُعرف بما يخرج منها، هناك بيت يخرج منه المال. وبيت يخرج منه العلم. وبيت يخرج منه الأدب. وبيت يخرج منه الخير. وبيت يخرج منه الطعام. لكن أجمل البيوت… ذلك الذي يخرج منه الإنسان أفضل مما دخل. وأظن أن مائدة آل نادي كانت تحمل هذا المعنى.
حين يصبح الطعام ذاكرة
بعد سنوات، قد لا أتذكر تفاصيل كثيرة من تلك الرحلة. قد أنسى بعض الأعمال. وبعض المشاوير. وبعض الأيام. لكنني على يقين أنني سأذكر: ليلة الأربعاء. السمك المشوي بالردة. البربور الأحمر. الأرز الصيادية. السحّوق. ثم مساء الخميس. الهاتف. الصوت الذي قال: “عمو… حضرتك موجود؟” ثم الحقيبة التي احتاجت إلى يدين. ثم المحشي. والملوخية. ولسان العصفور. والدجاج. واللحم. والكولاش. لكن فوق كل ذلك… سأتذكر أمًا قالت دون أن تقول: لا نريدك أن تكون بعيدًا عن مائدتنا.
بعض الناس يطعمونك… وبعضهم يطعمون وحدتك
وهذا فرق لا يعرفه إلا من ذاق الغربة. قد يكون الإنسان محاطًا بالناس… ويشعر أنه وحده. وقد يكون بعيدًا عن أهله آلاف الكيلومترات… ثم تأتيه حقيبة صغيرة. فيفهم: لست وحدك. هذه هي قيمة المائدة الحقيقية. أنها لا تملأ المكان بالطعام فقط. بل تملأ القلب بالطمأنينة. وهنا أفهم معنى “أهل البيت” ليس أهل البيت فقط من يسكنون تحت سقف واحد. أحيانًا يكون أهل البيت هم الذين: يتذكرونك حين تغيب. يسألون عنك حين تنشغل. يطعمونك حين تبتعد. ويصرون على كرمهم حين تحاول أن تردهم. ويفرحون لأنك قبلت منهم. هؤلاء… أهل بيتٍ بالقلب، وإن لم تجمعكم جدران.
يا آل نادي… ماذا أقول لكم؟
ماذا يستطيع إنسان أن يقول لبيتٍ أرسل إليه مائدته؟ هل يقول: شكرًا؟ أشعر أن “شكرًا” قليلة. هل يقول: أكرمكم الله؟ أشعر أن الدعاء هو اللغة الوحيدة التي تليق. ولهذا، في هذه الساعة، لا أملك لكم إلا أن أرفع يدي إلى رب السماء: اللهم بارك في بيت الغالي أحمد نادي أبي جنة، وفي الغالية أم جنة، وفي نادي وجنة، وحفصة، وعبيدة، وخديجة. اللهم اجعل الكرم الذي خرج من بيتهم نورًا يعود إليهم. اللهم كما أطعموا قلبًا بعيدًا عن أهله، فأطعم قلوبهم من طمأنينتك. وكما أدخلوا السرور على نفسٍ فقيرة إلى ربها، فأدخل السرور إلى بيوتهم وقلوبهم وأيامهم. اللهم احفظهم فردًا فردًا. واكتب لهم من الخير أكثر مما تمنوا. ومن البركة أكثر مما أعطوا. ومن السعادة أكثر مما أسعدوا. ومن العافية ما يغنيهم عن سؤال غيرك.
ولأم جنة دعاءٌ خاص
يا رب… هذه أمٌ طبخت بقلبها. فاجعل كل يدٍ امتدت إلى طعامها رحمةً لها. وكل لقمة خرجت من بيتها في ميزان حسناتها. وكل فرحةٍ صنعتها في قلب ضيفٍ صدقةً جارية في عمرها. اللهم احفظها لأهلها. واحفظ أهلها لها. واجعل بيتها عامرًا بالمحبة، موصولًا بالرحمة، محاطًا بالستر والعافية. ولا تجعل في قلبها أمنيةً إلا قضيتها. ولا همًا إلا فرجته. ولا دعاءً إلا سمعته. ولا عزيزًا إلا حفظته.
ولأحمد نادي وأبنائه اللهم بارك في نادي. وفي جنة. وحفصة. وعبيدة. وخديجة. اللهم اجعلهم أبناء برٍّ ووفاء. واجعل ما تعلموه في هذا البيت من كرمٍ ورحمةٍ ومحبةٍ ميراثًا لا ينقطع. واجعل بينهم من المودة ما يجعل كل واحدٍ منهم سندًا للآخر. واكتب لهم حياةً طيبة. وقلوبًا مطمئنة. وأيامًا جميلة. وأرزاقًا واسعة. وسترًا لا ينكشف. وعافيةً لا تزول.
وأما أنا… فليس لي أمام هذه المائدة إلا الامتنان. امتنانٌ للسمك. وللمحشي. وللملوخية. وللسان العصفور. وللدجاج. وللحم. وللكولاش. لكنني، قبل كل ذلك، ممتنٌّ لليد التي صنعت. وللقلب الذي تذكر. وللابن الذي حمل. وللبيت الذي قال لرجلٍ بعيد: تعال… هذه مائدتنا، ولك فيها نصيب.
المائدة التي جاءت إليّ
في ليلة الأربعاء… جاءني طبق سمك. وفي مساء الخميس… جاءني بيت. هذه هي الحكاية كلها. ولذلك حين أتذكر تلك الأيام، لن أقول: “تناولت عشاءً طيبًا.” سأقول: مرّ بي بيتٌ كريم… وترك على مائدتي قلبًا. فبعض الموائد لا تنتهي حين تنتهي الوجبة. تبقى رائحتها في الذاكرة. ويبقى طعمها في الروح. ويبقى أصحابها في الدعاء. ويبقى أجمل ما فيها… أنها جاءت إليك دون أن تطلب.
وفي آخر الحكاية… قد ينتهي الطعام. وقد تُغسل الأطباق. وقد تعود الحقيبة فارغة. وقد يعود نادي إلى بيته. لكن هناك أشياء لا تعود فارغة أبدًا. القلب حين يُكرم. وذاكرة الإنسان حين يجد نفسه بين أهله.
ولهذا… إذا سألني أحدهم يومًا: ما الذي كان في تلك الحقيبة؟ لن أعدد له ورق العنب. ولا الكوسة. ولا الباذنجان. ولا الكرنب. ولا الملوخية. ولا الدجاج. ولا اللحم. ولا الكولاش. سأقول له: كان فيها بيت. بيتٌ خرج من بابه… وحمل مائدته… وسافر بها إلى رجلٍ بعيد. وكانت الرسالة، بكل ما فيها، بسيطة جدًا: نحن نعرف أنك بعيد عن بيتك… لكنك لست بعيدًا عن قلوبنا.
وهذا… يا أبا جنة يا أم جنة، يا نادي وجنة وحفصة وعبيدة وخديجة… طعامٌ لا يُنسى، وبيتٌ لا يُنسى، وكرمٌ لا يُردّ إلا بالدعاء. اللهم احفظ هذا البيت وأهله، وبارك فيهم، وأدم عليهم نعمة المحبة والستر والعافية، واجعل كل ما خرج من أيديهم إلى الناس نورًا يعود إليهم أضعافًا من رحمتك وفضلك. آمين.