
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
بعض الناس إذا قالوا: “لا تحمل معك شيئًا”، حملوا إليك الدنيا كلها. كان ذلك يوم الثلاثاء 06 أكتوبر 2026، حين اتصل بي العزيز أبو مازن، محمد عبد الرحمن، وكان بيننا موعد. قلت له: أنتظرك، ونصلي المغرب معًا. ذهبت إلى المصلى، فإذا بي أمام مشهدٍ لم أكن أعرف أنه سيكون مقدمةً لحكايةٍ من أجمل حكايات الكرم. رأيت كوكبين. الكوكب الكبير: محمد أبو مازن. وإلى جواره الكوكب العزيز، ابنه رائد أبو علي. صلينا المغرب، وكان في النفس من هدوء الصلاة ما يجعل القلب أكثر استعدادًا لأن يرى الأشياء على حقيقتها؛ لا على صورتها الظاهرة.
وقبل أن يأتي محمد قلت له بوضوح: يا أبا مازن، أرجوك، لا تحمل معك شيئًا. لا تحمل شيئًا. يكفيني منك أن تأتي. يكفيني أن تحمل قلبك. فما كنت أريد طعامًا، ولا هدية، ولا شيئًا يثقل عليه أو على أهله. كنت أريد لقاءه. لكنني كنت أجهل أن بعض القلوب إذا سمعت منك: «يكفيني قلبك»، فهمت العبارة على طريقتها الخاصة. جاء محمد. ويده تحمل حقيبتين. وقفت أمامهما لحظةً، وكأنني لم أفهم. قلت في نفسي: ما هذا؟ ثم خجلت من نفسي؛ فأنا أعرف بيت محمد. أعرف كرم الفاضلة أم ريم أسماء. أعرف ذلك البيت الذي لا تكاد تدخل إليه حتى تشعر أن الكرم ليس فيه عادةً عابرة، بل شيءٌ يسكن أركانه. بيتٌ كأن جدرانه تحفظ معنى العطاء، وكأن أهله لا يرسلون شيئًا إليك إلا وقد سبقته نيةٌ طيبة ودعاء. قلت لأبي مازن: لماذا فعلت هذا؟ لقد أحرجتني… وأبكيتني. فابتسم ابتسامته الهادئة، وكأنه لم يفعل شيئًا، وقال: هذا شيء بسيط يا أستاذ.
يا الله! ما أكثر ما تكون الأشياء “بسيطة” في أفواه الكبار! هم يرون ما بذلوا قليلًا، ونحن نراه كبيرًا؛ لأننا لا نرى الطعام وحده، بل نرى خلفه يدًا امتدت، وبيتًا أعد، وأمًا تعبت، وقلوبًا أرادت أن تفرح قلبًا آخر. جلسنا. وتحدثنا. وكان الحديث هادئًا، دافئًا، من تلك الأحاديث التي لا تحتاج إلى إعداد؛ لأن القلوب حين تكون صادقة تعرف طريقها إلى بعضها. دار الحديث عن الأبناء. عن التربية. عن كيف نصنع أبناءً لا يكبرون في العمر فقط، بل يكبرون في المسؤولية والخلق والرحمة. وانطلق محمد في حديثه، وانطلق معه أبو علي، حتى شعرت أن أجمل ما في اللقاء لم يكن ما حملته الحقائب، وإنما ما حملته القلوب من همّ الأبناء ومستقبلهم. وكانت الهدية التي أعددتها لهما لا تزال معي. حتى إنني نسيت أن أعطيهما إياها! وهنا ابتسمت في داخلي. قلت: سبحان الله… أتيت لأعطي، فإذا بي أمام رجلين جاءا ليُغرقاني بالعطاء.
ثم فُتحت الحقائب. وهنا… لم أجد الكلمات. وقفت حائرًا. كنت أظن أنني سأصف ما رأيت، ثم اكتشفت أن اللغة نفسها تحتاج إلى وقت حتى تستوعب الكرم. إناءٌ كبير من شوربة الخضار، ممتلئ باللحم والخضروات؛ بطاطس وكوسا وجزر، حتى بدا الإناء كأنه بستانٌ صغير اجتمعت فيه ألوان الأرض. وإناءٌ آخر من شوربة الخضار بالشعرية، وفطر ومشروم، وفيه من الخضروات ما جعلني أشعر أننا أمام بستانٍ آخر. وتفاصيل أخرى لا أستطيع أن أصفها إلا بأنها كانت طعامًا أُعد ليصل إلى القلب قبل المعدة.
