حين يأتيك القلبُ حاملًا حقيبتين

محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

بعض المحبة لا تكتفي بأن تزورك؛ تصرّ أن تترك شيئًا منها في بيتك، وفي قلبك، وفي تفاصيل يومك. في يوم الأربعاء، الثامن والعشرين من أكتوبر 2026، رنّ الهاتف، وكان على الطرف الآخر صوت العزيز أبي مازن، محمد عبد الرحمن. قال برقةٍ معهودة: “أستاذ، ممكن أقوم بزيارتك اليوم؟”.

وما أجمل أن يتصل بك إنسان، فتشعر من صوته أن الزيارة بدأت قبل أن يصل، وأن الأنس سبق خطواته إلى بيتك! سعدت به، وقلت له: أهلًا وسهلًا، مرحبًا بك، أنا موجود من الآن حتى التاسعة والنصف. فقال: إن شاء الله، نتحرك في الطريق. وجاء، أكرمه الله، بعد صلاة العشاء. لكن أبا مازن، فيما يبدو، لم يسمع وصيتي السابقة كما كنت أرجو؛ أو لعل قلبه سمعها، لكنه فهمها على طريقته! فما إن حضر حتى رأيته يحمل حقيبتين. حقيبتين مرة أخرى!

نظرت إليه، وقلت له ما يشبه العتاب الذي تختلط فيه المحبة بالخجل: يا أبا مازن، ألم أطلب منك أن تأتي بقلبك، وألا تحضر معك شيئًا؟ ألم أقل لك إن وجودك يكفيني، وإن لقاءك عندي أثمن من كل هدية؟ ابتسم، وقال ببساطة الكبار الذين يصعب عليك أن تردّ لهم عطاءهم: “يا أستاذ، هذا أقل شيء نقدمه لك”. يا الله! كم تبدو كلمة “أقل شيء” كبيرة حين تخرج من قلبٍ لا يحسب المحبة بما يقدم، ولا ينتظر مقابلًا لما يعطي! خجلت مرة أخرى، ولم أجد إلا أن أستقبل عطاءه كما أستقبل محبته، وأن أدعو له في قلبي قبل أن أفتح الحقيبتين.

كوبٌ من النسكافيه… وحكاية من المودة

جلسنا نتبادل الحديث، وصنعت له كوبًا من النسكافيه، أردت به أن أكرم ضيفي بما تيسّر، وأن تكون الجلسة جلسة أنسٍ وراحة. لكنه طلب الكوب من دون سكر، ثم اختلط عليّ الأمر بين كوبي وكوبه، فاختلطت حسابات السكر، ولم يكمل كوبه كما ينبغي! وقد تبدو هذه تفصيلة صغيرة لا تستحق الذكر، لكنها عندي من أجمل تفاصيل اللقاء؛ لأن المحبة ليست مشاهد كبيرة فحسب، وإنما هي أيضًا تلك العفوية التي تحدث بين الأحباب، حين لا يحتاج أحدهم إلى أن يتكلف أمام الآخر، أو أن يحوّل كل حركة إلى مناسبة رسمية. ما أجمل العلاقات التي تستطيع فيها أن تخطئ في كوب النسكافيه، ولا تخطئ في مكانة صاحب الكوب في قلبك! انطلق أبو مازن بعد ذلك إلى موعده، وغادر في حدود التاسعة والنصف، وبقيت أنا أمام حقيبتين جديدتين، وذكرى جديدة، وسؤال يتكرر في داخلي: ماذا أفعل بهذا الرجل الذي كلما طلبت منه أن يأتي بقلبه وحده، جاءني بقلبه، ثم أصرّ أن يحمل معه ما يفرحني؟

حين فتحت الحقيبتين

بعد مغادرته، فتحت الحقيبتين. فإذا بالأولى تحمل تمرًا مصريًا من نوع زغلول، بثمراته الطويلة ولونه الأحمر الجميل، ذلك التمر الذي يحمل في شكله ومذاقه شيئًا من ذاكرة البيوت المصرية، ومن مواسم الخير التي ألفناها في مصر. وما إن رأيته حتى شعرت أن أبا مازن لم يحمل إليّ تمرًا فحسب، بل حمل إليّ تحيةً من أرضٍ نحبها، وذكرى من مذاقٍ نعرفه، ولمسةً من الوطن تسافر إلينا في حقيبة. ثم فتحت الحقيبة الأخرى.

