في وداع موريتانيا… حين تُغادر الأرض ولا تُغادرها

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

ليست الرحلة أن تحزم حقيبتك، وتمضي. الرحلة الحقيقية أن تترك جزءًا من روحك في مكانٍ ما، وتغادر، لتظلَّ تعود إليه داخلك كلما خلت الزمان من المعنى.

هكذا نغادر موريتانيا، بعد أحد عشر يومًا… لكنها لا تُغادرنا. هذه الأرض لا تُزاحم الأماكن، بل تتخطاها لتكون مقامًا من مقامات المعنى. تُشبه نفسها، وتُشبه شيئًا فينا لم نكن نعرفه، حتى مررنا عليها، فاستيقظ، كأنها مرآةٌ علّقها الله على صحراء ممتدة، ليرينا أنفسنا كما نحن… بلا تجميل، بلا أقنعة.
في موريتانيا، لا تُقاس الأيام بعددها، بل بعمقها. وليس الزمن ما يمضي، بل العمر هو الذي يُسترد من قبضة العادي. هنا، حيث تتلاقى الرمال والروح، وتذوب المسافة بين السماء والأرض، وبين الكرم والشرف، وبين المروءة والسكينة. دخلناها، وكل منا يحمل همًا، فكرة، أو بحثًا عن شيء ما. وخرجنا منها، وكل منا قد حمل شيئًا جديدًا، قد لا نعرف اسمه بعد… لكنه يسكننا.

في نواكشوط، التقينا برجال، لو أن التاريخ نطق، لنطق بأسمائهم. رجالٌ لا يطلبون مجدًا، ولا يبحثون عن أضواء، ولكنهم يضيئون. عابرون من طينة الأنقياء، يشتغلون بصمت، ويرحلون بعطرٍ يبقى. من هؤلاء، صحب كأنه يمشي على خريطة النية. يجيد فن الصحبة، كما يجيد فن التغافل عن الزلل، وكأن قلبه وُهِب للعبور النبيل فقط. وفي عمق العاصمة، زُرنا مركز تكوين العلماء، ذاك الجذر الممتد من أرض شنقيط إلى عصور السلف. هنا، كان اللقاء بمحمد المختار المامي، المدير العام، يتكلم فيصمت الجدل. وهناك، تلوح في الأفق روح المؤسس، العلامة محمد الحسن الددو، تملأ المكان نورًا، وعقلًا، وسُنّةً في التربية. لم يكن المركز مؤسسة، بل كان روحًا تربّي، وتختصر قرونًا من العلم في بضع كلمات.

وفي قلب الصحراء، أدركنا أن الكرم في موريتانيا ليس خُلقًا، بل هو فطرة. لا يُدرَّس، ولا يُمَارس، بل يُولَد مع الناس. تمرّ على البيوت الطينية، فتُفتح لك القلوب قبل الأبواب. يُقدَّم لك اللبن قبل أن تسأل عن الماء، ويُفرش لك الشاي كما تُفرش طاولة ملوك. وهنا، لا أحد يطلب شيئًا، لأن الجميع يمنح. لا لأنهم أغنياء، بل لأنهم أعزاء. كما كتب العقاد: “العظمة في النفس لا في المال”، وقد رأينا العظمة هنا، بعيونٍ لا تتحدث كثيرًا، ولكنها تقول كل شيء.

ولم تكن الرحلة بلا تحديات. الطريق إلى أعماق البلاد ليس مفروشًا، لكنه مفروشٌ بالتجارب. من وعورة الطرق، إلى التقلبات المناخية، إلى تفاوت الإمكانات… كل شيء كان يذكّرك أن الحياة هنا ليست سهلة، لكنها تستحق. كما قال المسيري ذات تأمل: “الفقر المادي لا يعني فقرًا رمزيًا”، وهنا فهمنا كيف أن البساطة قد تكون أرفع من التعقيد، وكيف أن القليل من الطين، قد يكون أغنى من أبراج الزجاج، حين يسكبه صاحبه بإخلاص في كوب ضيفه.

وفي المساء الأخير، قبل المغادرة، جلسنا كان الصمت أبلغ من الكلام. كأنما أدركنا أننا لا نغادر بلدًا، بل نغادر زمنًا لن يعود، همس أحدنا: “الرحيل يوجع، لكنه أيضًا يوقظ.” وكان محقًا، فها نحن نكتب، لأن القلب لم يحتمل الصمت، ولأن الوداع أحيانًا لا يُكتب بالحروف، بل بالدمع. نغادر ونحن نحمل في أعناقنا أمانة. في رقابنا وديعةٌ اسمها “الوفاء”. نغادر، ولكن بيننا لقاءٌ مؤجل مع من نحب. ولئن طال الغياب، فالنية لا تموت. والطرق التي عُبِّدت بالحب لا تُغلق. سامحونا إن بدرت منا لمحة لم تلق قبولكم، أو تقصيرٌ لم ننتبه إليه. ما قصدنا إلا الخير، وما أردنا إلا أن نكون كما يليق بأهل شنقيط من الوفاء.

وداعًا موريتانيا… يا أرض العلم والكرم والرجال الذين تُكتب أسماؤهم بماء الذهب. وداعًا وأنتِ فينا، كما كتب الرافعي: “الوداع روح اللقاء، وألم الفقد وعدٌ بالعودة.” وإنا على العهد… ما حيينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top