
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
بعد جمعة اليوم، وأنا أقرأ آيات الأمانة في خواتيم سورة البقرة، توقفت طويلًا عند قول الله تعالى:
﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾.
وإذا بالآية تفتح في داخلي بابًا من الذكريات. عاد إليّ الأول من أكتوبر… وعادت معه جدة، ومطارها، وسفرٌ كنت يومها برفقة زوجتي، ووجه رجلٍ كريم لم تكن لقاءاتي به كثيرة، ولم تكن معرفتي به طويلة، لكن بعض البشر لا يحتاجون إلى كثرة اللقاء حتى يسكنوا أعماق القلب. كان الأستاذ الكبير الأستاذ أحمد علام ينتظرنا في مطار جدة. لم يكن بيننا من اللقاءات إلا القليل. لقاءات معدودة، لكنها كانت كافية لأكتشف أمامي إنسانًا مختلفًا: أستاذًا… ومعلّمًا… ومربّيًا… وأبًا. وما أعجب القلوب! قد يعيش الإنسان مع شخص سنوات، فلا يترك فيه إلا ذكرى عابرة. وقد يلتقي بإنسان مرات معدودة، فإذا به يحفر في القلب مكانًا لا تستطيع الأيام أن تطمسه.
ظننت أنه الفندق
بعد أن استقبلنا في المطار، ظننت أنه سيأخذنا إلى الفندق. جلست إلى جواره، وزوجتي معي، والطريق يمضي. حتى توقفت السيارة. نظرت حولي. قلت في نفسي: هذا ليس فندقًا! فسألته: خيرًا أستاذ أحمد؟ إلى أين نذهب؟ فقال بكل بساطة: “إلى بيتك”. لم أفهم الكلمة من أول وهلة. قلت: أستاذ… لا أريد أن أشق عليك. فنظر إليّ وكأنني قلت شيئًا لا يليق. وقال: عيب يا محمد تقول هذا الكلام… كيف تقول أشق عليك؟ البيت بيتك، وفيه مكان لك ولزوجتك، وما في أي حرج عندنا.” يا الله… هل هناك كلمات تُقال وتنتهي؟ أم أن بعض الكلمات حين تخرج من قلب صاحبها، تبحث لها عن مكان في قلب من سمعها… ثم تستقر فيه إلى الأبد؟ كانت كلماته أكبر من الضيافة. لم يكن يقدم لنا غرفة. كان يقدم لنا الأمان. لم يكن يفتح لنا باب بيت. كان يفتح لنا باب قلب.
ولم يتوقف الوفاء عند جدة
كنت أريد أن أذهب إلى مكة، وحاولت أن أرفع عنه الحرج. قلت: أستاذ، لا يليق أن أتعبك، سأركب سيارة أجرة، أو أي وسيلة توصلنا إلى هناك. لكنه أصر. إصرار المحب الذي لا يرى فيما يفعله تعبًا. قلت له مرة أخرى: لا يا أستاذ… ما يليق. فقال ما جعل الدموع تسبق الكلام. كان قد أعدّ الأمر. عامل حسابه. ثم أعطاني نسخة من مفتاح الشقة. وقال: “في أي وقت تأتي، اطرق الجرس بس… وافتح الباب، ولا تستأذن في أي شيء.” هنا… لم أعرف ماذا أقول. هناك مواقف لا تستطيع أمامها أن تبحث عن جملة مناسبة. تبكي فقط. لأن القلب يعرف أن ما حدث أكبر من الكلمات.
الأمانة التي لا تُكتب في ورق
وأنا أقرأ اليوم: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ تذكرت مفتاح الأستاذ أحمد علام. قلت في نفسي: هل الأمانة فقط مالٌ يُسلّم إلى صاحبه؟ أم أن هناك أمانات أخرى لا تكتبها العقود؟ أمانة بيتٍ فتحه لك صاحبه، أمانة قلبٍ اطمأن إليك. أمانة كلمةٍ قيلت لك في لحظة صدق. أمانة محبةٍ منحك إياها إنسان دون مقابل. أمانة موقفٍ سيبقى في ذاكرتك ما بقيت. ولذلك شعرت أن عليّ دينًا من الوفاء لهذا الرجل. ليس دين مال. ولا دين خدمة. إنه دين موقف. والمواقف الجميلة لا تُردّ بموقف واحد. بل تُردّ بأن تحفظ صاحبها في القلب، وأن تذكره في الدعاء، وأن تقول له ــ ولو بعد سنوات: ما نسيت.