وهنا كانت المفاجأة المصرية التي تعرف طريقها إلى القلب من أقصر الأبواب: الكشري المصري، بطبقاته ومكوناته وصلصته، وبكل ما يحمله هذا الطعام الشعبي من حكايات الشوارع والبيوت والذكريات. لم تكن المسألة طبق كشري أُعدّ ليؤكل وينتهي الأمر. كانت مائدة مصرية صغيرة وصلت إلى بيتي في قطر، محمولةً على يدي رجلٍ يعرف كيف يجعل الطعام رسالةً من رسائل المحبة. أرز، وعدس، ومكرونة، وما يرافق الكشري من صلصة وبصل مقرمش ونكهات يعرفها كل من أحب هذا الطبق؛ وكأن الحقيبة لم تحمل طعامًا، بل حملت معها مشهدًا مصريًا كاملًا. وهنا أدركت أن أبا مازن لم يأتِ ليزورني فقط؛ لقد أراد أن يجعل زيارته امتدادًا بعد مغادرته، وأن يترك لي شيئًا أتناوله بعد أن ينصرف، فأذكره وأدعو له. هناك من يزورك، فتفرح بحضوره؛ وهناك من يغادر، فتكتشف أن حضوره ما زال معك. وهذا من أجمل وجوه المحبة.

مائدةٌ يتقدمها الدعاء

جلست إلى الطعام، وكان أبو مازن حاضرًا في خاطري مع كل لقمة. دعوت له بالخير، ولأهل بيته، ولأحبائه الذين أحبهم، ولأولئك الذين ترتبط سعادتهم بسعادته. دعوت له، ولأم ريم، ولريم أم القاسم، ولرائد أبي علي، ولرزان أم مكرم، ولكل أهل هذا البيت الكريم. وكلما تناولت من الطعام، تذكرت أن وراء هذه المائدة رجلًا لم يكتفِ بأن يسأل عني، ولم يكتفِ بأن يزورني، بل أراد أن يصلني بما يحب، وأن يفرحني بما يعرف أنه سيبهجني. وهنا يتجلى معنى العطاء الحقيقي؛ فليس كل من قدّم طعامًا قد قدّم محبة، لكن حين يعرف صاحب العطاء طريقه إلى قلب من يعطيه، يصبح الطعام لغةً لا تحتاج إلى ترجمة.

بعض الأطعمة تُشبع الجسد، وبعضها يُشبع الحنين، وبعضها يُشبع ذلك الشعور الجميل بأنك ما زلت حاضرًا في قلب أحدهم. وكان الكشري هذه المرة من النوع الثالث، وربما من الأنواع الثلاثة معًا! يا أبا مازن، لقد أردت أن أقول لك إن حضورك يكفيني، وإن قلبك هو الهدية التي أعتز بها، لكنك أصررت أن تترجم محبتك بطريقتك. وأنا لا أملك أمام هذا الإصرار إلا أن أقول: جزاك الله عني خيرًا، وأكرمك كما أكرمتني، وأسعد قلبك كما أسعدت قلبي.

دعاءٌ من القلب لأبي مازن وأهل بيته

اللهم يا واسع الكرم، يا عظيم الفضل، يا من لا يضيع عنده معروف، أكرم العزيز محمد عبد الرحمن، أبا مازن، بكرمك الذي لا تحدّه حدود، وعطائك الذي لا ينفد، ورحمتك التي وسعت كل شيء. اللهم كما أتى إليّ يحمل الخير والمحبة، فاحمل إليه من خزائن فضلك ما يسرّ قلبه، ويريح باله، ويبارك في عمره، وصحته، ورزقه وأهله. اللهم ألبسه ثوب العافية، وأدم عليه نعمة الصحة والستر، وبارك له في خطواته وأعماله، واجعل الخير رفيق دربه، والطمأنينة أنيس قلبه، والرضا نور أيامه. اللهم اجزه عن كل لقمةٍ قدمها، وكل خاطرٍ راعاه، وكل محبةٍ أظهرها، خيرًا مضاعفًا من عندك؛ واجعل ما يقدمه للناس بابًا من أبواب رحمتك عليه، وسببًا لبركةٍ تمتد في حياته وأهله وذريته.

