حوار إنساني لم يشهده التاريخ – حين تمشي فلسطين بثوب أمٍ… وتحاورها أختٌ في بيتٍ آمن ….

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في مشهدٍ لم تصنعه عدسات المصورين، بل خَطّته السماء على تراب الأرض… كانت هناك أمٌ تمشي، لا تحتمي بحائط، ولا تتوسل غطاءً، بل تتقدّم بثوبٍ مبللٍ بالدم، وطفلين في حضنها كأنهما جناحاها. لم تكن تملك إلا الصمت… لكنه صمتٌ يصرخ بما عجز عنه العالم، وبينما كانت تخطو فوق الركام، كان في طرفٍ آخر من هذا العالم، أمٌ أخرى تتابعها من خلف شاشة… في بيتٍ آمن، بين جدران لم تعرف القصف، وتحت سقف لم يتهدّم. لم تلتقيا يومًا، لكن بينهما خيط من القلب لا ينقطع. وهنا… تبدأ الحكاية.

قالت صاحبة الثوب الممزق:
لم أكن أعرف هذا الطريق… لكنه يعرفني. كل حجرٍ تحتي يحمل اسمًا من عائلتي، كل جدار مهدوم هو حائطٌ عُلّقت عليه صور أطفالي. أنا لا أمشي على ركام… بل على ذاكرتنا. ثوبي ليس مجرد قماش… هو علمٌ خُطَّ بالدم، كل رقعة فيه تحكي قصة موت… وقصة نجاة. وحين أمشي، لا أسير بجسدي وحده، بل بروح أمة… تبحث عن معنى البقاء في عينِ طفلٍ لا يسأل عن غدٍ، بل فقط: “هل سنصل يا أمي؟”

وردها صوتٌ من عمق بيتٍ آمن:
أنا أيضًا أم… لكنني أخجل أن أنطق الكلمة أمامك. طفلي يبكي حين يتعطّل الواي فاي، وأنتِ يمشي معك طفلان تحت قصفٍ لا يتعطّل. حين رأيتك، يا أختي التي لم ألتقِ بها، شعرت بالذنب… لا لأنك ضعيفة، بل لأنك أقوى منّي، رغم أن كل شيء حولك ينطق بالعجز. صورتك لم تكن مشهدًا من حرب… بل نشيدًا وطنيًا صامتًا، وعنوانًا لكتاب لا يكتبه أحد: كيف تصبح الأم أُمّة.

ردّت الأم التي تمشي فوق الشظايا: أشكركِ… لا على تعاطفك، بل على قلبك الحي.
لستُ بحاجة لدموعٍ من بعيد، بل لقلوبٍ تبقى معنا بعد انطفاء الأضواء، أنا لا أسير وحدي… خلفي أرواح الشهداء، وأمامي نسلٌ يجب أن يحيا. أنا لا أحتاج إلى سلاح… طفلي هو سلاحي، صبره هو مددي، ونظرته هي بوصلتي.

قالت أمّ البيت الدافئ:
سأحدث أطفالي عنكِ…سأقول لهم إن البطولات لا تصنعها الأفلام، بل الأمهات اللواتي يمشين بثيابٍ ملطخة بالحق، وسط عالم ملطخ بالصمت.
سأجعلهم يفهمون أن الأم لا تعني الحنان فقط… بل الصمود، والكرامة، والقدرة على تحويل الموت إلى حياة، والخوف إلى جيلٍ لا ينكسر.

قالت أمّ الركام بصوت متماسك:
ربما لا نلتقي أبدًا… لكن قولي لطفلك: إن هناك طفلًا آخر في غزة، يحمل اسمه دون أن يعرفه، ويكبر على أنقاضٍ قد يصير فوقها مدرسة يومًا ما. وقولي له: إن أمًّا هناك… تحبّه، لأنها تؤمن أن القلوب حين تصدق، تتعانق من دون أن تتقابل.

وهكذا… لم يكن الحوار بين ضحيتين، بل بين رايتين. إحداهن تمشي في الظل، وأخرى تحت شمسٍ حارقة، لكن كِلتيهما تشتركان في حلمٍ واحد: ألا تنكسر هذه الأمة. وفي زمنٍ باع فيه الساسة قضاياهم، ووقّعت العواصم على الصمت، ما زالت الأمهات هنّ من يكتُبن التاريخ… بدموعٍ لا تُرى، وبخطى لا تُنسى، وبصمتٍ هو أبلغ من كل البيانات.

وفي ختام الرسالة، كتبت الأرض في سِجلّها الأزلي: أن أمةً فيها أمهات كهؤلاء…لن تُقهر،ولن تسقط، ولو اجتمع عليها الكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top