
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
ليست الزيارات كلها متشابهة؛ فبعضها يمرّ على المكان، وبعضها يترك أثرًا في القلب لا تمحوه الأيام. وبعض الضيوف لا يحملون معهم الطعام وحده، بل يحملون دفء المحبة، وصدق السؤال، ومعنى أن يكون الإنسان حاضرًا في حياة أخيه، لا بالكلمات فحسب، بل بالفعل الذي يسبق الكلام.
في يوم الاثنين، السادس والعشرين من أكتوبر عام 2026، اتصل بي الفاضل حسام حسن، يسأل عني مطمئنًا، ويعبّر عن رغبته في زيارتي. سعدت باتصاله، ورحّبت به من القلب، وقلت له إنني أسعد بزيارته على مدار الأسبوع، غير أنني أرجوه أن يبلغني قبلها بيوم، حتى أكون على استعداد لاستقباله كما يليق بمحبته ومكانته. ولم أكن أعلم أن هذا الحديث البسيط سيصبح، بعد ساعات قليلة، حكايةً تستحق أن تُروى، وأن ذلك الطلب الودّي سيحمل في طياته درسًا جديدًا في الكرم الذي لا يكتفي بأن يُقال، بل يصرّ على أن يُعاش. ففي اليوم نفسه، جاءني صديق يدعوني إلى طعام الإفطار يوم الاثنين. وكان الوقت قد اقترب من المغرب، فقلت له إننا نستطيع أن نتناول الطعام بعد صلاة العشاء؛ لعلّ ذلك يكون أيسر وأجمل.
ثم ذهبت إلى صلاة المغرب، وعدت إلى مقر إقامتي، فإذا بي أجد حسامًا واقفًا عند باب المنزل، يحمل أكياسًا كثيرة، ثقيلةً إلى حدّ أن حملها بدا عليه شاقًّا. يا الله… ما الذي جاء بك يا حسام، وأنت تعلم أنني لم أطلب منك شيئًا؟! رحّبت به، وأدخلته المنزل، ثم قلت له بمحبةٍ امتزجت بدهشة القلب: “عسى أن يكون خيرًا يا أخ حسام! لماذا تتعب نفسك؟ ألم أقل لك أن تتصل بي قبلها بيوم؟”. ابتسم، وأوضح أنه اتصل بالفعل. وهنا تذكرت أنني كنت في طريقي إلى صلاة المغرب حين ظهر اتصاله على الهاتف، فقلت في نفسي: سأتصل به بعد الصلاة. لكن حسام لم ينتظر أن أعود إليه باتصال، ولم يجعل انشغالي العابر سببًا لتأجيل محبته؛ لقد جاء بنفسه، وجاء بما استطاعت يداه أن تحملاه. وهنا أدركت أن بعض المحبة لا تنتظر اكتمال المواعيد؛ لأنها حين تصدق، تجد طريقها إلى القلب.
مائدةٌ لم تكن طعامًا فحسب
دخلنا المنزل، وأخذ حسن يخرج ما حمله من أكياس، فإذا بالمائدة تتسع أمام أعيننا، وكأنها صورة مصغّرة من قلبٍ لا يعرف كيف يزور دون أن يُكرم. كان هناك السمك البلطي المشوي بالردة، والبرياني، وأرز الصيادية، والخبز المصري، والطحينة، والمخلل المصري؛ ألوانٌ من الطعام اجتمعت لتصنع مائدةً عامرة، لا بما عليها فحسب، بل بما وراءها من مشاعر. ثم اكتشفت أن الأكياس لم تكن تحمل الطعام الجاهز وحده؛ فقد حملت أيضًا مواد غذائية متنوعة: خضروات، وأجبانًا، ومعلّبات من الفول والتونة، وأشياء أخرى أحضرها حسام بعناية، وكأنه لم يأتِ لزيارة عابرة، بل جاء ليطمئن إلى أن البيت عامر، وأن الاحتياجات حاضرة، وأن المحبة تستطيع أن تتحول إلى عطاءٍ ملموس.
وقفت أمام هذا المشهد مليًّا، وقلت له من أعماق قلبي: |”كفى يا حسام… هذا كرمٌ أغرقتني به!”، ولم تكن كلمتي اعتراضًا على عطائه، بقدر ما كانت اعترافًا بعجز العبارة عن استيعاب ما فعله. فكيف يشكر المرء إنسانًا جاءه محمّلًا بكل هذا، وهو لم يطلب منه سوى أن يبلغه بموعد الزيارة؟ إن بعض الناس حين يزورونك، يسألونك: ماذا تحتاج؟ أما بعضهم، فيأتونك وقد حاولوا أن يجيبوا عن السؤال قبل أن تطرحه.
