حين يصغي الرمل للموج…وتتحرك فينا الحياة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في مدينة لا تُشبه سواها، على ضفاف محيط يتنفس التاريخ والجغرافيا، اجتمع لفيف من الأصدقاء على مائدةٍ خالدة بين زرقة السماء وذهبية الرمال، لا ليأكلوا فقط، بل ليستعيدوا المعنى الذي فقدته كثير من تفاصيل حياتنا الحديثة. نواكشوط، تلك العاصمة الهادئة التي تخبئ تحت رمالها مناجم ذهب روحي، كانت شاهدة على أمسية تجاوزت حدود الزمان والمكان، فصارت مقالًا.

في قلب الغروب، وعلى حافة الماء، ولدت هذه القصة.

كان الوقت يُوشك أن ينكسر في حضن المغيب، عندما بدأ الغروب يرسم ألوانه الحارّة على صفحة المحيط، فيما البحر يهمس بأسراره الأخيرة لهذا اليوم، والرمال تحت أقدامنا تزداد دفئًا، كأنها تخبئ شيئًا لا يُقال. وعلى هذا الشاطئ الأطلسي، حيث نواكشوط تستعد لتسليم آخر أنفاس الضوء إلى الليل، اجتمعنا نحن، لا نبحث عن صورة أو قصة، بل عن لحظة صدق نادرة تجمعنا.

لم يكن اللقاء نتاج ترتيبات رسمية، بل نداء من الأرواح… حيث الألفة هي الدعوة الوحيدة التي لا تُرسل عبر البريد، بل تُقرأ من العيون.

صلاة المغرب كانت أول ما احتضنته الرمال بعد وصولنا. توضأنا من سكون البحر، ثم سجدنا على سجاد الرمل، وكان الله أقرب من كل ضوضاء المدن. بعد الصلاة، تمددت المائدة كقصيدة في صدر الغروب. صحن دجاج مشوي تحيط به البطاطس كإكليل ذهبي، وصحن كبير لأسماك أطلسية متعددة تحيطها شرائح الأناناس والبرتقال والتفاح بأشكال هندسية دقيقة، وصحن ثالث للمشويات – “تكا وكباب” – فوق أرز معطر، مزدان ببطاطس مقلية، تتخلله أطباق سلطات حيوية وأطباق مايونيز تنبض بالألوان، وكأننا في حديقة طعام رسمها خيال فنّان.

الخبز الفرنسي الطازج كان يلتف حول المائدة كالسوار، يقدّم نفسه كقطعة سلام بين النكهات.

ثم توالت كؤوس الشاي الموريتاني – “آتاي” – في دورة كاملة لا تكتمل الحياة دونها. أول كأس للتعارف، ثانيها للأنس، وثالثها للارتباط الروحي. وبين تلك الكؤوس، بدأت الحكايات تتكشّف، وانفتحت كتب لم تُطبع، لأن أصحابها عاشوها.

تحدثنا عن شنقيط… عن البادية التي تُخرّج العلماء كما تُنتج الطبيعة ملح الأرض. أحد الحاضرين استعاد عبارة العقّاد: “الروح العظيمة لا تنشأ في الفراغ”، ليؤكد أن أرض شنقيط هي الفراغ الوحيد الذي امتلأ بالحكمة. آخر استشهد بابن خلدون، حين قال: “العلم ينمو في حضن الاستقرار”، وأجمعنا أن ما يحتاجه العالم اليوم ليس فقط المدارس، بل الحضن المستقرّ الذي يُنبت القيم.

وكان للدكتور المسيري حضوره حين قيل: “المعرفة ليست تراكم معلومات، بل بصيرة تُصيب الهدف”… فهزّ الجميع رؤوسهم كمن يشهد بالحقيقة.

ثم جاء دور التنمية. حوار عن الاستثمار العقاري، المقاولات، وفلسفة التطوير. هل يمكن بناء الأوطان بروح، لا فقط بأرقام؟ قال أحدهم: “نحتاج إلى مقاولين بمواصفات روحية، لا تجارية فحسب”، وأشار آخر إلى أن الربح حين يُزيّنه الضمير، يصبح ثروةً لا تُفنى. كانت اللحظة محمّلة بأسئلة كبيرة، ولكن الصمت الذي تلاها كان أبلغ من كل الأجوبة.

كل شيء في الجلسة كان طبيعيًا، ولكنه في الوقت ذاته خارقٌ للطبيعة. لا ضجيج. لا هواتف تُقاطع. لا مظاهر تُفسد المعنى. فقط صحبة صادقة، وأفق مفتوح، ومائدة كأنها بستان. جلسة كانت تجسيدًا حيًّا لما قيل: “الناس في السكينة يبدعون، وفي الضجيج يستهلكون.”

ولم يكن أحد يريد أن ينتهي المساء. البحر كان لا يزال يتكلم، والرمال لم تملّ الإصغاء، والأرواح لم تفرغ بعد من الحديث. لكنّ الليل لا ينتظر كثيرًا، فأعدنا بقايا الأحاديث إلى الذاكرة، وأخذ كلّ منا شيئًا لا يُوصف.

ربما تبدو هذه الأمسية – في ظاهرها – مجرد لقاء على شاطئ ووليمة بين أصدقاء. لكنها في عمقها كانت انعكاسًا لما يحتاجه هذا العالم المزدحم: عودة إلى المعنى، إلى الألفة، إلى البساطة. أن نُعيد تشكيل يوم واحد دون ضغط، دون ضجيج، فنكتشف أننا نُشفى حين نُحبّ بصدق، ونتحدث بصدق، ونجلس كما نحن. كان الغروب هو الستار، ولكن المسرحية لم تنتهِ… بل بدأت في دواخلنا.

نواكشوط، موريتانيا
الاربعاء 16 أبريل 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top