آهٍ يا وجع القلب… قبلةٌ لم تكتمل، وزفافٌ توقف في منتصف الطريق

Getting your Trinity Audio player ready...

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

كان المساء دافئًا على غير عادته، كأن غزة قررت أن تهادن الحرب ليومٍ واحد فقط، كأن السماء أغمضت عينيها، كي لا ترى مشهد الفرح، خشية أن تحسده.
كأن المدينة نفسها، بكل أنينها، بكل هشيمها، بكل شتاتها، قررت أن تبتسم لفادي.

في بيت أمه، كانت الزغاريد تُحضّر في القلب لا على الشفاه، لم تُعلن بعد، لكن الجدران شعرت بها، والمقاعد الصغيرة في الزاوية الشرقية انتظرت جلوس النسوة، والورد على الطاولة كان يكاد ينبت من ذاته من فرط الفرح.
كل شيء كان يستعد، بصمتٍ خاشع، لوصول العريس، في الداخل، كانت الأم تُخيّط بأصابعها قُبلة. قبلةٌ قديمة من زمن الرضاعة، كانت تحفظها له كما تحفظ كنزًا، لتمنحها له عند عودته من الحلاقة، حين يقف أمامها بكامل وسامته، وتقول له:
“بارك الله لك يا بني، وجعل أيامك كلها بياضًا كقلبك.”

لكن فادي لم يعد.
عاد وجهه عبر الهاتف، محمولًا على الأكتاف. ووجهه الذي كان يتهيأ للفرح، غطّاه الغبار.
عاد فادي، لكن بلا موكب، بلا موسيقى، بلا حنّة، بلا عطر.
عاد جثمانًا، عريسًا بصيغة الشهادة، عاد إلى حضن أمه، لكن ليس كما أرادت، بل كما أرادوا هم.

قبّلت قدمه الملطخة بالدم، بدل خده المتورد، وقالت بصوتٍ لا يُشبِه الأصوات: “كنت أهيّئ لك قبلة الحياة… فخذها الآن قبلةَ وداع، يا نور عيني.”

في غزة، هكذا تُقلب المواعيد.
يُستبدل الزفاف بالدفن، والزغاريد بآيات الرحيل.بدل أن يُكتب اسم العروس على بطاقات الدعوة، يُكتب اسم القاتل على صفحة السماء. منذ متى يُقصَف العرسان؟ منذ متى يُغتال الشباب في طريقهم إلى الحياة؟
منذ متى تُكفّن الابتسامات، وتُدفن في تابوت صغير قبل أن تُلتقط صورة؟

فادي لم يكن يحلم بالكثير.
فقط أن يلبس بدلته البيضاء. أن يأخذ صورة مع أمه. أن يضحك قليلاً، فقط قليلاً. لكن الاحتلال لا يسمح لغزة أن تضحك.

غزة لا تعرف الفرح إلا بوصفه ذكرى.تُحرَم من التفاصيل: من التمهيد، من الاحتفال، من الختام.
لا تكتمل فيها اللحظات. دائمًا شيءٌ ما يُبتر. كأن المدينة لا تعيش العمر كاملًا، بل مجرد أجزاءٍ موجعة منه.كأن الوقت فيها لا يمشي، بل ينكسر.

في كل بيتٍ غزّي، قبلة لم تكتمل.
في كل بيتٍ، أمّ علّقت أمنياتها في سماءٍ مثقوبة، وكتبت دعاءها على حافة قذيفة. وفي بيت فادي، ظلّت القبلة معلّقة، لا تجد خدًا تسكنه، ولا لحظة تحتضنها.
تحوّلت من بشارة حياة، إلى ختم شهادة.
من وردة، إلى جرح.
من حبّ، إلى حكاية.

ورغم الدم، لم تُفلتها.
ظلّت تقبّل قدم ابنها، كأنها تُلصق بها الحياة من جديد. كأنها تهمس له بصوت الغيب: “لم يفت الوقت يا بني، قُبلي ما زالت دافئة، سأحتفظ بها، وربما نكملها هناك، في الجنّة، حيث لا قصف، ولا غياب، ولا وداع.”

تخيّلوا أمًّا تنتظر زفاف ابنها، فتُزفّ له وهو جثمان. تخيّلوا عروسًا تنتظر، في بيت آخر، فتصحو على إعلان استشهاد خطيبها.
تخيّلوا شعبًا لا تُكمل فيه المواسم، بل تُقطف قبل أوانها.
هذا ليس مشهدًا عابرًا.
هذا ليس فادي وحده.
هذا وطنٌ كاملٌ يُشيّع أبناءه كل صباح، ويلفّ أمنياته بالكفن، ويقضي لياليه يُرَقِّع ذاكرته المحطّمة.

يا ربّ…
هذه أمّ، لم تطلب سوى الحياة لولدها، فامنحها اللقاء الأبدي.
هذه غزة، ما أرادت سوى الأمان، فامنحها السلام.هذه قبلة، لم تكتمل… فأكملها أنت يا كريم، هناك، حيث لا دماء.

اللهم إنّا نستودعك غزة وأمهاتها، عرسانها وأحلامها، أطفالها وحقولها، قبّلاتها المعلّقة، وقصصها التي لا تُروى كاملة.
اللهم كن لها، فإنها لم تجد غيرك.
كن لأمهات الشهداء، فإن قلوبهن تقطر وجعًا وصبرًا. كن لشبابها، فإن أعمارهم تُختطف وهم في طريقهم إلى الحياة.اللهم يا من لا تضيع عنده الودائع،نستودعك قُبلة لم تكتمل، ومشهدًا لم يُختم، وزفافًا توقف في منتصف الطريق.
نستودعك فادي، وكل فادي، ودمه، وصوته، وأمه، وأحلامه المؤجلة.واجعل يا رب، لكل قبلة مبتورة، لقاءً مكتملًا في فردوسك الأعلى، حيث لا بكاء، ولا وداع، بل حضور لا يغيب، ووصال لا يفنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top