اللهم احفظ أم ريم، وبارك لها في صحتها وعمرها، وأسبغ عليها عافيتك وسترك، واجعل أيامها عامرةً بالرضا والسكينة، وارزقها من الخير ما تقرّ به عينها ويطمئن به قلبها. اللهم احفظ ريم أم القاسم، وبارك لها في حياتها وأهلها، وافتح لها أبواب الخير، وارزقها سعادةً لا يعقبها حزن، وطمأنينةً لا يعكرها خوف، وعافيةً تحيط بها من كل جانب. اللهم احفظ رائدًا أبا علي، واجعله من أهل الصلاح والتوفيق، وبارك في عمره وعلمه ومستقبله، واجعل له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ومن كل خير نصيبًا. اللهم احفظ رزان أم كرم، وبارك لها، وارزقها صحةً وعافيةً وراحة بال.  اللهم احفظهم جميعًا، واجمعهم على الخير، وأدم بينهم الألفة والرحمة، ولا ترهم في أنفسهم ولا فيمن يحبون بأسًا يحزنهم، ولا تفجعهم بعزيز، ولا تحرمهم نعمة العافية ودفء الاجتماع.

اللهم كما حملت إلينا هذه المائدة في حقيبتين، فاحمل إليهم من بركاتك ما لا تحمله الأيدي، ومن ألطافك ما لا تتوقعه القلوب، ومن عطائك ما يجعلهم يحمدونك في السر والعلن. اللهم اجعل أبا مازن ممن إذا أعطى باركت له، وإذا أحببتَه حفظتَه، وإذا دعاك أجبتَه، وإذا رجع إليك وجد أبواب رحمتك مفتوحةً له. اللهم لا تجعل كرمه إلا زيادةً في رزقه، ولا محبته إلا زيادةً في قدره، ولا معروفه إلا نورًا في حياته، واجعل له في كل قلبٍ أسعده دعوةً صالحة، وفي كل بيتٍ أدخل إليه السرور بركةً من عندك. آمين يا رب العالمين.

الحقيبتان اللتان لم تنتهيا

يا أبا مازن… حين قلت لك: تعال بقلبك، لم أكن أعلم أنك ستأتي بالقلب، ثم تحمل معه حقيبتين. وحين غادرت، بقي الطعام أمامي، وبقيت أنت في دعائي. أكلت من الكشري، وتناولت من تمر زغلول، لكنني في الحقيقة كنت أستعيد تفاصيل زيارتك، وأتذكر إصرارك على العطاء، وأبتسم من جديد حين أتذكر كوب النسكافيه الذي لم يكتمل كما أردت! فبعض اللقاءات لا تحتاج إلى صورٍ كثيرة لتبقى، ولا إلى كلماتٍ طويلة لتُروى؛ يكفيها أن تترك في النفس أثرًا لا يزول. الحقيبتان فرغتا من الطعام، لكنهما تركتا في القلب مائدةً لا تنتهي.

حفظك الله يا أبا مازن، وحفظ، أم ريم وريم، أم القاسم ورائد أبا علي ورزان أم كرم، وجعل بيوتكم عامرةً بالخير، وقلوبكم عامرةً بالمحبة، وأيامكم عامرةً بالصحة والعافية. وما أجمل أن يمر الإنسان في حياتنا، فيترك وراءه شيئًا نأكله، وشيئًا نتذكره، وشيئًا ندعو له به. أما أنت يا أبا مازن، فقد تركت الثلاثة جميعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top