
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
الطبلية… البداية لكل فهم
في إحدى القرى القديمة، يقول الحكيم: “اللي مشبعش على طبلية أبوه، عمره ما يشبع مهما جابو وأدوه” كلمات بسيطة، لكنها تحمل سرّ القيادة والمؤسسات الرائدة: من لا يعرف الامتنان لما أُعطيه، سيبقى جائعًا داخليًا مهما أعطيه العالم كله. في عالم المؤسسات الحديثة، هذه الحقيقة تتحوّل إلى قاعدة ذهبية: القيادة تبدأ من الإدراك العميق لما لديك، ومن شكر الفريق، الموارد، والتجربة قبل أي شيء آخر.
التجريد… إرادة الهدف الأعلى
القيادة الحقيقية تبدأ من الداخل، من إرادة تجريدية: الرغبة في خدمة رسالة أكبر من النفس، من المنصب، من المكافأة. تأمل عمر بن عبد العزيز عمر بن عبد العزيز: لم يحكم لأجل السلطان، بل للإصلاح والعدل. أي عمل بلا هدف أعلى يظل مجرد حركة ميكانيكية، بينما القيادة هي هدف أسمى يرتبط بالضمير والروح. في العصر الحديث، نجد قصة شابة مؤسِّسة لمشروع تعليم الفتيات في شرق أفريقيا: بدأت بغرفة صغيرة، رؤية كبيرة، ولا تبحث عن تمويل ولا شهرة، بل عن تغيير حياة الأطفال. هذا هو التجريد: إرادة الهدف الأعلى قبل أي شيء آخر.
الأسباب… أدوات الطريق
لكن التجريد وحده لا يكفي. الوسائل، التخطيط، الاستراتيجية، إدارة الفريق، هي الأسباب التي تُحوّل الرؤية إلى واقع. في تجربة مؤسسة إفريقية لإعادة تأهيل المزارع، وجدت الإدارة أن الدافع الروحي وحده لا يكفي. جمع القائد فريقه، حدد الهدف: اكتفاء غذائي ورفع مستوى حياة الفلاحين، ثم استخدم الوسائل: تدريب، تنظيم الموارد، متابعة يومية. النتيجة: مشروع مستدام، وهمة الفريق عالية، والرسالة صادقة. القيادة هنا مزيج من التجريد والأسباب، الروح واليد، الهدف والطريق.
الامتنان… سر المؤسسات الرائدة
من لا يعرف قيمة ما لديه، لا يمكن أن يقود فريقه أو مؤسسته بنجاح. الامتنان هو النقطة التي تربط الدافع الداخلي بالنجاح المؤسسي. في إحدى المؤسسات الإفريقية: بدأت الإدارة بإشراك الفريق في كل إنجاز صغير، وشكرت كل موظف على كل جهد. النتيجة: فريق ملتزم، بيئة مبتكرة، ومؤسسة أصبحت مثالًا عالميًا على القيادة الرشيدة. هنا يظهر سر الحكمة الشعبية: الطبلية، أو امتنان البداية، أساس كل قيادتك ومستقبلك.
الانحطاط… القيادة بلا روح
إذا ركّز القائد على المنصب أو المال فقط، وانفصل عن الهدف الأعلى، يظهر الانحطاط: إدارة بلا قلب، سلطة بلا معنى. مالك بن نبي مالك بن نبي يقول: “الفكرة إذا لم تتحول إلى شعور داخلي بقيت جثة ثقافية.” في مستشفى حديث رأيت مديرًا يركز على الإحصاءات والجداول فقط، دون تقدير لما يقدمه الفريق. النتيجة: موظفون بلا حافز، إجراءات دقيقة بلا روح، نتائج باهتة. القيادة بلا الامتنان والتقدير = إدارة فارغة.
قصص رمزية من المؤسسات الحديثة
1. مؤسسة تعليمية في نيبال: مديرتها أسست مدرسة للأيتام، لم تبحث عن تمويل أو شهرة، بل عن تغيير حياة. كل نجاح صغير احتُفل به، كل خطأ نُقِش برحمة. النتيجة: آلاف الأطفال تعلموا واستمروا في النجاح، والفريق كله مُلهم.
2. شركة تقنية في جنوب آسيا: مؤسسها بدأ مشروعًا لتحسين حياة المزارعين، لم يغره المال، بل خدمة المجتمع. ربط التجريد (تغيير حياة الفلاحين) بالأسباب (التقنية، التمويل، التدريب)، وأصبح المشروع نموذجًا دوليًا.
3. مستشفى في البرازيل أثناء أزمة وبائية: قائد صحي وضع هدفًا نبيلًا (إنقاذ الأرواح) مع إدارة موارد محدودة، وألهم فريقه بالمعنى قبل المكافآت، فتفوقوا على التوقعات، وأصبح المستشفى مثالًا عالميًا في الإدارة الإنسانية.
الربانية… القيادة أمانة قبل سلطة
أعمق دافع داخلي: العمل لأن الله يرى. قال: “الاستبداد يفسد الأخلاق كما تُفسد النار الحطب.” الدافع الرباني يُصلح الأخلاق، ويجعل القيادة مستقيمة، ويولد فريقًا ملتزمًا حتى في غياب الرقابة.
الثقافة تصنع القيادة
قال بيتر دراكر : “الثقافة تأكل الاستراتيجية على الإفطار.” الثقافة لا تصنعها السياسات وحدها، بل أفعال القائد اليومية:
• الاعتذار عن الخطأ قبل أن يُسأل
• إنصاف من لا يملك دفاعًا
• الالتزام بالمعايير العالية حتى في الخفاء
الدافع الداخلي هو الطاهي الخفي الذي يُصنع الثقافة كل صباح.
التنمية المستدامة والإبداع المؤسسي
المؤسسات الرائدة تربط القيادة بالهدف الاجتماعي والاقتصادي:
• الابتكار لا يكون فقط للتنافس، بل لخدمة المجتمع
• الموارد لا تُدار للربح فقط، بل للتأثير الإيجابي طويل المدى
• الفريق يُلهم لأن القيادة نموذج حي للتقدير، الامتنان، والهمّة
هنا تظهر القيادة الحقيقية كـ نظام ديناميكي مستدام، يربط الرؤية، الوسائل، الثقافة، التنمية، والروح.
القيادة التي تدخل التاريخ
القيادة تبدأ من الطبلية، من الامتنان، من معرفة قيمة ما لديك. ثم تتوسع لتشمل التجريد، الوسائل، الثقافة، التنمية، والدافع الداخلي. إن لم يكن لديك دافع داخلي، ستظل جائعًا، مهما أعطيك العالم كله. لكن إذا جمعت بين همّة عليا، التجريد، الأسباب، الامتنان، الدافع الداخلي، والربانية، تصبح القيادة أثرًا خالدًا، مرجعًا عالميًا، ومؤسسة رائدة في كل معنى الكلمة. القيادة أمانة قبل سلطة، وهدفها الأسمى: خدمة الإنسان والمجتمع والتاريخ نفسه.