ثم صينية كبيرة من الأرز الأبيض، يعلوها الدجاج المحمر. ثم قالب من الكيك بالشوكولاتة والفانيليا، وكأن المائدة أرادت أن تترك في آخرها شيئًا من حلاوة اللقاء. ثم كرتون من تمر البرحي. ثم دلة القهوة العربية. وقفت. نظرت. ثم عدت أنظر. وقلت: ما هذا الذي تصنعه يا محمد؟ ما هذا الذي تصنعيه يا أسماء؟ كنت أريد أن أكتب. لكنني تأخرت في الكتابة. ليس لأنني لا أملك الكلمات، بل لأن الكلمات في بعض اللحظات تكون أقل من الموقف. هناك كرمٌ تستطيع أن تصفه، وكرمٌ يجعلك عاجزًا عن الوصف. وهذا كان من النوع الثاني.
لم تكن حقيبتين
فكرت بعد ذلك: هل جاء محمد بحقيبتين؟ لا. جاءني بحكاية بيت. حملت الحقائب طعامًا، نعم. لكنها كانت تحمل معها تعب أيدٍ أعدته، وحرص قلوبٍ أرادت أن تسعدني، وذاكرة بيت يعرف ماذا يحب ضيفه، ووفاء رجلٍ لم يسمع مني إلا جملةً واحدة: “يكفيني قلبك”. فجاءني بالقلب… وحمّل معه الحقيبتين. وهنا فهمت شيئًا: بعض الناس لا يعرفون كيف يزورونك خالي الوفاض، لأن قلوبهم لا تسمح لهم بذلك. ليس لأنهم يريدون أن يُظهروا كرمهم، وإنما لأن العطاء عندهم لغةٌ من لغات الحب.
ولم يتوقف المشهد عندنا
كنت أتخيل تلك المائدة، وأتخيل عزيزًا قادمًا من الصين، ثم ماليزيا، ثم تركيا، ثم إلى قطر، وكأن نصيبه من هذه المائدة قد كُتب له قبل أن يعرف بها. وهذه هي روعة الطعام حين يصنعه الحب: لا يبقى في مكانه. يسافر. يصل إلى من لم يكن حاضرًا. ويصبح نصيب الغائب حاضرًا في الحكاية. فما أجمل أن يأتيك طعامٌ من بيتٍ كريم، فتقول في نفسك: ليت من أحبهم كانوا هنا. ثم تحمل لهم منه شيئًا، أو تحمل إليهم منه حكاية.
الكرم الذي يربك صاحبه
يا أبا مازن… لقد قلت لي: “هذا شيء بسيط”. لكن اسمح لي أن أخالفك. ليس بسيطًا. ليس لأن الطعام كثير. ولكن لأن المحبة لا تُقاس بحجم الإناء. الإناء قد يكون كبيرًا، لكن القلب الذي وراءه أكبر. والدلة قد تكون ممتلئة بالقهوة، لكن المعنى الذي تحملانه أدفأ من القهوة. والتمر قد يكون في كرتون، لكن ما وراءه من دعاءٍ وذكرى لا يوضع في كرتون. والكيك قد ينتهي. والشوربة قد تنتهي. والدجاج قد ينتهي. والأرز قد ينتهي. لكن هناك شيئًا واحدًا لا ينتهي: أن يعرف الإنسان أن له في قلب أخيه مكانًا. وهذه، يا أبا مازن، هي الهدية التي لم تحملها الحقيبتان. بل حملها قلبك.