01 أكتوبر… صار موعدًا مع الوفاء
منذ ذلك اليوم، أصبح الأول من أكتوبر يحمل في داخلي معنى آخر. ليس لأنه تاريخ سفر فقط. بل لأنه ذكرني بأن الإنسان قد يملك القليل من الوقت ليصنع أثرًا لا يزول. وأن التربية الحقيقية ليست درسًا يُلقى. قد تكون سيارة تنتظرك في المطار. وقد تكون بيتًا يُفتح لك. وقد يكون مفتاحًا يوضع في يدك. وقد تكون جملة بسيطة: “البيت بيتك.” لكن وراء هذه الجملة قلبٌ يقول: أنا أثق بك. وأنا أكرمك. وأنا أراك من أهلي. ولا أريد منك مقابلًا. وهذا هو الذي بقي.
الأستاذ الذي أصبح أمانة في الدعاء
يا أستاذ أحمد ” أبا بلال”… ربما لا تعرف كم بقي ذلك الموقف في داخلي. وربما كنت ترى ما فعلته شيئًا عاديًا، لأن الكرم عند أهل الكرم لا يحتاج إلى تفكير. لكن بعض الأشياء التي نفعلها ببساطة، يعيش غيرنا عمرًا كاملًا وهو يتذكرها. أنت لم تعطِني مفتاح شقة فقط. أعطيتني مفتاحًا لمعنى من معاني الوفاء. وعلّمتني، دون محاضرة، أن الأستاذ لا ينتهي دوره بانتهاء الدرس. فا الأستاذ الحقيقي قد يظل يعلّمك بعد سنوات… بموقف. بكلمة. بكرم. بأمان. وبقلبٍ لا يضيّق على من أحبه.
يا رب… أمانة الوفاء
واليوم، في 1 أكتوبر، لا أملك لهذا الأستاذ الكبير إلا ما أستطيع أن أقدمه من أعماق القلب: الدعاء. اللهم يا شافي يا معافي، اشفِ أستاذ أحمد شفاءً كاملًا لا يغادر سقمًا. اللهم ألبسه ثوب الصحة والعافية، واجعل العافية تسري في جسده، والطمأنينة تسكن قلبه، والراحة تملأ أيامه. اللهم كما فتح لنا بابه في الدنيا، فافتح له أبواب رحمتك وفضلك وعافيتك. اللهم بارك له في زوجته، وفي أولاده، وفي أحفاده، واحفظهم له واحفظه لهم. اللهم أقر عينه بهم، وأطل عمره في طاعتك، وأكرمه براحة القلب، وتمام العافية، وحسن الخاتمة. اللهم لا تجعل في جسده ألمًا إلا جعلته رفعة، ولا في قلبه همًا إلا أبدلته سكينة، ولا في أيامه تعبًا إلا جعلت بعده فرجًا. يا رب… اشفِ الأستاذ أحمد، ورده إلينا سالمًا معافى، واجزه عن كل قلبٍ أكرمه، وكل ضيفٍ احتواه، وكل إنسانٍ أشعره أنه في بيته، خير ما تجزي به أهل الوفاء.
01 أكتوبر… شهادة قلب
كلما جاء هذا اليوم، لن أتذكر المسافة بين المطار والبيت. سأتذكر المسافة التي قطعها رجلٌ من قلبه إلى قلبي… في لحظات. وسأتذكر أن كثرة اللقاء ليست هي التي تصنع المحبة دائمًا. فقد تكفي مواقف معدودة لتصنع إنسانًا يسكن في الوجدان. وقد يكفي مفتاح صغير في اليد… ليفتح في القلب بابًا كبيرًا لا يُغلق. ولهذا أقول اليوم: يا أستاذ أبا بلال… إن كان قد مضى على ذلك الموقف زمن، فإن أثره لم يمضِ. وإن كنت قد أعطيتني يومها مفتاح بيتك… فقد تركت في قلبي مفتاحًا آخر: مفتاح الوفاء. وأنا، ما بقي في القلب نبض… سأظل أقول: اللهم اشفِه، وعافِه، وبارك له في أهله، واجعل كل خيرٍ صنعه في ميزان حسناته. فبعض الناس لا نملك أمام فضلهم إلا الدعاء. وبعض المواقف لا يليق بها النسيان. وبعض المفاتيح… تفتح أبوابًا في القلب لا تغلقها السنين.