حين يصبح الطعام لغةً للمحبة
ما أجمل أن نعيد اكتشاف المعاني الكبرى في التفاصيل الصغيرة! فالأكياس التي حملها حسن لم تكن مجرد أكياس، والسمك المشوي لم يكن مجرد طعام، والخبز والطحينة والمخلل لم تكن أصنافًا تُقدّم على مائدة؛ بل كانت جميعها رسائل صامتة تقول: أنا أذكرك. أنا أطمئن عليك. أنا أفرح بالقرب منك. وأنا لا أريد لمحبتنا أن تبقى حبيسة الكلمات. إن الكرم الحقيقي ليس في كثرة ما يُقدّم، بل في صدق الشعور الذي يحمله العطاء. فقد تكون لقمةٌ واحدة من يدٍ محبة أثمن من مائدةٍ كاملة لا يسكنها الود، وقد تكون زيارةٌ قصيرة أعمق أثرًا من ساعاتٍ طويلة من الحديث. فالكرم ليس أن تملأ يدَ من تحب، بل أن تُشعر قلبه بأنه ليس وحده. ولعلّ أجمل ما في زيارة حسام أنه لم يأتِ ليؤدي واجبًا اجتماعيًا فحسب؛ بل جاء ليجسّد معنى الأخوّة حين تتجاوز حدود المجاملة، وتصبح اهتمامًا حقيقيًا، ومبادرةً صادقة، وعطاءً لا ينتظر مقابلاً. لقد كان بإمكانه أن يكتفي باتصالٍ لطيف، أو رسالةٍ مطمئنة، أو وعدٍ بزيارةٍ لاحقة؛ لكنه اختار أن يأتي، وأن يحمل، وأن يضع بين أيدينا ما أعدّه بمحبة. وهنا تتجلّى قيمة الإنسان؛ لا فيما يقوله عن الوفاء، بل فيما يفعله حين تتاح له فرصة أن يكون وفيًّا.
حسام أبا حَسن… اسمٌ يليق بالحُسن
يا أخي العزيز حسام، لقد أسعدتني زيارتك، وأكرمتني بكرمٍ يفوق ما أستطيع وصفه، وأدخلت إلى نفسي من السرور ما لا تحمله الكلمات. وإن كنت قد قلت لك يومها: “كفى يا حسام”. فإن القلب يقول لك اليوم: جزاك الله عني خير الجزاء، وبارك في قلبك ويديك، وجعل ما قدّمته في ميزان حسناتك، وأدام بيننا المودة الصافية التي لا تفسدها المسافات ولا تشغلها الأيام. ولزوجك الكريم، ولأبنائك الأحبة: حسن، وحبيبة، وصفية، أرفع الدعاء بأن يجعل الله بيوتكم عامرةً بالإيمان والسكينة، وأن يحفظكم من كل سوء، ويكسوكم ثوب الصحة والعافية، ويرزقكم الستر والبركة، ويجعل أبناءكم قرة عينٍ لكم، وينبتهم نباتًا حسنًا، ويكتب لهم مستقبلًا مباركًا، ويفتح أمامهم أبواب الخير والتوفيق.
اللهم احفظ حسامًا وأهله، وبارك له في عمره ورزقه وعمله، وألبسه لباس الصحة والعافية، واشفِ كل مريضٍ من أسرته، واحفظ والديه، وأقرّ عينيه ببرّهما ورضاهما، وأدم عليهما نعمة الصحة والطمأنينة. اللهم اجمع شمل حسام بكل من يحب على خير، واجعل لقاءاتهم عامرةً بالفرح، وقلوبهم متآلفةً بالمحبة، وبيوتهم مغمورةً برحمتك، ولا ترِهم في أحبابهم بأسًا ولا مكروهًا. اللهم كما جاءنا حسامٌ محمّلًا بالخير، فاحمله في حياتِه على أجنحة التوفيق، وافتح له من أبواب فضلك ما لا يحتسب، واجعل كل يدٍ امتدت بالخير إليه، وكل قلبٍ أحبّه، وكل دعوةٍ صادقةٍ رُفعت له، سببًا في سعادته ورفعة شأنه.
مائدةٌ تبقى في الذاكرة
في ذلك المساء، لم تكن الحكاية حكاية إفطارٍ تأخر إلى ما بعد صلاة العشاء، ولا حكاية سمكٍ مشويٍّ وأرزٍ ومواد غذائية حملها ضيفٌ كريم. كانت الحكاية عن إنسانٍ أراد أن يقول لأخيه: إنني قريب منك، وإن محبتي لك ليست موعدًا في الهاتف، بل حضورٌ حين أستطيع، وعطاءٌ حين أقدر، واهتمامٌ لا يحتاج إلى تكليف. لقد جاء حسام إلى الباب، لكنه في الحقيقة وصل إلى القلب. وهذه هي الزيارات التي تستحق أن تُحفظ في الذاكرة؛ لأنها تذكّرنا بأن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه، بل ما نتبادله من رحمةٍ ووفاء، وأن المائدة التي تُقدّم بمحبة لا تنتهي حين تُرفع أطباقها، بل تبقى عامرةً في الوجدان. فما أكرم اليد حين تعطي، وما أعظم القلب حين يجعل من عطائه رسالةً تقول: أنت عزيز، ومكانك محفوظ، ومحبتك في القلب لا تحتاج إلى موعد.