إلى بيت أم ريم “أسماء طه”
ولا يمكن أن تمر الحكاية دون أن نقف عند البيت الذي خرجت منه هذه المائدة. إلى أم ريم أسماء… يا من يضج البيت عندكم بالكرم، لا أقول شكرًا على الطعام فقط. أقول: جزاكم الله خيرًا على ذلك المعنى الجميل الذي جعل الطعام رسالة محبة. اللهم اشفِ أسماء شفاءً عاجلًا غير آجل، شفاءً كاملًا لا يغادر سقمًا. اللهم ألبسها ثوب العافية، وأبدل التعب راحة، والألم سلامة، والضعف قوة، واجعل ما أصابها رفعةً في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات، وبابًا إلى رحمتك. اللهم إن كانت أيديها قد تعبت في إعداد الخير، فأرحهما، وإن كانت أجسادها قد أثقلها المرض، فأخفف عنها، وإن كان في قلبيها خوفٌ أو قلق، فأنزل عليها سكينتك. اللهم اجعل العافية تسكن أجسادهما كما سكنت المحبة بيتهما.
اللهم بارك في أبي مازن محمد عبد الرحمن، واحفظه بعينك التي لا تنام. اللهم أعطه صحةً وعافية، وراحةً في البدن، وطمأنينةً في القلب، وسعةً في الرزق، وبركةً في العمر. اللهم كما حمل إلينا الخير بيديه، احمل إليه من خزائن فضلك ما يدهشه. وكما أكرمنا وهو يقول: “هذا شيء بسيط”، فأكرمه أنت بكرمٍ لا يصفه لسان.
اللهم اجعل ما أعطاه مضاعفًا عندك، وما أسعد به قلوبنا سعادةً تعود إليه أضعافًا، وما بذله في سبيل المحبة سترًا له، وعافيةً له، ونورًا له يوم يلقاك. اللهم احفظ ريمًا، أم القاسم، وبارك لها في صحتها وعمرها وأهلها، وألبسها لباس العافية والستر والرضا. اللهم احفظ رائدًا “أبا علي”، واجعله قرة عين لوالديه، وافتح له أبواب الخير، وارزقه حسن الخلق، وصلاح القلب، ورفعة الشأن، وبارك في خطواته ومستقبله. اللهم احفظ رزان أم كرم، وأهل البيت جميعًا، واجعل بينهم من المودة والرحمة ما يجعل البيت وطنًا للقلوب قبل أن يكون سكنًا للأجساد. اللهم احفظ كل عزيزٍ في هذا البيت، وكل من له فيه اسمٌ ومكانٌ وحكاية.
يا الله…
لقد قلت لمحمد: لا تحمل شيئًا، يكفيني حمل قلبك. فجاءني بقلبه فعلًا. لكن قلبه كان يحمل معه شوربةً من المحبة، وصينيةً من الوفاء، ودجاجًا من الكرم، وتمرًا من الذكرى، ودلةً من الدفء، وحلوى من الفرح. وعندما انتهى اللقاء، بقيت أمام الحقائب الفارغة. فقلت في نفسي: الحقيبتان قد فرغتا… لكن القلب الذي جاء بهما ما زال ممتلئًا. وهذه هي بعض الزيارات التي لا تنتهي حين ينصرف أصحابها. يبقى صاحبها في القلب، وتبقى مائدته في الذاكرة، ويبقى دعاؤنا له هو أقل ما نستطيع أن نرده به.
اللهم يا الله، يا الله… اجعل أبا مازن وأهله في ودائعك التي لا تضيع، واشفِ أسماء ومريم، واحفظ رائدًا وأم مكرم ومكرمًا وأم القاسم وكل من تحيط بهم المحبة. اللهم لا ترهم في أنفسهم ولا فيمن يحبون بأسًا يحزنهم. اللهم اجعل أيامهم صحة، وبيوتهم سكينة، وأبناءهم قرة عين، وأرزاقهم بركة، وقلوبهم مطمئنة. اللهم كما أكرمونا بما في أيديهم، فأكرمهم بما في خزائنك؛ وكما فتحوا لنا باب بيتهم، فافتح لهم أبواب رحمتك؛ وكما حملوا إلينا طعامًا، فاحمل إليهم من لطفك ما يغنيهم عن كل شيء. ثم يا رب… لا تجعل هذه المائدة آخر موائد المحبة بيننا، ولا هذا اللقاء آخر لقاء، واجمعنا دائمًا على الخير، واجعل كل فراقٍ بعده لقاء، وكل لقاءٍ بعده بركة، وكل محبةٍ بيننا خالصةً لوجهك. آمين يا رب العالمين.