وليمة على ضوء القمر… حيث الكرم الشنقيطي يروي قصة وطن

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في مساءٍ موريتانيٍّ لا يُشبه مساءً، حين تنقشع حرارة النهار عن أجنحة النسيم المتهادية، وتبدأ نواكشوط في تنفّس الهدوء النبيل، جاءت الدعوة… لا كدعوة طعام، بل كدعوة حياة، من فضيلة الإمام الشيخ ولد صالح، الأمين العام لهيئة العلماء الموريتانيين، رجلٌ إذا سلّمك يده شعرت أنك وضعت قلبك في كفّه، وإذا دعاك إلى بيته فقد دعاك إلى ذاته. رافقنا في هذه الرحلة الشيخ سيدي محمد، صاحب البسمة التي لا تُشبه إلا طلوع الفجر على خدّ بادية، وجهٌ يشعُّ حبورًا حتى يخال إليك أن الضوء يسكن فيه لا عليه.

وصلنا إلى داره العامرة بأحد أحياء نواكشوط، وما أن هممنا بالدخول، حتى بدا كأن البيت قد أعدّ نفسه لنا منذ أيام، فالزوايا تبتسم، والهواء يتعطّر بغير عطر، والوجوه تستقبلنا لا بالكلمات، بل بالصمت الذي يعبّر أكثر من اللغة، فهنا الترحاب لا يُقال، بل يُعاش. في كل همسة، في كل لمسة، في كل مائدة تمتد، وصينية تُقدَّم، كان الكرم يمشي بيننا ككائن حيٍّ، يحيطنا، يُربّت على أكتافنا، ويدعونا لأن نرتاح… وكأننا في بيتنا الذي لم نعرفه من قبل.

بدأت الضيافة كأنها نشيد متصاعد، أُتيح لنا فيه أن نختار بين شراب الحليب، وعصير الفاكهة، ثم يأتي الشاي الموريتاني، سيد الضيافة وصاحب التوقيت الذهبي، يقدَّم في سَكينة، كما تُقدَّم الحكمة. وما إن ارتسمت المأدبة، حتى خُيّل إلينا أننا أمام لوحة أبدعها فنان يجيد تنسيق الذوق والحنان على سطرٍ واحد، جمع فيها بين هندسة المعمار وبساطة الريف، لوحة تستوقفك قبل أن تبدأ.

على أطراف المأدبة، بستان فاكهة يتدلّى على الأطباق لا من الأشجار، بل من القلب، تراصّت فيه الموزات، والتفاحات، والبرتقال اليوسفي، والعنب والإنجاص، وكأنها قبائل فواكه اجتمعت في تحالف بهيّ، يجاورها صفٌ من علب الزبادي بالفواكه، تتمايل في خجلٍ كأنها عذارى الضيافة. ثم التمر الجزائريّ بجلاله، والقشطة بنعومتها، كأن كل طعام هنا جاء بوصية، لا بالصدفة.

ثم جاءت الأصالة، تمشي على صواني من فرح، تتقدّمها صينية الدجاج المحمر، تعقبها أخرى للثريد بالكسكسي واللحم، ثم يدخل ملك المائدة دخول الملوك، خروف غزاليّ الحجم، تفوح رائحته بنكهة الصحراء الممتزجة بتوابل المحبة، محشوّ بالأرز والخضار، كأن كل حبة فيه تحكي قصة، وكل خضرةٍ فيه تروي سيرة.

تأتي صينية السلطة كأنها ربيعٌ هبط على المائدة، من البنجر والخس، إلى الذرة، والطماطم، والبطاطس، والخيار، والجزر، والجبن، والبسلة، ألوانٌ تتناغم لا لتُشبع البطن فقط، بل لتسعد الروح. وأجمل ما في المائدة أن الشيخ ولد صالح بنفسه يقوم بتقطيع الخروف، وتوزيع السلطة، كأن الكرم لا يُفوّض، بل يُمارس. كانت حركته احترافيةً نبيلة، تدل على مائدة لا تنتهي، وضيافة لا تعرف التوقيت.

لكنّ الأعجب من كل هذا، أن المأدبة لم تكن مجرد طعام… كانت حوارًا ممتدًا، صالونًا أدبيًا حيًا، انفتحت فيه نوافذ التاريخ: عن موريتانيا وتحوّلاتها، عن البادية وهمسها، والحضر وهمّه، عن العلماء الذين يشبهون الشموع، لا تذوب إلا لتنير، عن المحاظر التي تصوغ العقول وتخرّج الفكر الحرّ، عن القيم والمبادئ التي ما زالت تحتفظ بعذريتها في هذا الوطن، وعن القبيلة التي ما زالت تحضن أبناءها لا لتُفرّقهم، بل لتدلّلهم.

انتهت الوليمة، لكنّ الليلة لم تنتهِ، جلس الجميع في راحةٍ تشبه العودة من حج، سكينة وطمأنينة، ومشاعر لا تجد لها اسمًا. ثم بدأ الدور الثاني من الضيافة، بطيخٌ يوزَّع بحبّ، يقطّعه الشيخ ولد صالح بمهارة الأب، ويقدّمه كما تُقدَّم القُبل. جاء بعدها دور الشاي الثالث، كأنما نختتم ليلتنا بختم ذهبيّ من نكهة الوطن.

ولعلّ أجمل اللحظات كانت في النهاية… حين وقف الإمام الشيخ ولد صالح يُودّعنا عند الباب، لا بكلماتٍ عابرة، بل بخطواتٍ تمشي معنا حتى السيارة، يرافقه الشيخ سيدي محمد، حاملاً النور في عينيه كما كان، ويحمل الصغير “صالح نجل الشيخ ولد صالح” كأنه يودّعنا بضحكته البريئة، كأن المشهد كله كُتب ليُختم بهذه اللمسة، بيد طفل يشبه الغد، وحفاوة تشبه الجنة.

كان وداعًا من نوعٍ لا يحدث إلا مرة… لا لأن الضيافة فاخرة، بل لأن القلوب كانت أنقى من الطعام، والأحاديث أعمق من الموائد، والأرواح أصفى من الماء. لم نغادر البيت فقط، بل غادرنا أنفسنا القديمة، وعدنا محمّلين بنكهة أرضٍ تُطعِمك… ثم تعلّمك كيف تُطعم غيرك.

هكذا هي شنقيط، لا تُقدّم لك طعامًا… بل تفتح لك قلبًا. ولا تُودّعك عند الباب، بل تُقيم فيك… ما حييت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top